ناجى احمد الصديق الهادى: الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين أسبابها ومآلاتها

ناجى احمد الصديق الهادى

تعودت الولايات المتحدة الأمريكية على ان تكون هى وليس غيرها على هرم النفوذ العالمى بما لها من إمكانيات اقتصادية تحسبها انها الأقوى بين اقتصاديات العالم لهذا فانها غير مستعدة بالمطلق للتنازل قيد أنملة عن هذا الوضع سواء على الصعيد الدولى باعتبارها هى الموجه الاول لدول العالم فيما يتعلق بالأمور الاقتصادية والسياسية او على الصعيد المحلى باعتبار الشخص الامريكى هو من أكثر الناس تمتعا بحقوقه كاملة وان اعتقاده الراسخ بان دولته هى اقوى دول العالم لا يجب ان تشوبه شائبة ابد الدهر

تضاعف الاعتقاد بان الولايات المتحدة هى سيدة دول العالم منذ تسلم الرئيس دونالد ترامب زمام الأمور فيها وكان شعاره البارز فى حملته الانتخابية هو امريكا اولا ولا يعنى ذلك الشعار الا ان تكون المصالح الامركية فى المقدمة فى كل ما يقوم به من نشاط سياسى او اقتصادي كان ذلك على مستوى سياسته الخارجية او الداخلية ولم يحنث الرجل بوعده فقد رأيناه كيف وظف كل نشاطه كونه رئيسا للبلاد لخدمة بلده دون ان تقف فى وجه ذلك التوظيف اية عوائق حتى انه وضع كل التزامات القانون الدولى وأعراف العلاقات الدولية بل وحتى كوابح القانون الوطنى – وضهعا جانبا وهو يسير الى هدفه الكبير (امريكا اولا) لا يلوى على شئ

شاءت تفاعلات النشاط الدولى ان تبرز الى الساحة قوة جديدة لم تكن ذات تأثير كبير فى سابق الايام او انها لم تتجه الى احداث اختراق فى الوضع المستقر فى العلاقات الدولية ولكن الصين الشعبية والتى كانت ذات اقتصاد راكز منذ عهد طويل أرادت ان تتدخل لخلخلة النظام العالمى الجديد والذى انفردت فيه الولايات المتحدة بالقيادة بقطبية احادية بعد ان افل نجم الاتحاد السوفيتى الهرم الثانى للقطبية التعددية فى العالم وبهذا فقد اشتعل فتيل حرب باردة اخرى بعد ان خبا اوارها بالسقوط المدوى للاتحاد السوفيتى العظيم

الحرب الباردة (Cold War) هو مصطلح تم استخدامه لوصف حالة الصراع والتوتر والتنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى فى الفترة من منتصف الأربعينات حتى اوائل التسعينات وخلال هذه الفترة ظهرت الندية بين القوتين العظيمتين فى التحالفات العسكرية والدعاية وتطوير الاسلحة وتطوير التكنولوجيا والتسابق الفضائي وكان اللافت فى هذا الامر هو الانفاق المهول على الدفاعات والترسانات النووية والحروب غير المباشرة باستخدام وكلاء آخرين لتلك المهمة

الغيرة ىالسياسية والاقتصادية التى اصابت الرئيس ترامب شخصيا من الصين كانت هى الباعث على ذلك الهجوم الغير مسبوق والغير مبرر على الاقتصاد الصينى والذى يرى فيه الرئيس ترامب منافسا قويا له على مستوى التعامل الدولى ولربما راى فيه ايضا مهددا محتملا لازاحة الاقتصاد الامريكى من موقعه القيادى فى عالم اليوم .

وجد الرئيس ترامب فى شركة هواوى فرصة سانحة لممارسة لعبته المفضلة فى تضخيم الاحداث حتى الوصول الى نقطة فرض عقوبات على الدول فقام من فوره بتحريض القضاء الامريكى باكالة التهم للشركة الصينية العملاقة ثم اخذ فى التصعيد من خلال وسيلته المفضلة تويتر حتى مرحلة اعلانه زيادة الضرائب على الواردات الصينية من الحديد والصلب قبل ان يتراجع قليلا ويرضخ لجملة من الضغوط المحلية والدولية .خاصة بعد قمة الفيديو كونفرانس لزعماء مجموعة العشرين، حيث أجرى الرئيس الأمريكي في اليوم التالي، اتصالا هاتفيا بالرئيس الصيني، وأثنى على التقدم الذي أحرزته الصين في مكافحة فيروس كورونا المستجد، وطلب زيادة التعاون بين البلدين في هذا المجال

