ناجى احمد الصديق: خزون الذاكرة فى الشعر العربى ابتداع مبدع… أم تقليد اعمى

ناجى احمد الصديق

(من المؤكد ان هنالك فارقا بين الشاعر الذى يستمد مادته من ذاكرته  دون ان يقع اسيرا لها  وبين الشاعر الذى يسلم قياده الى هذه الذاكرة او ينظم شعره معتمدا علي ما فيها من محفوظ لاغير ) مجلة العربى العدد 458 يناير 1987م ص 80

لذاكرة الشاعر دورا هاما فى استحضار الصور والمفرادات الشعرية وهو يكابد الانتاج فى قصيدته .. ولتلك الذاكرة – ابضا- يعود الفضل فى بناء الشعر الكلاسيكى (الذى يعتمد على المخزون الثقافى اكثر من اعتماده على المعاناة الآنية او التأثير الحالى)د.سهير القلماوى ، مجلة المجلة ديسمبر 1968م

من هذه النقطة بالتحديد ندلف مباشرة الى الدور الذى تلعبه الذاكرة  فى الشعرالعربى ، لان ذلك   الشعر قد يتأثر الى حد بعيد بمخزون تلك الذاكرة بل ان ذلك المخزون كان وما يزال احد المصادر الاساسية فى بناء الشعر العربى , ولأن كان من المسلم به ان مفجر الوحى الشعرى عند كثيرا من الشعراء هو الاساس فى ميلاد القصيدة فان ذلك المفجر  يرتد عند بعض الشعراء الى مخزون يماثله فى الذاكرة الواعية لتأتى القصيدة مستوحاة فى بناءها من الاخيلة الموجودة فى ذلك المخزون . اذن فان للذاكرة دورها الكبير فى بناء القصيدة

بالرغم من كل الانتقادات التى تم توجيهها اليهامباشرة باعتبارها تمثل تعبيرا عن الماضى الذى ربما لا يكون معلوما للمتلقى ، اكثر من انها تمثل تعبيرا عن الحاضر المعاش .

بعيدا – اذن- عن تلك السهام الناقدة نسلط الضوء على دور الذاكرة فى الشعر العربى ليس لانها واقع مفروض سار عليه كثيرا من الشعراء ، ولكنها – ايضا- تمثل فى بعض جوانبها المشرقة نوعا من الابداع الذى يكون باعتماد الشاعر على على الذاكرة دون ان يقع اسيرا لها .

ان النزعة الكلاسيكية فى شعر الاحيائيين بوجه عام هوالاعتماد على مخزون الذاكرة والتمسك به على مستوى الصور الشعرية والمفردات المجردة بل على الواقع الذى يلازم انتاج ذلك المخزون ، وذلك هو التقليد الذى رفضه دعاة الحداثة   والذى دارت  بسببه حروبا كلامية حامية الوطيس ومثالنا على ذلك الشاعر احمد شوقى الذى كان واحدا من الشعراء التقليديين الذين نالتهم سهام النقد بسبب تلك التقليدية المفرطة فى بعض الاحيان حيث كان فى بعض الاحيان –كما يرى البعض – لا يفعل اكثر من استعادة الاخيلة والالفاظ من مخزون الذاكرة  كما   فى قوله

لعلاك المذكرات عبيد

خضع والمؤنثات اماء

والذى هو ترديد لقول ابى العلاء

للمليك المذكرات عبيد

وكذالك المؤنثات اماء

ولم يفعل فى بعض احيان اخرى غير اقتسار الماضى من واقعه بغير ان تكون له صلة بالحاضر المعاش كما فى قوله

يا بنت ذى اللبد المحمى جانبه

القاك فى القاع ام القاك فى الاجم

هذا قول ربما نقبله من امرىء القيس او حتى من الفرزدق وجرير  ولكنه لايصدق فى زمن سفرت فيه المرأة وخرجت على الملأ جنب الى جنب مع الرجل

ومثل شوقى كان البارودى الذى قال شعرا استعان عليه بالذاكرة الاسترجاعية عبر ثلاث شعراء قبله تداولو نفس المعنى وربما نفس الالفاظ  فأين البارودى الذى قال

وما زاد ماء النيل الا لاننى

وقفت به ابكى فراق الحبايب

من البحترى الذى اورد نفس المعنى فى قوله

وسأستقل لك الدموع صبابة

ولو ان دجلة عليك دموع

بل اين البارودى والبحترى من البهاء المصرىالذى قال

وما طاب ماء النيل الا لانه

يحل محل الريق من ذلك الثغر

هذه – اذن- ذاكرة تقليدية ليس فيها شىء من الاباع تعاطاها كثير من الشعراء الكبار ورفضها كثير من دعاة التجديد واصبحت – كما هى سنة الحياة – موضع تجاذب بين الماضى الذى ولى بغير ما رغبة منه والحاضر الذى يريد ان يفرض نفسه بغير ما حجر عليه.

