م. محمد مرشد حماد: لماذا السودان ؟

 

 

م. محمد مرشد حماد

تتواتر الأخبار تتراً عن نجاحات جاريد كشنر ( القائم بأعمال الحكومة الإسرائيلية لدى إدارة دونالد ترامب) في إختراق المقاطعة العربية التي كان عمادها رفض أغلب الحكومات العربية الإعتراف غير المشروط بصبغة علنية بحكومة الإحتلال هذه المقاطعة التي شكلت ثقلاً سياسياً ، وأحياناً معنوياً لمجابهة قبول إسرائيل عربياً ودولياً ، وعملت على عزلها ولو ظاهرياً في مؤسسات ومنظمات المجتمع الدولي بما فيها الهيئات الثقافية والرياضية ، والتي تساهم مساهمة فاعلة في علاقات البلد الخارجية والصورة التي تراها عليها الأمم والشعوب .

عملت الحكومات العربية بغض النظر عن تحالفاتها واصطفافاتها بمقتضى قرارات الجامعة العربية في القنوات الرسمية فتمكنت من حشد الدعم للموقف السياسي العربي ، ومن ثم الفلسطيني ضد التسلط والغطرسة الإسرائيلية ، والإعتداءات ضد دول الطوق العربي أو التنكيل  بالعرب تحت الإحتلال ، وظهر هذا الأمر جلياً في قرارات وتوصيات دول حركة عدم الإنحياز وكذلك منظمة الوحدة الإفريقية وخلفها الإتحاد الإفريقي ، أضف الى ذلك منظمة التعاون الإسلامي والتي عُقد مؤتمرها الأول بعد حريق المسجد الأقصى .

ملف القضية الفلسطينية بقي ملفاً حساساً ومهماً لأي حكومة عربية ؛ فالقضية الفلسطينية تعيش في وجدان الشعوب العربية والموقف منها يؤثر على الرصيد الشعبي للحكومات ، وهذا الملف يُلقي بظلاله على السياسية الخارجية للحكومات  كما ويحدد موقفها من القضية الفلسطينية حجم الضغوط والإمتيازات التي تُمنع أو تُمنح لحكومة ما ؛ فمن غير الصحيح  إعتبار مساندة حكومة عربية للقضية الفلسطينية بالعداء المطلق لحكومة الإحتلال ؛ فحكومة الإحتلال توأم لمشروع استعماري كبير تحرسه وترعاه وترسم حدوده وفضائه المؤثر الإدارة الأمريكية الى الحد الذي وصف فيه بعض المنظرين في الشرق أو في الغرب إسرائيل بالولاية الذهبية والأهم بين الولايات الفدرالية الأمريكية والأحداث الأخيرة أثبتت بما لا يدعو للشك صدق قولهم .

وبالعودة للسودان فقد تأثر هذا البلد تاريخياً بمحيطه ، وارتبط تاريخه بالحضارة الفرعونية وكذلك بحضارات وادي النيل ، ونالت هذه الجغرافية نصيبها من الصراعات على الموارد المائية والزراعية قديماً وحديثاً ، وعند إستقلال السودان إضطرت بريطانيا على مضض قبول حدوده رغم التناقضات العرقية والدينية في جغرافيا السودان ؛ وذلك حين أدركت أن دولة الجنوب ستكون ضعيفة وبلا موانئ ، وكذلك إفتقار سكان جنوب السودان للمؤسسات التي تُمكنهم من إدارة أنفسهم دون حدوث نزاعات قبلية ودينية تعصف بكل ما لديهم ؛ فوجدت إتحادهم مع الشمال أقل ضرراً من انفصالهم فهي لم ترغب بتحمل عبء مسؤوليتهم لوقت طويل ؛ وكذلك عشقها لزرع بذور النزاعات في الدول التي إستقلت عنها .

تبدل الحال مع إكتشاف الموارد وخاصة البترول في جنوب السودان ، ونهج الحكومات السودانية المتعاقبة الخاطئ في الداخل السوداني أو إدارة علاقاتها الخارجية  ؛ فالسودان مثلاً في عهد النميري كان يميل ولو ظاهرياً الى النهج الناصري ، ومن ثم تغيرت علاقات السودان عند رحيل عبد الناصر وبدأ الخلاف بين النميري والسادات والذي أفضى لاحقاً لإحتضان مصر المعارضة السودانية سواء كانت مسلحة كما في الجنوب ، أو مدنية ممثلة بالأحزاب السودانية المعارضة على مبدأ نكاية الحكومات بغض النظر عن تَأثر الأمن القومي العربي والمصري بذلك أو إستقرار السودان ، وكذلك لعب نظام القذافي دوراً في زعزعة أمن المناطق السودانية ، وإبان وصول البشير للحكم من بوابة الترابي ومناصريه لم يتغير الأمر كثيراً بل توسعت رقعة التمرد مما اضطر البشير لقبول إنفصال الجنوب ضمنياً عند قبوله الإستفتاء  .