ما ان وصلت جائحة كورونا فى الولايات المتحدة حتى قام الرئيس ترامب نفصه باشعال فتيل الحرب الباردة بينها وبين الصين مجددا وربما كان الاثر النفسى الذى تركته الجائحة فى دواخل ترامب لجهة ان الجائحة قد ضربت بلاده كما لم تضرب غيرها الاثر الاكبر لفتح حربا باردة صريحة هذه المرة ، لان الجائحة التى اطبقت على تلابيب العالم اجمع كانت اشد ضغطا على انسان الولايات المتحدة من حيث الاصابات واعمق اثر على اقتصادها بسبب الاغلاق حتى انها تصدرت دول العالم الى وقت طويل فى عدد الاصابات وعدد الوفيات وبدا الرئيس ترامب لاول مرة فاقدا لبوصلة التحكم فى قيادة بلاده للدرحة التى يصدر فيها قرارا على كل راس ساعة يلغى بهى قرارا اخر صدر قبل ساعة

يعتقد المحللين ان ما يدور الان بين الولايات المتحدة والصين هى بداية حرب باردة بين قطبى الاقتصاد العالمى وانها مرشحة الى ان تصير معركة كسر العظم لان اى من البلدين لن يرضى الانكسار امام الاخر وانهما يعلمان ان انكسار هنا يعنى الرضوخ الابدى لمعادلة خروج المهزوم من ميدان المعركة والى الابد .

تخوض الولايات المتحدة والصين فى هذه اللحظة منافسة قوية على التجارة والتكنولوجيا والسيطرة العسكرية على بحار جنوب وشرق الصين ، ويدور هذا الصراع على شكل متزايد على موجبات الايدولوجيا وحقوق الانسان على الاقليات فعلى سبيل المثال حيث تقوم الولايات المتحدة بتكثيف حملتها ضد الصين فى تلك المنطقة متذرعة بحماية اقليم هونكونج من تغول الصين وانتهاكاتها لحقوق الانسان فيه كما تكثف حملتها فيما يتعلق بحقوق الاقلية المسلمة فى اقليم تشينحانغ حيث يعتقد ان الصين تقوم بانتهاكات خطيرة لحقوق الانسان ضد الأقلية المسلمة فى ذلك الإقليم ويأتى تكثيف الولايات المتحدة لتلك الحملات فى سياق كسر ارادة الصين من ثغرة حقوق الانسان وذلك ان ملفات حقوق الانسان كانت من اكثر الملفات تأثيرا على ارادة الدول ومن اكثر الاشياء التى تمثل ورقة ضغط على الحكومات لهذا فان استخدام الولايات المتحدة لتلك الملفات فى سياق هجومها المستمر على الصين يمثل واحدة من حلقات الضغط الذى تمارسه لاحبار الاقتصاد الصينى الناهض على التراجع لتتربع هى مرة اخرى على قمة الاقتصاد العالمى دون منازع

قام الرئيس الامريكى باستغلال خروج فيروس كورونا من الصين حيث اخذ فى الدفع بقوة فى اتجاه محاسبة الصين على تعمدها الأضرار بالاقتصاد العالمى لجهة ان هذا الفيروس قد ادى الى اغلاق اقتصادات الدول لمدة طويلة وان هذا الامر قد اضر بتلك الاقتصادات وتكبدت الدول بسببه خسارة فادحة لم تتمكن من السيطرة عليها حتى الان

في سياق حملة الهجوم الأمريكي على الصين فيما يتعلق بفيروس كورونا، تم إنتاج مصطلحات هجومية سهلة التداول مثل «الفيروس الصيني» أو «كونغ فلو» – على غرار «كونغ فو». ووصف مايك بومبيو الحزب الشيوعي الصيني بأنه «الخطر المركزي الذي يواجهه العالم في الوقت الحاضر»، وأنه «مايزال يخفى عن العالم الكثير من المعلومات عن الفيروس». هذه الاتهامات في حقيقة الأمر تعتبر امتدادا لمدرسة الحرب الباردة السابقة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، التي استمرت لمدة خمسة وأربعين عاما. وتسعى الولايات المتحدة من خلال استخدام أسلحة الحرب الباردة المعروفة، وابتكار أسلحة جديدة، إلى تخريب الصين من الداخل، وتكوين رأي عام يحاصر الصين عالميا. وفي سياق هذه الحرب الباردة، تقوم الولايات المتحدة بزيادة مجهودها العسكري في المحيط الهادي، وتحريك الكثير من قطع الأسطول السابع إلى بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان ومضيق ملقا، إضافة إلى تكثيف الطلعات الجوية، ونشر صواريخ باليستية متوسطة المدى في بلاد تحيط بالصين مثل، أستراليا وكوريا الجنوبية

