ناجى احمد الصديق: الصورة والاصل بين ربيكا وجين مورس توارد الخواطر فى روايتى “ربيكا” “وموسم الهجرة الى الشمال”

ناجى احمد الصديق

(she was so lovely, so cultivated, so amusing) Rebecca

    ( ولكنها مفرطة فى الذكاء ، مفرطة فى الظرف حين تشاء) موسم الهجرة الى الشمال

هذه مقاربة بين روايتين ليس بينهما رابط لا فى الزمان ولا فى المكان ، ومع ذلك فان لهما من القواسم المشتركة ما يجعلنا نمسك بالقلم ونسجل مجى الدهشة التى اصابتنا واعتقد انها ستصيب القراء – ايضا- من ذلك التشابه الغريب بين الروايتين ليس فى بناء الشخصيات بل فى اللغة التى يعبر بها تلك الشخصيات ايضا .

هذه مقاربة –اذن- من النوع الذى كان يجيده الاديب الراحل عبد الهادى الصديق الذى ما ذالت كلماته التى خطها عن التجانى يوسف بشير وتشايكوفسكى ما ذالت ررن فى اسماعنا حتى الان

فالى اى مدى كان توارد الخواطر بين (دافن دى مارى ) و (الطيب صالح ) فى روايتى (ربيكا) و (وموسم الهجرة الى الشمال )

تدور الفكرة الرئيسية – فيما نرى – فى رواية (ربيكا) حول تسلط المرأة ،،ربيكا ،،على زوجها “ماكسيم دى ونتر” الى الحد الذى يصل فيه ذلك التسلط الى مرحلة القهر والاذلال ، تماما كما تدور احداث رواية موسم الهجرة الى الشمال فى كثير من جوانبها حول الاغتيال المعنوى لبطل الرواية ” مصطفى سعيد” من زوجته المتسلطة “جين مورس” ومحو شخصيته من الوجود

” ربيكا” هى الزوجة الثانية لرجل يدعى ” ماكسيم دى ونتر” كانت تسكن معه فى قصره الكبير ” ماندرلى” ، وقد يعنينا الآن ان كل احداث رواية (ربيكا) كانت تدور حول تلك المرأة فى صورة استرجاع للاحداث منذ لحظة الزواج وحتى لحظة الموت ، وفى سياق تلك الاحداث نعرف كل شىء عن تلك المرأة الانموذج ، ولعل بناء شخصية “” ربيكا ” قصد منه ابراز لدور آخر للمرأة فى حياة الرجل وهو دور غير محبوب من معظم النساء ولكنه مثير  ولذيذ لبعضهن .

لم تكن ” بيكا” فى مجمل حياتها غير امرأة ماجنة وفاجرة لا تتورع عن فعل اى شىء ، حياتها عبارة عن اسفار ومغامرات يكتنفها الغموض ، وحديثها فيه نزق وفجور وتحد …. حياتها غامضة وماضيها مخيف ومستقبلها محفوف بالمخاطر ، ولعلنى اساءل – هنا- كما اعتقد انه قد تساءل غيرى ما يجمع بين “ربيكا” السالفة الذكر مع “جين مورس″ التى ابدع بناءها الطيب صالح فى رواية ( موسم الهجرة الى الشمال) ، ” فجين مورس″ هى الزوجة الاولى ” لمصطفى سعيد” بطل الرواية مصطفى سعيد ، امرأة جميلة وماجنة وكاذبة ، استطاعت ان تلعب نفس الدور الذى لعبته “ربيكا”من قبلها … دور المرأة التى تذل الرجل وتهزمه فى اعماق نفسه ، لا لشىء الا لاشباع غرور المرأة الجامح ، فمن هى “بيكا” كما تظهر فى الرواية الى حملت اسمها ؟ وما هو دورها فى حياة بطل الرواية ؟ وما هى تركبيتها النفسية التى جعلتها محور احداث الرواية ؟ لا احد يستطيع ان يجيب على هذه الاسئلة غير زوجها بطل الرواية ” ماكسيم دى ونتر” لانه هو الشخص  الوحيد الذى عرف حقيقة امرها تحت سقف المنزل الذى كانا يعيشان تحته

( You thought I loved Rebecca? I hated her, I tell you our marriage was a lie from the very first, she was wicked, rotten wicked, we never loved each other)

هذه هى ربيكا  كما وصفها زوجها والذى عرفهااكثر من اى انسان آخر , فالى اى مدى تطابقت صفات ربيكا التى ذكرنا مع مع صفات جين مورس فى رواية موسم الهجرة الى الشمال

