نادية عصام حرحش: بيت سكاريا: قرية.. فخِلّة.. فشارع بمدينة بيت لحم 

 

نادية عصام حرحش

ظهر اسم بيت اسكاريا العام الماضي عندما اجتاحت الكورونا القرية. فكانت الحالات ببيت اسكاريا مثار حديث المتحدث باسم الحكومة على مدار أيام ربما.

عندما سمعت تداول الاسم سعدت سعادة يصحبها السخرية أكثر، حيث قلت في نفسي، رب ضارة نافعة، جاء اليوم لتعرف فلسطين احدى قراها المعزولة وسط تجمع استعماري ضخم.

تقع قرية بيت اسكاريا على بعد تسعة كيلومترات جنوبي مدينة بيت لحم، وتعتبر من القرى التي يعود تاريخها الى اكثر من ألف و ثمانمائة سنة.

اكتسبت القرية اسمها نسبة الى مقام/ ضريح النبي زكريا الموجود فيها.

تعتبر القرية موقعا اثريا، حيث افرز التنقيب ثلاثة قبور منحوتة في الصخر تعود للقرن الأول قبل الميلاد، وكذلك قطع فخار من العصر الروماني والبيزنطي.

تظهر خريطة مادبا وجود كنيسة مهمة في المكان الذي بني عليه مسجد النبي زكريا. يمكن رؤية بعض انقاض الكنيسة محفوظة في فناء المسجد وسطحه. عثر كذلك على قطع فخارية من العصر المملوكي في القرية.

قرية بيت اسكاريا اليوم تتشكل من خمس تجمعات سكنية محاطة: خلة البلوطة، وادي شخيت، خلة عفانة، منطقة الشافعي، بالإضافة الى بيت اسكاريا التي تشكل التجمع السكاني الأكبر.

لا تتجاوز عائلات القرية اثنتين و تسعين عائلة، مكونة من قرابة سبعمائة شخص. عدد السكان بالرغم من محافظة أصحاب القرية عليه تقريبا، الا انه ثابت بانحدار منذ احتلال إسرائيل للضفة الغربية عام ١٩٦٧.

من مجموع الإثنين و تسعين بيتاً، سبعة و ثلاثون بيتاً تتهددها إخطارات بالهدم من قبل سلطات الاحتلال الاسرائيلي.

القرية محاطة ومبتلعة بالكامل بداخل تجمع استعماري ضخم، اخطبوطي الطابع، تكتل عصيون. فلا تكاد تميز من القرية طرفها حتى تكون في قلبها، لأن المستعمرات تقع على مشارف الأبواب.

مساحات كبيرة من الأراضي، آلاف الدونمات المصادرة ومئات الدونمات مما تبقى يتربص بها المستعمر ليبلعها.

اكثر من ألفي دونم صودرت لتبنى عليها المستعمرات، وثمانية آلاف دونم يملكها السكان ويقيمون بيوتهم عليها ويعتاشون من أراضيها الزراعية المهددة بالمصادرة بالكامل.

ولكن….. كورونا بجائحتها كشفت للسكان أكثر مما كشفه اهل فلسطين عن وجود هذه القرية.

 في وزارة داخلية السلطة هذه القرية مسجلة كشارع في بيت لحم.

بصدفة ما، حاول السكان تقديم طلب لترميم الشارع وربطه، وطُلب من السكان (من قبل بيت ايل- التنسيق العسكري) تقديم طلب لربط الشارع، فوجدوا ان القرية غير موجودة على الخريطة.

ما جعل من الامر أكثر تعقيدا هو مآل الكورونا. فكان الجيش الإسرائيلي يأخذ مصابي الكورونا من القرية ويرميهم – على حد تعبير أحد السكان ـ عند مفترق النشاش (بيت لحم).

على الحاسوب الرسمي، بيت سكاريا مسجلة على انها شارع بمدينة بيت لحم.

ابلغ المواطنون بكتب رسمية لكل من وزارة الداخلية ووزارة الحكم المحلي ومسؤول التنسيق بضرورة تصويب الوضع.