هنالك نوع آخرمن الذاكرة تميز عن النوع الاول –  برغم تمسكه بالماضى – شىء من الابداع  وهو ما يستطيع به الشاعر ان يوظف الذاكرة  لخدمة افكاره ووالفاظه وصورة المستوحاة من الحاضر ، ويستطيع – ايضا- بذلك التوظيف من المزاوجة المفيدة بين ذاكرة الماضى ولحظة الحاضر .

الشاعر احمد شوقى نفسه والذى قال شعرا وصفه بعض النقاد بانه لم يفعل فيه شيئاسوى ترديد اللفظ والمعنى ، قام بانتزاع نفسهفى كثير من شعرهمن قبضة الذاكرة واصاغ تجاربه على نحو مستقل افضى به الى الولوج الى افق الحضور الابداعى …. وهو الافق الذى ميزه عن شوقى الذى يسمع باذن السابقيين ويرى بعيونهم

وطنى لو شغلت بالخلد عنه

ناذعتنى اليه فى الخلد نفسى

وهفا بالفؤاد فى سلسبيل

ظما للفؤاد من عين شمس

شهد الله لم يغب عن جفونى

شخصه ولم يخل حسى

نخلص مما سبق دور الذاكرة فى الشعر العرب وهودور تكامل عند كثير من الشعراء الذين اصبحت ذاكرة كثير منهم اليوم ما يشبه المستودع(الذى يختزن  فيه الشاعر كل ما يراه  … وكما يقوم المستودع بالحفظ فحسب دون ان يتدخل تدخلا جذريا كذلك ذاكرة الشاعر لا  تتدخل فيما يحفظه ) . مجلة العربى ، العدد يناير 1997م ص 83

للذاكرة الشعرية  مهمة اخرى قامت بها وهى المبالغة المفتعلة عند بعض الشعراء والتى قد تؤدى فى بعض الاحيان الى مسخ الشعر وتشهويه ، انظر الى قول البارودى

ولكنه الحب الذى لو تعلقت

شرارته بالجمر لاحترق الجمر

على اننى كاتمت صدرى حرقة

من الوجد لا يقوى على مسها صدر

والذى هو صدى للصورة الشعرية التى جاء بها الشاعر ابى فراس الحمدانى حينما قال

تكاد تضىء النار جوانحى

اذا هى اذكتها الصبابة والفكر

فندج فى قول البارودى مبالغة مفتعلة تستعصى على الشعر كما تستعصى على العقلفالشاعر ابى فراس اراد ان  يقول ان هبه شديدا وعنيفا كأنما هو النار ولكنه قام باستعمال كلمة  اعطت بعدا لطيفا على مجمل المعنى  وهىكلمة (تكاد) بعكس ما فعل البارودى من اعطاء اكاما قطعية ادت الى مبالغة غير مستحبة على مجمل معن ابياته .

لم  تكن صور التقليد كلها توليدا مباشرا كما فى المثال السابق ، فهنالكمما يسميه النقاد بالصور الشعرية الموروثة وهى صور تناولها الشعراء جيلا بعد جيل حتى فقدت طعمها من كثرة الاستعمال وثر المبالغة حتىاصبحتسمة فى شعر المتأخرين

نأخذ على سبيل المثال صورة نضح الدماء التى تناولها كثير منالشعراء عبر الحقب المختلفة

قال الاعشى فىوصف الخخمر

وسبيئة مما تعتق بابل

كدم الذبيح سليلها جريالها

ثم اعاد انتاجه السرى الرفا فى قولهوى كأنه

يسيل فم الذق الروى كأنه

جراحة زنجى يسيل نجيعها

ثم تعاطاه البارودى فى قوله

الا عاطينيها بنت كرم تزوجت

على نغمات العود نضح دماء

هذه صورة متولدة من الذاكرة كقاسم مشترك بين شعراء من حقب مختلفة توارثوها بصورتها تلك دون ان تكون تعبيرا عن مشاهدة عيانية للشاعر

للذاكرة اذن دورا بارزا فى انتاج الصور الشعرية   فى الشعر العربى وقل ان تجد شاعرا عربيا لا يستعين على شعره بتلك الذاكرة على مستوى الصور والاخيلة او على مستورى العبارات والالفاظ  .

من المهم ان يكون هنالك محافظة على القالب المتوارث للشعر العربى ومن المهم ايضا المحافظة على  تقاليد الشعر العربى وقواعده التى بنى عليها ، ولكن من المهم ايضا ابتداع  صورا للشعر والفاظ ومعان تساعد على التفرد والتميز    بحسب متطلبات العصر وقواعده حتى لا  يصبح الشعر العربى ترتدادا بعقبه ترداد.

كاتب سوداني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here