ناجى احمد الصديق: الاثر الصوفى فى روايات الاديب السودانى الطيب صالح عرس الزين -مريود- بندر شاه

ناجى احمد الصديق

(…. ويظهر هذا التواصل بين المطلق والمقيد جليا فى روايات الطيب صالح التى ترتكن الى الارث الصوفى كوسيلة للبحث عن الحقيقة المطلقة فى عالم الغيب وكيفية توظيفها للعودة بالكون الى صفاءه وانسجامه وتصالح متناقضاته ، والربط بين الطرفين يعكس مدى المام الراوى الطيب صالح بمدونات التصوف الكلاسيكية وقدرته الفائقة على اصطحاب تجلياتها فى قاموس الحياة)      احمد ابراهيم ابوشوك

روايات الاديب السودانى المتميز الطيب صالح لها صيت زائع بين مختلف الاوساط الثقافية على مستوى العالم ، ويكفى فقط ان نعلم ان روايته (موسم الهجرة الى الشمال) كانت ضمن (افضل مائة رواية على مر التاريخ الانسانى) ، اذن فنحن امام كاتب متمكن من ادواته وله قدرة غير عادية فى السرد القصصى فاق بها على اقرانه على مر عصور التاريخ ، ولكننا نريد فى هذه العجالة ان نتلمس بعض جوانب رواياته الزائعة الصيت ، ونطرق برفق على محددات اثر التصوف فى تلك الروايات لان التصوف كان ومازال وسيستمر ذو اثر بالغ على حياة السودانيين

البسطاء فى الارياف والمدن لكونه واحد من عناصر تكوين الشخصية السودانية فى بلد يصحو ساكنيه على صوت الانشاد وينامون على وقع دقات الطبول والنوبات.

يتجسد الاثر الصوفى فى رواية عرس الزين فى ثنائية الزين والحنين ، اما الحنين فانه كان فى اعتقاد اهل ودحامد رجلا صالحا منقطعا للعبادة ( يقيم فى البلد ستة اشهر فى صلاة وصوم ثم يحمل إبريقه ومضلاته ويضرب مصعدا فى الصحراء ويغيب ستة اشهر ثم يعود ) ويتناقلون عنه احاديث خارجة عن المألوف لا تحدث الا من اولياء الله الصالحين فيروى بعضهم – مثلا- انهم راوه فى مكان ما فى زمان ما بينما يقسم اخرون بانهم راوه فى نفس ذلك الزمان فى مكان اخر ويرى محجوب وهو احد زعماء ود حامد ان الحنين ولى صالح لذلك فهو يتحاشاه ويخشى دعواته فدعوات اولائك النساك لا تقع على الارض. اما الزين المنبوذ فقد كان قبيح الهيئة كبير القلب لا يعتقد احد من اهل القرية فى صلاحه الا والدته ومع ذلك فى فقد حدثت له اشياء خارقة للعادة لا تحدث الا لولى صالح ، احد هذه المواقف هو زواجه من حسناء القرية نعمة بنت حاج ابراهيم فقد كانت اولى إرهاصات ذلك الزواج هى نبوءة الحنين حينما قال على ملأ من الناس ان الزين المبروك سيتزوج باجمل حسناوات القرية  ثم تم الزواج بالحلم الذى حكته حليمة بائعة اللبن لزبونتها امنة وهو ان نعمة قد جاءها الحنين فى المنام وقاليها عرسى الزين (التعرس الزين ما بتندم) واصبحت الفتاة فحدثت اباها وامها وتم الامر ، هذا هو الزين ذو الجسم الضاوى الهزيل والقوة المريعة حينما تتدفق فيه ، وهاهو يخطب فتاة وراء اخرى ويصيح باعلى صوته ( ووووك الزين مكتول فى فريق …..)، وهاهو يلازم الشيخ الحنين فى حضوره للقرية ..يؤانسه ويصحبه اينما سار ، وهاهو يعاقر الخمر ويغشى حفلات الغناء ، ويسير حافى القدمين حاسر الرأس الى حيث تسوقه قدماه لا يلوى على شىء.