هذا يضع المنطقة في خطر أكبر من خطر عزلها من قبل المستعمرات الإسرائيلية المحيطة بها.

ان لا تكون القرية مسجلة في مكانها الطبيعي، يأخذ منها حتى وجودها الفعلي، أي ان الخارطة حتى لا تعترف بوجودها.

نفس الامر يتبع التسمية التي أطلقتها السلطة على القرية، حيث تم تحويل القرية الى “خلة”، والخلة هي قطعة ارض محددة خالية، عملية محو للاسم وتغيير طابعها بجعلها أولا خلة بدل من كونها قرية، ومن ثم تسجل على انها شارع في مدينة بيت لحم.

كيف يتم تغيير الأسماء، ولماذا، ومن يتدخل ويقرر هذا التغيير؟

في الإحصاء العثماني لعام ١٥٣٨-١٥٣٩، تشير ايمي سينجر في كتابها الفلاحون الفلسطينيون والمسؤولين العثمانيين الى وجود القرية وتبعيتها الى ناحية الخليل، وانتقال عائداتها سنة ١٥٥٧ الى الامارة الإمبراطورية في القدس.

في إشارة أخرى ادوارد روبنسون يصف القرية على انها كانت سنة ١٨٥٢ متواجدة على تل منعزل تقريبا، منتفخ باتجاه الشمال الغربي بين وديان عميقة ومتصلة مع الأرض المرتفعة جنوبا.

في قائمة عثمانية لسنة ١٨٧٠ هناك إشارة الى وجود مقامٍ إسلامي مكرس للشيخ زكريا يقع تحت شجرة كبيرة، ولوحظ وجود عدة خزانات ارضية تشير الى مرور الطريق الروماني القديم الى القدس من خلالها.

سنة ١٩٤٨، حاول عبد القادر الحسيني السيطرة على التل الاستراتيجي للقرية مع قواته، ولكنه هزم امام الجماعات اليهودية.

بعد هزيمة ال ١٩٤٨ واتفاقات الهدنة لعام ١٩٤٩، صارت التبعية للاردن، وبعد نكسة ال ١٩٦٧، وقعت القرية تحت الاحتلال الإسرائيلي. عدد سكانها منذ ١٩٤٨ لم يتجاوز السبعمائة. في المقابل أقيمت مستعمرة بعد اتفاقات أوسلو سنة ١٩٩٥ وصنفت كامل أراضي القرية تحت مناطق ج التي تخضع للسيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية الكاملة. تمت مصادرة مساحات واسعة من الأراضي من القرية من اجل بناء مستعمرات افرات، روش تسوريم، الون شفوت، مجدال عوز، كفر عتصيون، بات عاين.   لم يتجاوز سكان جميعها بضع مئات حينها.  وفي محاولات مستمرة لإزالة القرية صمد السكان وضيّقت عليهم الحياة، لم تبق أي وسيلة تهجير وتهجيج الا تم استخدامها على مدار العقود والسنوات. وتوسعت المستعمرة ليبلغ عدد قاطنيها اليوم أكثر من مائة و ستين ألف مستعمر.

طبعا، هنالك مجلس قروي بيت اسكاريا القائم بحد ذاته، تم تغيير وضعه من قرية الى خلة بلا مراجعة لأهل القرية، ليكتشف اهل القرية وضعهم عن طريق الصدفة، بدأ أولا برمي المصابين الذين ينتمون الى شارع ببيت لحم، ومن ثم بمحاولة ترميم الشارع. عندما حاول السكان العمل على مدخل القرية، وقدموا خارطة المكان للموافقة ليأتيهم الجواب من الإدارة المدنية الإسرائيلية انهم غير موجودين على الخارطة، وعليه لا يمكن ربطهم مع أي منطقة او شارع.

كيف يتم تسمية منطقة- قرية مكونة من حوالي ثمانية آلاف دونم على انها شارع؟

تعود تسمية القرية ببيت اسكاريا إلى بيت زكريا، حيث يتواجد مقام النبي زكريا.

