نائلة تلس محاجنة: على عتبة الغموض…

نائلة تلس محاجنة

مخطئ من يعتقد ان العالم سيعاود مجرياته كسابق عهده قبل الجائحة… ولا يمكننا ان تجاهل اسقاطات ما قد يؤول اليه الواقع لفترة احكمت قبضتها على اتخاذ قرارات حاسمة في عدد كبير من المجالات. وان كان فيروس كوفيد 19 صيغة من صنع وتدخلات البشر او صيغة طبيعية فإنه سيلقي بظلاله على مستقبل يحمل تغييرات كانت قد أُستثنيت من على الطاولات المستديرة.

وفي ابسط صورة عشنا اجزاءها اذ تبدو مهنية ولكنها مغلّفة بخطورة لا تبدو للعيان تدق ناقوس التفكير والتفكر العميق في كنه تبعيّاتها، هي اتخاذ القرارات والإجراءات المتسارعة من قبل صانعي القرار او الاختصاصيين وهي حالة لها ابعاد مهمة على التغيير المستقبلي الذي ينتظرنا كمجتمعات وما قد ترمي اليه النتائج ليتكبده الأفراد.

فعلى سبيل المثال لا الحصر كانت الجامعات تنظر في موضوع المواد التي تدرس عن بعد في إطار محدود واحيانا تنتقده وتستثنيه من جدول العمل بما سيحمله من استثمار للموارد وتجهيزات وبناء بنية تحتية تكنولوجية لتتوافر العملية الاكاديمية بمستوى مهني لا ينتقص من جودة التعليم ولا من معايير المستوى الاكاديمي الرفيع لذلك كانت تتيح عددا محدودا من المساقات التي من وجهة نظر الاداريون ذو أهمية اقل من مساقات أخرى. ولكن !! وفي الفترة الأخيرة ومع اجتياح الوباء وخلال أسبوع واحد فقط وبقرار صارم ومتسارع تحوّل كل التعليم الاكاديمي والاجتماعات وكل المساقات الى تكنولوجية عن بعد، اتاحة كل المنظومة لمسارات محوسبة تتطلب من المحاضر تحديث مهاراته وبناء خطط تدريسية تتعاطى مع المنظومة الجديدة.

واذا ما اخترنا النظرة الإيجابية فان التأثير على المدى القصير لاقى استحسان المحافل الاكاديمية، من جهة أخرى اذا تعمقنا في الرؤية اكثر فان ذلك له اسقاطات عديدة أخرى لإدخال العالم الى عولمة اعمق مما سبقت! وقد نشهد بعض الإدارات الجامعية بمرحلة لاحقة تغيير جوهري في استقطاب محاضرين من جميع انحاء العالم والاتاحة عن بعد وتتبع سياسة التوفير الاقتصادي في عدم الالزام بالحضور وتكاليف السفر ونحوه. وهنا يدخل متغير اخر في استحواذ المنافسة وتطوير المهارات والكفاءات الاكاديمية، التكنولوجية، والتقييمية بما يتناسب مع الحيز الافتراضي. وبذلك فان العمل على الاجتهاد والحتلنة المستمرة والمستديمة هي عنصر ضابط في العمل المستقبلي، وهذا يأتي على حساب الجوانب الحسية والاجتماعية في السياق الأكاديمي التي تلاشيه طغيان العولمة.

وهذا باعتقادي لا يقتصر على المثال المذكور أعلاه وانما على عدد كبير من القطاعات، فيما نشهده بالأيام القليلة الماضية إمكانية العمل من البيت التي بدأت باتباعها الشركات مؤخرا وهي الحالة التي تسعى فيها القوى الاقتصادية للتحكم بالمقدرات وتقليص المستحقات التي تفرض تقليص مصروفات المكان للموظف مع تواجده بمكان العمل ما بين سفريات تامين وما الى ذلك… وهذا أيضا له اسقاطات اجتماعية وشخصية قد تتمثل في تحديد التناسب للحيز الزمني الخاص والشخصي، والعام للعمل وتأثيره التربوي على العائلة . ولا اريد ان استفيض فهناك قطاعات أخرى عديدة قد طالها التغيير بنواحي مختلفة.

إن التساؤلات كثيرة وشرعية.. وغالبا تخبطات تلوح في افق مجهول كما تأرجح فكري فيما سيكون… كيف ستبدو المطارات والتعامل فيها في ظل مرافقة الفيروس الذي يفرض علينا التعايش معه لفترات طويلة؟

وهل فعلا مجدي اكتشاف لقاح؟ وما الخبايا من ورائه!! اذ حين نقرأ مقالات عن اللقاحات التي أُعتمدت في السنوات الاخيرة واضرارها على الجسم فان المشهد مرعب جدا!!! وما يثير الشك والغموض مناداة بعض المؤثرين في العالم الى تلقيح كل العالم…

ماذا سيكون وضع المرافق الصحية التي تجاهلها متخذي القرار لسنوات؟ وسقطت في الاختبار.. هل سيتم اعادة النظر في استثمار وتطوير الموارد لمنظومة صحية اكثر جهوزية لمواجهة المستقبل الغامض ؟

ماذا عن الدول الفقيرة التي سيفتك بها الوباء بصورة ليست اقل صعوبة من الدول المتقدمة التي تملك القوة والايرادات والنهوض مجددا؟

علينا ان نعترف اننا نواجه حقبة زمنية جديدة سيخطها التاريخ “بما بعد الكورونا” وما بعد المخاض ستولد التحديات والاختبارات، وقد تتقلص الخيارات وصولا لإعادة البناء الفكري لمفاهيم حديثة، وقد تتشعب الشبكات لتصورات لم نعتد عليها، وتبدو كما تتراشق المواد على لوحة زيتية فتذيب الوانها ، تسيل وتختلط ولا نستطع ان نستقي لونا صافيا نقيا فنشتهي عتبة مصفاة تعيد لكل لون زهاءه.

كاتبة فلسطينية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. مقال جيد وجميل يخبر عما يمكن ان يحصل مستقبلا لكنه يصب في مصلحة العولمة والتحكم في العالم عن بعد

  2. فعلا ما قلتيه صحيح وياريت يحصل منه
    مثل التهوين عالطلاب في الجامعات والعمل عن بعد اكثر
    تحيات فلسطينيه
    الى خيرة الوطن من شعبي فلسطين في كل مكان
    اتحفتونا بالطرح والله

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here