( … لم تكن تعمل عملا  ، ولا اعلم كيف تعيش ،م اهلها من ليدز ، لم اقابلهم حتى بعدزواجى بها ، كان ابوها تاجرا لا اعلم فى اى بضاعة ، كانت تكذب حتى فى ابسط الاشياء ، تعود الى البيت بقصص غريبة عنه اشياء حدثت لها واناس قابلتهم لا يمكن ان يصدقها العقل …… ولكنها مفرطة الذكاء مفرطة الظرف حين تشاء …)

هكذا تحدثمصطفى سعيد بطل روايةموسم الهجرة الى الشمال عن زوجته جين مورس ، وبرغم منانجد انفسنا امام زوجين يتحدثان عن زوجتيهما بنبرات هى للآسى اقرب منها الى اى شىء آخر ، وبرغم منا  – ايضا – نجد انه لابد ان نبحث عن دوافع تلك الكلمات لانها جاءت على لسان رجلين لا يجمع بينهما سوى انهما شخصيتان وهميتان فى روايتين كتبت احداهما فى ثلاثينيات القرن الماضى بينما كتبت الاخرى فى التسعينات منه .

نموذج المرأة الجميلة شديدة التأثير على الرجال بصفة عامة وعلى  المجتمع من حولها على وجه الخصوص ، والذى تميزت به بطلتى الروايتين ، هو نموذج متداول بين الروائيين على مختلف جنسياتهم ، فما اكثر النساء الائى امسكن بزمام الامور ، وتسلطن على الرجال حتى صرن ذوات ذكر فى التاريخ عظيم.

برجوعنا للروايتين موضوع هذا المقال نجد ان ذلك النموذج قد اتخذ كتبرير لتضاريس العاطفة الذكورية حينما تتأرج بين القوة والضعف ، فكثير من الرجال الذين تبدو عليهم دلائل القوة الظاهرة ، يتم سحقهم من الداخل بفعل امرأة تعرف اين تكمن نقطةالضعف فيهم .

كان “ماكسيم دى ونتر” يعيش مع زوجته ” ربيكا” فى قصرهما المهيب ” ماندرلى” وكانت الحياة تسير بهم – فيما يبدو- عبر تعرجات عنيفة منذ اليوم الاول لزواجهما ، ولكن يبدو – ايضا – ان الزوجة ” ربيكا” قد تمكنت بسبب قدراتها الغير عادية من وضع انطباع عام لدى كل من يحيط بهم بانهم يعيشون فى سعادة كبيرة ، وهكذا امسكت ربيكا بزمام الامور وقادت حياتها مع زوجها فى الطريق الذى تريد ،وهكذا اصبح الزوج “ماكسيم” زوج الهانم التى تجرعه المرارت فى الخفاء وتظهره كأسعد انسان فى العلن. لقد تمكنت “ربيكا” من ان تجعل حياة زوجها اكذوبة  يعيش فيها على كره منه …. اكذوبة كبيرة بين الناس الذين يرون فيها الحياة المثلى لكل زوجين علىوجه الارض . وها هى تتحدث عن تلك الاكذوبة باستمتاع كبير واستهتار اكبر

( …. And people will visit us, and talk about us, they will say .. we are the happiest best-looking pair in England…. What a jock Max ?….. what a wonderful jock.  )

لم يكن مصطفى سعيد فى رواية(موسم الهجرة الى الشمال) الا انعكاسا لطيف بعيد من ماكسيم دىونتر فى رواية

( ربيكا )، ولم تكن “جين مورس” الا صورة من”ربيكا”فى جمالها وذكائها ومجونها وفجورها وقوتها الانثوية التى ادت الى نهاية مصطفى سعيد الذى جاءها غازيا فى عقر دارها ، ولم يكن لقاءه الاول بها الا بداية لسلسلة مريرة من الآلام .. تجرعها لحظة بلحظة ولم ينقذه منها الا موتها مقتوله بيده على فراشها فى غرفة نومهما معا . وهاهو يتحدث بلسانه ويقول :

(كنت اجدها فى كل مكان اذهب اليه … كانت تتعمد ان تكون حيث اكون لتهيننى …. اردت ان اراقصها مرة فقالت لى لا ارقص معك ولو كنت الرجل الوحيد فى العالم .. صفعتها على خدها فركلتنى بساقها ) ( …. لبثت اطارها ثلاث سنوات .. وذات يوم قالت لى تزوجنى … ولما انتهى العقد اجهشت بالبكاء وظلت تبكى الى ان خرجنا من مكتب التسجيل ، وفجأة انقلب بكاءها الى ضحك وقالت وهى تقهقه بالضحك : يــــــــــــــا لها من مهزلة …)  ، هكذا كانت حياة مصطفى سعيد بعد لقاءه الاول بجين مورس … جراحات ومرارت وهزائم  لانه هو  كما يقول هو ( …أنا الغازى الذى جاء من الجنوب  وهذا هو ميدان المعركة الذى لن اعود منه ناجيا) .