عملية ترحيل قسري ممنهجة، يجد السكان أنفسهم فيها مضطرين للعيش خارج القرية التي لا يستطيعون البناء عليها والتوسع في أراضيها. بيوت القرية لا يتمكن السكان من تحسين ظروفها او وضع أي إضافات عليها، فالجدران مكونة من الطوب القديم وسقوفها من الصفيح.

القرية بطبيعة الحال منفصلة كذلك وجدانيا وفعليا عن المدن المجاورة. فلا مواصلات عامة مخصصة للقرية، و يضطر اهل القرية الى المغامرة بالمرور من طرق المستعمرين، بالإضافة الى الحواجز العسكرية التي يمكن وضعها متى شاء الجندي، فتفصل القرية تماما عن كل إمكانيات الخروج منها.

بيت اسكاريا تشكل النكبة الفلسطينية المستمرة التي يعيد مشهد التهجير فيها نفسه للحظة ستأتي قريبا. أناس يعيشون في خوف من الترحيل القادم بأية لحظة على مدار عقود.

مصادرة الأرض وتهجير السكان  مشهد متكرر في كل مكان.

قرية بلعتها مستعمرة.

مئات القرى الفلسطينية تحولت الي معازل داخل بؤر استعمارية متضخمة من شمال فلسطين الي جنوبها. تكاد ترى وتفهم المخطط واليات تطبيقه وامتداده حتى ابتلاعه لكل ما تبقى من مكان الا من بعض الاطلال. يشكل السكان في حال هذه القرى جزءاً من المشهد.

اطلال لما تركه التاريخ وراءه ونسيته الجغرافيا وتركت فيه بعض الإشارات.

تبحث عن القرية داخل مستعمرة. لقطات لحياة عابرة غابرة لا يلتفت لها أحد.

بيت اسكاريا ليست استثناء بمعظم صفاتها وديناميكية الحياة فيها، وبالتالي وضعها الحالي ومصيرها المرتقب

مصير ترحيل قسري مختلف.

مصير ترحيل قسري متجدد منذ لحظة اعلان الاحتلال ضمه لأراضي الضفة الغربية سنة ١٩٦٧.

مصير ترحيل ممنهج، مدروس، محكم التفاصيل، يستنزف الأرض كما يستنزف الانسان حتى يُنَشِّفه تماما من اخر قطرة دم تبث به حياة.

مصير شعب يقبع تحت احتلال في مواجهة اليات تطهير عرقي وعسكري بجسده وأرضه وحياته.

بيت اسكاريا قصة قرية وجدت نفسها داخل مستعمرة. تحيط بها اثنتا عشرة مستعمرة تشكل كتلة عصيون.

أهلها يعانون معاناة يومية من كل ما يتوقعه المرء من المستعمرين المحيطين. اذى، عزل، تنكيل، تهديد، اغلاق، منع، مصادرات، وهدم بيوت محتم.

كاتبة فلسطينية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. شكرا للأستاذة الكاتبة نادية
    كم من مثل هذه المقالات نحتاج في الحقيقة لكي تدرس ضمن المناهج الدراسية في جميع الدول العربية و يتم ترجمتها باللغات الأخرى ليتم تدريسها في الدول الاسلامية.
    نتمنى أن نرى لك قناة على اليوتيوب كل أربعاء أو اثنين من كل أسبوع . و تحدثينا بمقالاتك بصوتك وإطلالتك . فالمتابعون كثر ولكنهم لا يقرأوا أو يتصفحوا موقع رأي اليوم.

  2. من اجمل ما قرأت في زمن جفاف الذاكرة وقلة الهمم . شكرًا للأستاذة والزميلة ناديا حرحش على هذا العطاء دفاعا عن بلدنا فلسطين

  3. الاخت ناديا المحترمه
    شكرا جزيلا على تعريفنا بالقرى الفلسطينيه المنكوبه
    ربما لولا (كورونا ) لما سمع بها الا القليل القليل
    وهناك الكثير من القرى الفلسطينيه المنسيه بفعل فاعل

  4. لا حول ولا قوه الا بالله العلى العظيم. لعنه الله على اوسلو وعلى ما بعد اوسلو لا يبقى لدينا سوى ما بعد حيفا!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here