“غزاوي” في الأردن : تنسى.. كأنك لم تكن

56.jpj

ناجي أبو لوز

لم يبدع النسيان كصفة بشرية في الهام الشعراء , بإضافة لغة شعرية جديدة , او حالة قصوى تصف ألم النسيان , بل أمهلت قادة الساسة في عالمنا العربي , حتى ألجموا خيل الحرية لابناء القطاع الغزي لجام الحرمان من كل ما يستحق به هذا الكائن البشري الذي وكأنه صفع بتهمة تسمى على سبيل المثال ” غزاوي ” .

منذ 18 عاما وانا ألملم الوعود , و الجهود الحثيثة في ان اكون على مستوى رفيع من الاهبة والاستعداد لخوض عذابات ابن القطاع النازح الى الاردن , في تحمل اعباء هذا العقاب القانوني ربما في منع أهم الحقوق الاساسية لي في العيش كمواطن ومقيم لا يرد الا ان يشق طريق البحث عن فرصة للعيش الكريم .

بدأت كما بدأ أي شاب ينطلق من بقعة مخيمية بإتجاه طموحه , فكانت مصيدة الفقر تجوب كافة ملامح الأحلام في داخلي , حتى انني ذهبت باتجاه اخر بعيد كل البعد عن ممارسة المتعة في حلم الشباب وآمالهم , فكانت بداية المسيرة التي لم تنته بعد , لكن مشيئة الله و قدرته فاقت قدرة القانون الظالم من وجهة نظري على الاقل , فكان موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك , هو الباب الاول الذي فتح لي نافذة ان ادرس حلمي ” الصحافة والاعلام ” وان كانت قد توقفت المعجزات الالهية بعد القرآن الا ان الفرص الحقيقية يمنحها الله , فيجعلني عاملا في مقهى انترنت شعبي , بثلاثة دنانير فقط لليوم الواحد .

 وبعد مرور ستة اشهر , طرق باب صفحتى على الفيس بوك طارق من دولة عربية شقيقه , فكانت سيدة تحمل في سرها هدية ليست من الحكومة ولا من حقوق الانسان وليست رقما وطنيا , بل كانت ايمانا منها بموهبتي في الكتابة او بحسب رأيها ” مشروع إعلامي وكاتب ” .

وقالت لي ذات يوم اذهب الى western union   , وخذ ما ارسلته لك هناك من لبنان الى عمان .. انا هذا الشاب المخيمي الذي لم يخرب من جنوب عمان , من صحراء المملكة الى خصوبتها و مدنيتها .. انا هذا الشاب الذي اعتقد وليس نكتة مختلقة .. ان هذا المدعو باسمه ويستيرن يونيون هو ” مطعم ” ربما .. فضحك من سألته عن هذا المطعم واوضح لي انه مركز لتحويل الاموال وصرف العملات .

كانت حوالة المبلغ الذي ادخلني الجامعة , ثم اكتملت مسيرة التعب والعطش للغد الذي جاء هذا ” الغد ” .. اليوم .. فلم يتغير شيء .. وما زال ناجي ينتظر  , فما هي الا وعود الكثيرين بانك مبدع وسأنقلك لحياة كلها ابداع وحياة العيش والمال .

اليوم اتذكر اني كنت عامل ” نظافة ” وبائع خضار في السوق المركزي للخضار , وبائع ” ترمس ” على عربة ابي صاحب اليد الواحدة , فقد إلتهمت ألغام اليهود في نكسة ال67 عندما كان في غزة ,  يده اليسرى , وما زالت هذه اليد توقظني في نومي , لتخبرني .. متى ستحرك لي يديك وتزف البشرى ,, بأنك اخذت نصف الحق على الاقل , لتكون انسانا … متى ستنتهي من غزيتك الموشومة والمشغولة بالحرمان .

في الفترة الجامعية التي انتهت متأخرة جدا ,  بكل تعب و ارهاق , وصلت البحر ورجعت عطشانا آلاف المرات , فكنت مذيعا اخباريا في احدى القنوات الفضائية , فما كان من صاحبها الا ان رفض منحي العقد في العمل ورفع نسبة الراتب , وذلك لاسباب تتعلق بعدم التزامي لانني طالب مثلا , وهذا ليس صحيحا .. او ربما لا يثحتاج هذا الشاب الغزي لاهتمام ذلك الرأسمالي الصغير .

ثم شركة انتاج اعلامي , تمتص حبر دمي الذي كتبت به نشرات اخبارية وتقارير لمدة عام ونصف , رفض رب العمل توقيع العقد … واكاد اني تاثرت بحربهم النفسية اني غزاوي لا اصلح لأن احمل اسم قناة في بلد ليست بلدي خوفا منهم اني ربما سأقلب البلد ” عاليها واطيها ” .

في هذا البلد انا لا ازاود على عشقه لكنني جعت و نمت وفرحت وحزنت فيه وعليه , ويحق لي ان افخر اني كنت اعلاميا ” عريف حفل ” لقاء العاهل الاردني بابناء المخيمات فكنت انا ابن المخيم الذي اختاروه ليقدم المتحدثين امام حضرة الملك عبد الله الثاني في تقديم الشكر له و طلب العون لهذه المخيمات .

ثم اليوم ولا شيء سوى اليوم .. أشكو  .. ولكن ان بقيت بضعة ايام تحت هذا المتنفس الكتابي قليلا .. ربما .. سأختنق وسيتحول طموحي فقط مجرد البحث عن وظيفة عادية جدا خالية من اي حلم لي في هذا المجال .. انا ابحث عن انقاذ عائلتي و استمراريتي في راتب شهري .. انا ابحث عن اي شيء لأعيش .. أنا أبحث عن وطني الذي لا اعرف له حدود … فهو هذا الامتداد العربي .. وهو هذا القانون المحدد الذي يخنقني لأن اتعلم او اتقدم .

وأنام هذه الليلة لأقرأ درويش ” تنسى كأنك لم تكن ” …

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.