اذن فان شخصية الزين فيها من البساطة بقدر ما فيها من التعقيد وفيها من الوضوح بقدر ما فيها من الغموض ، وفيها سر لا يعلم احد كنهه ، وهى بهذا المعنى الصوفى الجاذب يحقق بها الطيب صالح نزعة التصوف المتأصلة فى المجتمع السودانى ، والذى لم يسلم منها على مر العصور من الغيوب التى تصل فى بعض الاحيان الى حد الخرافة . ولن نترك شخصية الزين والحنين قبل ان نستبين ملامح تلك اللحظة الفارقة ، ليس فى حياة ابطالها وحدهم ، بل فى حياة قرية ود حامد بأكملها ، تلك اللحظة التى قفز فيها الزين من بين يدى أصحابه وأطبق على عنق سيف الدين بتلك القوة المريعة التى تتدفق على جسده الضاوى من حيث لا يحتسب احد . فى تلك اللحظة الفارقة بين الحياة والموت بالنسبة لسيف الدين هل عليهم الحنين  من حيث لا يعلمون ، وحين ضاقت قبضة الزين على خناق سيف الدين وكادت أن تؤدى بحياته ارتفع صوته فوق الضجة (الزين المبروك … الله يرضى عليك) فانفلتت قبضة الزين ووقع سيف الدين على الارض ساكنا هامدا ، تلك اللحظة اراد لها الطيب صالح ان تكون فاصلا بين حياة وحياة بالنسبة لسيف الدين  من جهة ولقرية ودحامد كلها من جهة اخرى وكأنما الزين قد قتل سيف الدين العاق الشرير ومعه الفقر وشظف العيش لابطال تلك اللحظة ، وجاء من داخل جسده سيف الدين آخر له من الخلق مثل ما له من الدين ، وجاءت بركات ذلك الميلاد نعمة ويسرا على ابطال تلك اللحظة بصفة خاصة وعلى قرية ود حامد كلها بصفة عامة ، وكأنما اراد الطيب صالح ان يحقق كرامة للزين (ولى الله الصالح) كما تقول والدته وللشيخ الحنين (ولى الله الصالح ) كما يقول اهل ودحامد .

تلك اشياء قد وجدت طريقها الى التراث الصوفى فى السودان عبر كل عصوره المختلفة ، فالسودانيون قد شادوا حيواتهم على مثل تلك الكرامات وكتاب الطبقات لود ضيف الله يذخر بما يصدق وما ليس قابل للتصديق بكرامات اولياء الله الصالحين وما قرية ودحامد الا واحدة من اصقاع السودان التى تؤمن بكرامات الاولياء الصالحين وما الحنين والزين الا اقطابا صالحين يوجد مثلهم فى كل قرية وفى كل فريق .

رواية مريود

لعل الاثر الصوفى فى رواية مريود يكشف لنا تفاعل الحقيقة مع الغيب على سواءه فى روايات الطيب صالح ، فهو قد ابان لنا فى غير مواربة ما يقوم به اهل التصوف من مكابدة للنفس حتى تصل الى مراقى الكشف الصراح لعالم ما وراء الطبيعة ، وكما اوضحت لنا ثنائية الحنين والزين فى رواية عرس الزين اثر التصوف فى حياة المجتمع السودانى ، فان ثنائية بلال ونصر الله ود حبيب تكشف لنا بوضوح عن تغلغل الادب الصوفى فى عصب الحياة السودانية وتبرز لنا الجانب الروحى فى اعلى درجات نقاءه وطهره فى حياة الصوفيين .

نصر الله ود حبيب ولى من اولياء الله الصالحين كما تقول الرواية (…  قالو: وكان الشيخ نصر الله ود حبيب قطب زمانه بلا نزاع ، كان الناس يقصدونه من أطراف  الأرض طلبا لعلمه وتبركا بصحبته …) وكان بتلك الصفات يمثل الجانب الروحى المشرق من قرية ودحامد .. كان يمسك بحبال الوجد ولا يبتغى غير الوصول الى درجات تتقطع دونها الأنفاس ولا يجد لذلك سبيلا وهو الذى قال مخاطبا حواريه بلال (… لماذا يا اخى تبعد عنى هذا البعاد اما كفانى وكفاك ؟ ارفق بنفسك يا حبيبى فانك قد تبوأت رتبة قل من وصل اليها من المحبيين الخاشعين واننى اركض فلا اكاد الحق بغبارك ) هذا حديث صوفى عاشق اضناه الوجد وارقه طول الطريق ، وعلم كما علم كل الصوفيين الانقياء ان معرفة الحقيقة لا تجىء بالعبادة المظهرية وانما تجىء بالخلوص والطهر الداخلى فبالخلوص وحده يتحقق التجلى الذى لا تعرفه العامة ولا يقدر عليه الا الذين يملكون قهر انفسهم كما انها لا تجىء بالايمان وحده لان من طلب الحق بالايمان كمن طلب الشمس بنور الكواكب . فى الجانب الاخر نجد شخصية بلال التى تتجلى فيها النزعة الصوفية كأوضح ما تكون ، ولعلنا نجد بعض تهويمات الاقطاب التى طفح بها كتاب الطبقات لود ضيف الله فى حياة بلال ، واول تلك التهويمات ظهور بلال فى حياة الشيخ ود حبيب ، حينما اخذ ينادى (الينا يا بلال … الينا يا بلال ) اقسم الحاضرون (انه ما ان فرغ الشيخ نصر الله ود حبيب من ندائه حتى سمعوا صوتا عند باب المسجد يقول  يقول لبيك  …. لبيك) .