لابد ان يلح علينا احساسا قويا بعد هذا بان هنالك شيئا يجمع بين ماكسيم دى ونتر وربيكا من جهة  وبين مصطفى سعيد وجين مورس من جهة اخرى ، وسنحاول من بين ثنايا هذا الاحساس معرفة القواسم المشتركة بين شخصيات الوايتينفى بعض المواقف التى تخيرناها .

اولما يلفت النظر ان كل من ماكسيم ديونتر بطل رواية ربيكا ومصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة الى الشمال ظلا يجأران بالشكوى من الخيانة الزوجية التى كانت تتراءى لهما صريحة حينا وخافية احيانااخرى ، وبالرغم من انهما كاناعلى يقين من ذلك الامرالا انهما لم يستطيعا الا ان يتجرعا تلك الاهانة القاسية  على كره منهما .

(…Then she began to ask her friend dawn here- she would have them in the pay … I told her she could her friends in London. but Manderly was mine, she smiled but said nothing… she used this fellow “ Cavell” down to the cottage, she would tell servants she is going to sail and would not to be back before the morning – then she would spend the night down there with him.   )

هكذا تحدث ماكسيم ديونتر بطل رواية (ربيكا) عن زجته ،مبديا شكه الواضح فى خيانتها له دون ان يكون فى وسعه ما يفعله تجاه هذه الخيانة ، وهذا عين ما فعله مصطفى سعيد فى رواية (موسم الهجرة الى الشمال) حينما تحدث عن زوجته “جين مورس” حيث قال : (… كنت اعلم انها تخوننى .. كان البيت كله يفوح برائحة الخيانة ، وجدت مرة منديل رجل لم يكن منديلى سألتها فقالت : انه منديلك ، قلت لها ليس منديلى ، قالت :هبه ليس منديلك ماذا انت فاعل, ومرة وجدت علبة سجاير ، ومرة قلم حبر ، صرخت فى وجهها :اقسم اننى سأقتلك ، ابتسمت وقالت : انت فقط تقول هذا .. ما الذى يمنعك من قتلى ..) موسم الهجرة الى الشمال

هذا موقفان اشترك فيهما كل من ماكسيم دى ونتر ومصطفى سعيد فعبرا معا بكلمات تكاد تكون متطابقة  فى المعانى ان لم تكن فى الالفاظ ،تماما كما تطابق فيه الاحساس الذى تحمله كل من ربيكا زوجة ماكسيم وجين مورس زوجة مصطفى سعيد نحو زوجيهما بالرغم من تباين الزمان والمكان ، فهل كانت جين مورس هى الصورة وربيكا هى الاصل ؟ ام ان اللحظة التى اوحت الى دافن دى مارى ابتداع “ربيكا” هى ذاتها التى قدحت فى خاطر الطيب صالح تلك العنقاء التى افترست الغول(جين مورس) .

لم يكن ذلك الموقف هو الوحيد الذى تطابقت فيه المشاعر كما تطابق فيه التعبير عنها فى الروايتين  ،فقد كانت لحظة الزواج الهزلية لكل من ماكسيم دىونتر وربيكا من جهة ومصطفى سعيد وجين مورس من جهة اخرى علامة كبيرة على صدق تساءلنا الكبير حول توارد الخواطر بين كل من “دافن دى مارى ”  “والطيب صالح “

(……. People will visit us, and talk about us, they will say we are the happiest luckiest best looking pair in England … what joke  Max …. What wonderful joke….)

هذا هو حديث ربيكا مع زوجها ماكسيم دىونتر ، حديث فيه كبرياء واستهزاء ويأس ، حديث فيه مجاهرة ومحاورة ومداورة ، … ولكننا يجب ان نذهب الى الجهة الثانية سريعا لنرى ماذا قالت جين مورس لزوجها مصطفى سعيد فى لحظة الزواج (…. وذات يوم قالت لى : انت ثور متوحش لا يكل عن الطراد واننى تعبت من مطارتك لى ومن جرى امامك .. فتزوجنى) (…. وفجأة اجهشت بالبكاء، اخذت تبكى بحرقة .. دهشت لهذه العاطفة منها.. ولما انتهى العقد اجهشت بالبكاء مرة اخرى وظلت تبكى الى ان خرجنا من مكتب التسجيل ،وفجأة انقلب بكائها الى ضحك ،وقالت وهى تقهه بالضحك : يا لها من مهزلة) ،

لا احد يستطيع نبرة الاستهزاء والكبرياء واليأس فى هذا الحديث ، ولا احد يستطيع ان ينكر تطابق الاحساس و التعبير بين كل من ربيكا وجين مورس فى هذا الموقف ، ولكن لا احد يتسطيع ان يفسر لنا وصف كل من ربيكا وجين مورس لهذا الزواج بتعبير واحد بالرغم من ان لكل منهما لغة تتحدث بها فى الرواية فعبرت ربيكا عنه بكلمة (Joke)  بينما عبرت عن جين مورس بكلمة ( مهزلة) وهما كلمتان متطابقتان فى المعنى..