تمثل تايوان واحدة من أوراق الضغط الامريكى تحاه الصين وفى هذا السياق أصدرت الإدارة الامريكية ما يسمى بقانون( تايبيه) وهو القانون الذى ينادى للتأكيد على مساندة الولايات المتحدة لحكومة تايوان ضد مبدأ (الصين الواحدة) الذي تلتزم به الصين في علاقاتها مع دول العالم. بهذا القانون الذي وافق عليه الكونغرس فإن الولايات المتحدة ستدخل في حرب دبلوماسية غير مباشرة مع الصين، بفرض عقوبات على الدول التي تقطع علاقاتها مع تايوان، من أجل إقامة علاقات دبلوماسية مع الصين. لكن الدعم الدبلوماسي الأمريكي لتايوان ليس بلا ثمن؛ ففي مقابله يتعين على تايوان ان تشتري المزيد من الأسلحة الأمريكية، والسلع المختلفة، بما فيها مواد الطاقة والسلع الزراعية.

قامت الصين من جانبها بفعل دفاعي خجول وهو نفيها التكرر لاى مؤامرة نحو الولايات المتحدة على وجه الخصوص وعلى بقية دول العالم على وجه العموم فيما يتعلق بظهور فيروس كورونا فى مدينة اوهان الصينية رافضة فى نفس الوقت فكرة إجراء تحقيق دولى بهذا الشأن بسبب ان الأولوية الان لمكافحة الفيروس لا لاجراء تحقيق بشأنه وترتيبا على هذا فقد تضامنت عدد من الدول الاوروبية مع الولايات المتحدة فى اتهامها للصين ولم تسلم فى ظل هذا الاصطفاف منظمة الصحة العالمية من تهمة التولطؤ مع الصين للإضرار بالعالم وعلى الرغم من عدم وجود اية ادلة علمية – كما يقول العلماء- على ذلك الاتهام الا مر يبدو خرج من المجال الطبى العلمى الى المجال السياسى واصبح اتهام الصين ومنظمة الصحة العالمية تحركه السياسة وليس الطب وبذلك اصبح واحدا من ادوات اشتعال الحرب الباردة بين الصين والولايات المتحدة الامريكية

بمرور الوقت اصبح شبح الحرب الباردة اقرب من اى وقت مضى بين القوتين الكبيرتين فى العالم

حيث اشار موقع (انسايد اوفر) فى نسخته الايطالية الى ان تراشق التهم بين الصين والولايات المتحدة وتداعيات جائحة كورونا يمكن ان تكون الشرارة التى سوف تطلق حربا بينهما

ولكن هنالك من يرى ان كل ما يحدث لا يمكن ان يؤدى الى حرب بين البلدين فبحسب أستاذ السياسة جوزيف ناي فى موقع (انسايد اوفر)، فإن الصين لديها قوة نووية محدودة، وتصل قيمة المبادلات التجارية الصينية الأمريكية إلى نصف تريليون دولار سنويًا، ويبلغ عدد الطلبة الصينيين في الولايات المتحدة إلى 350 ألف، وعدد السياح الصينيين إلى ثلاثة ملايين كل عام قبل أزمة الكورونا.

 

ومن خلال عضويتها في منظمة التجارة العالمية، عملت واشنطن على احتواء الصين وتحويلها إلى ديمقراطية من خلال إدخالها تدريجيا في النظام العالمي للهيمنة الأمريكية.

ولم يحدث هذا بالطبع، لكن الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين البلدين أصبح حقيقة حاليا، وهذا الترابط الاقتصادي القوي يرفع بشكل كبير في تكاليف الصراع المحتمل ويقلل من فرص اندلاعه.

 

وأورد الموقع أن الحرب واسعة النطاق ليست مناسبة لأي طرف، على الأقل بالنسبة لواشنطن خاصة، لأن الخسائر ستكون أكبر من الغنائم.

كاتب سوداني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. اخالفك الرأي يا اخ ناجي الهادي .ترامب لم يركز على وعوده بامريكا اولا بل اسرائيل اولا. ولا انسى تصريح تلفزيوني له يفسر موقفه العدائي تجاه احد القادة الايرانيين اذ قال – ان ذاك الشخص لا يحب اسرائيل وانه لا يحب امريكا وتبعه بترديد ذلك السناتور ليندسي خراهام بنفس الكلمات = لا يحبوا اسرائيل ولا يحبوا امريكا. اذا اسرائيل اولا. .
    ان الصين وروسيا لا يحكمهم قادة هوجائيين ولن يسرعوا باتخاذ خطوات هامة ضد امريكا الا عندما يشعروا ان الوقت اصبح مناسبا. نابليون استعجل في غزو روسيا وكذلك نابليون – وصدام حسين وغيرهم وخسروا – ولكنهم سيكظموا الغيظ ويحضروا لتدمير امريكا اقتصاديا ذات يوم .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here