ثانى تلك التهويمات هو زواجه من حواء بنت العريبى ، فقد كان زواجا صوفيا محضا تتداخل فيه الشك مع اليقين والخرافة مع الحقيقة والحب الجسدى مع الوجد الروحى ، فحواء بنت العريبى كانت امراة صاعقة الجمال ، خطب ودها خيرة الشباب ولكن ولم يتعلق قلبها الا ببلال وكان بلال لاهيا عنها فى ملكوت ربه ولم تجد سبيلا للوصول اليه الا بعد ان تذللت للشيخ ود حبيب ،فاشار الى بلال ان يتزوجها فقال له بلال : (يا سيدى روحى فداك .. لكن لا تخفى عليك خافية من احوال عبدك المسكين .. انا ماشى فى دروب اهل الحضرة وأنت تأمرنى بأفعال اهل الدنيا ) على كل فقد تزوجها بلال بعد الحاح الشيخ ود حبيب وقضى معها ليلة واحدة فقط طلقها بعدها باذن الشيخ ود حبيب وحبلت منه بأبنه الطاهر الرواسى .

رواية بندر شاه

لا شك عندى ان برواية بندر شاه شئ من الغيوب لا نستطيع الجزم ان كانت طيفا صوفيا ، ام خرافة شعبية .. وليس عندى شك – ومهما كانت تفسيرات تلك الغيوب – فى ان البعد الصوفى قد كان حاضرا حول اولائك الذين كانوا ابطالا لاحداث كانت فوق مستوي العقل.

على سبيل المثال فان الرحلة التى قام بها( سعيد عشا البايتات ومحيميد) الى مكان ما فى زمان ما كانت رحلة خارجة على نواميس الحياة لا نستطيع تفسيرها الا باستحضار غيوب ما وراء الطبيعة

كانت رحلة سعيد عشا البايتات فى امشير حينما وقف فوق رأسه الشيخ الحنين وامره ان يذهب الى القلعة ويدخل القصر ولا يتحدث الى احد وحينما اخذ الصرة من القصروضعها فى المحراب فى الفجر وبعده طلع الى المئذنة وهو يبكى ( فريت الآذان يا اخوان .. طلع الصوت ما هو صوتى … صوت مليان بالاحزان … ناديت فوق البيوت … ناديت للسواقى والشجر … ناديت للرمال والقبور  والغياب والحضور .. ناديت للضالين والمهزومين والمكسورين .. للصالحين والسكرانين .. ناديت للنصارى والمسلمين) كانت لتلك اللوحة التى رسمها سعيد وهو يناى بصوت باك سمة صوفية خالصة وكان نداءه للصلاة فى ذلك الفجر المشهود نفحة روحية تجلت فى ذلك الحشد لكل اهالى ود حامد فى بالمسجد( فى غبش الفجر  وتحت البرد القارس والكل يبكى وينتحب ) ونفس تلك الرحلة قام بها محيميد حينما سمع نداءا واضحا ومألوفا يقول له ( يا محيميد تعال  … فهش له وقال نعم ولم يخطر له ان ذلك امرا مستحيل  فقد كان النداء هو الظلام او البرق الذى يلمع فى جوف الظلام) ولم يكن له الا ان يسير وراءه وقتفى اثره )

هذه معان صوفية تغلغلت فى عصب الحياة فى قرية ود حامد بشخوص روايات عرس الزين ومريود وبندر شاه ، فقرية ود حامد ككل قرى السودان فى ذلك الوقت تطفح بكرامات اولياء الله الصالحين ، ولتلك الكرامات كما يعلم الجميع اثر قوى على سير الحياة فأهل القرى مولعون بالتحدث الدائم عنها لا لغرض الحكى وحده بل لاغراض التذكر الدائم لعالم الغيب الذى يؤمن به الناس اكثر من ايمانهم بعالم الشهادة.

ان البعد الصوفى فى حياة اهل السودان بصفة عامة والمتمثل هنا فى احداث تلك الروايات بصفة خاصة  يعطينا التفسير المنطقى لعلو كعب اصحاب الحقيقة على اهل الشريعة وان بشارات اهل القوم اشد وقعا فى النفوس من قرارات الحكام ، وان خطرات الوجد من اهل الكشف تفعل فى النفوس ما لا يفعله الوعاظ والفقهاء من فوق سلالم المنابر.

فى اشارة عجلى قبل الختام الى الصوفى الطيب صالح كاتب هذه الروايات يصور لنا صديق محمد بن عيسى مشهدا من مشاهد حياته النابضة بقوله (الطيب صالح كان كل كامل ، لا ينافق ولا يحابى ، قنوع الى درجة اهمال حقوقه ومستحقاته ، كل شئ فى الطيب صالح ملفوف بالحشمة والتقشف ونكران الذات … ولى صالح حتى دون عمامته ، يتحدث معك فى كل شئ الا عن نفسه وعن اعماله…)

وها نحن فى نعلم فى الختام عن اى نفس صوفى صادق صدرت هذه الروايات ؟ وعن اى قلم مشبع بالعفة والتواضع سطرت كلماتها وفقراتها وصفحاتها ؟ وعن اى رجل قام بنسج الحقيقة والخيال فى كل مشهد من مشاهدها البازخة  وهو مضمخ بعبق الذكر من مفرق الرأس الى اخمص القدمين الى ادق الخلايا ؟

السودان

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here