تبقى لنا الاشارة الى اكثر ما يثير الدهشة فى ذلك الشبه الغريب بين ابطال روايتى ربيكاوموسم الهجرة الى الشمال ، حيث تنقلنا تلك الاشارة الى نهاية البطلتين ” ربيكا” ” وجيم مورس″ والى الاسلوب الذى اختاره كل من مارى ديونتر والطيب صالح لانهاء حياتيهما .

قتلت ربيكا فى خيمتها بيد زوجها ماكسيم بنما قتلت جين مورس فى غرفة نومها على يد زوجها مصطفى سعيد ،وقد قام كل من الزوجين بذلك الفعل الشنيع تحت ضغط هائل من الهزائم  والانكسارات لازمتهما ليل نهار منذ لحظة الزواج الاولى ،ومثل ما قال ماكسيم فى رواية ربيكا:

(… I knew I could not stand that life of lie any longer..)

قال ايضا مصطفى سعيد فى رواية موسم الهجرة الى الشمال :

( ذات مساء داكن من شهر فبراير … درجة الحرارة عشر درجات تحت الصفر ، المساء مثل الصباح مثل الليل ،داكن ومكفهر ، لم تشرق الشمس طيلة اثنين وعشرين يوما .. فى هذه الليلة تحدث الامور الجسيمة ، هذه ليلة الحساب … )

كيف توافق دافن دى مارى والطيب صالح فى الاسلوب الذى انهيا به حياة بطلتيهما ؟ كيف تطابقت الدوافع لدى كل من ماكسيم ديونتر ومصطفى سعيد فى اقدامهم على ارتكاب تلك الجريمة بهذا النسق ؟ كيف تشابهت الوسائل الانثوية فى تحطيم الرجال لدى كل من ربيكا وجين مورس ؟ وكيف – اخيرا- تخير الكاتبان الزمان والمكان والجو النفسى التى ارتكبت فىه الجريمتان ؟

لعل آخر ما نشير اليه ونحن نقوم بهذه المقاربة بين روايتى ربيكا وموسم الهجرة الى الشمال هو تلك السطوة الانثوية الجبارة التى عمد اليها الكاتبان لتحطيم الصنم المتمثل فى ماكسيم ديونتر ومصطفى سعيد ، فقد كان آخر عهد ماكسيم بجمال الحياة فى اليوم الذى تزوج فيه ربيكا ،تماما كما كما لم يشعر مصطفى سعيد بلحظة سعادة حقيقية منذ زواجه الهزلى من جين مورس وحتى لحظة موتها الاخيرة فى مخدعهما معا

(… وقفت فوقها ذات ليلة والسكين فى يدى ، قلت لها : سأقتلك ، نظرت الى السكين نظرة بدت لى كأن بها لهفة ، وقالت : ها هو صدرى مكشوف امامك فاغرس السكين فيه.. جلست على حافة السرير بذلة،وضعت يدها على خدى وقالت بلهجة لا تخلومن رقة : انت يا حلى ليس من طينة الرجال الذين يقتلون ، اسست بذلة الوحدة والضياع)

لا يساورنى شك بعد الذى قدمنا ان بين “ربيكا” و ” جين مورس″ شىءمن شبه ، وان بين “ماكسيم دى ونتر “

و “مصطفى سعيد” شىء من ارتباط ، وان بين حياة كل من الزوجين شىء من توافق اكدته المواقف المشتركة ليس فى الاحساس فقط انما فى التعابير والالفاظ فى بعض الاحيان ، كما لا يساورنى شك – ايضا- بان شيئا من توارد الخواطر قد جمع بين دافن دى مارى والطيب صالح رغم ما يفصل بينهما من مسافة وزمن … الى اى مدى – يا ترى – تطابقت رؤى المؤلفين فى اجتراحهما لنموذج المرأة المتسلطة على الرجال بسحر جمالها وقوة شخصيتها ؟ والى اى مدى نحجا فى ابراز تلك الرؤى فى روايتى (ربيكا) و(موسم الهجرة الى الشمال ؟)

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here