تمتلك السودان من الموارد والتي انبرى لدراستها نخبة أبنائه والذين منعهم غياب الإستقرار وسياسية بلدهم  أو تواضع الإمكانيات من تطبيقها والنهوض ببلدهم ، يضاف الى ذلك الدراسات التي أنجزها خبراء الإقتصاد العرب أو الأجانب والتي أثبتت بما لا يترك مجالاً للشك أن السودان هو سلة الغذاء العربي وكذلك أوصت بضرورة سبر غور ترابه بشكل أوسع ليكشف عن بريق ثرواته التي لا يمكن تخيلها أو تثمينها .

يلهث الكيان الصهيوني للإستغناء عن الدعم الإقتصادي الأمريكي بشقيه الحكومي والشعبي ؛ فمن المرجح أن يصل الوضع في الداخل الأمريكي لحد الحرب الأهلية أو التفكك في العقود القليلة القادمة  وبعد فشل تطبيق مبادئ التجارة الحرة التي أسس لها اللبراليون الجدد أصحاب النظرة الشاملة لمنظومة الإقتصاد العالمي ، والكيان الصهيوني بما يملك من مراكز أبحاث يتابع باهتمام الدراسات والأبحاث المنشورة من قبل منظمات دولية وعربية وسودانية ، والتي وجد في طياتها الحل الأنجع والأكثر واقعية لحل المشاكل التي تواجهه ، والمتمثلة بتحقيق الأمن الغذائي والمائي بعد أن إمتلك الطاقة بل أصبحت دولة الإحتلال مُورد مهم لها في الإقليم ومستقبلاً في العالم .

ليس من قبيل الصدفة تأزم ملف سد النهضة والتي نشرنا سابقاً تحقيقاً كاملاً عنها ؛ فحكومة الكيان تسعى لتأمين إحتياجاتها من الغذاء والماء من بوابتي السودان والنيل ، ولقد باشرت بالتعاون مع شركات زراعية ضخمة عمل شراكات للعمل في السودان والأمر ليس معقداً كما يعتبره البعض فالصناعة الزراعية تحتاج للأراضي الشاسعة والموارد المائية والمكننة .

إن أكبر خطر يواجه الشعب السوداني هو خصخصة أراضيه الزراعية وموارده المائية ، وحصول بعض رموز السلطة على ثروات هائلة من هذا الإتفاق ولكن لن تتحسن ظروف المواطن السوداني المعيشية بشكل حاسم ؛ فالتحسن كان سيكون بطئ لكنه حتمي ومتصاعد ؛ لو أن السلطة السودانية الحالية درست خياراتها وبحثت لنفسها عن هذه الشراكات الزراعية .

إن التعاون السوداني الصهيوني سيُفاقم مشاكل مصر وليكن أقلها المائية والغذائية ، وسيفوت الفرصة على العرب من تعديل العجز في الميزان التجاري ، ويبدد حلم أمنهم الغذائي بل سيرهن مصيرهم بشركات زراعة وغذاء عالمية ، والتي سيكون لها اليد الطولى في التجارة الدولية وتحديد تكاليفها ، وستشكل ورقة ضغط ضد أي مشروع غذائي منافس في الوقت الذي أدرك فيه الجميع أهمية الأمن الغذائي وسلاسل التوريد المتكاملة وضرورة تجاورها .

إسرائيل تجاوزت القضية الفلسطينية منذ إتفاقية كامب ديفيد ، وبدأت تفكر بمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تقوده منفردة دون الحاجة لأمريكا وأوروبا ، والنخب الحاكمة في أمريكا منذ عهد ريغان تعمل على مساعدة إسرائيل  لملأ الفراغ الذي تركه الإتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط .

وهذا لا يعني أن الإدارات الأمريكية تخذل شعبها أو تتآمر عليه فالولايات المتحدة هي عالم مستقل إقتصادياً ودفاعياً ، وليست بحاجة لمنطقة الشرق الأوسط ؛ لذلك وجدت في المشروع البريطاني جنيناً قابل للحياة والنمو ، وسيشكل درعاً لها ولأوروبا من أجل الإبقاء على نظامهم الاقتصادي والعالمي ومنع أي قوة جديدة من التشكل سواء كان مهدها الصين أو الشرق الأوسط .

ليس صحيحاً أن الإتفاقية بين السودان والكيان الصهيوني تصب في مصلحة السودان ، فالحكومة تسعى للدعم المالي الفوري والذي قد تحصل عليه ليس من أمريكا ولا من إسرائيل ، وستستخدمه في إقناع الشعب السوداني بجدوى هذا الإتفاق ، ولكي ترفع رصيدها الشعبي في الإستحقاقات الإنتخابية القادمة كوسيلة للتشبث بالسلطة ؛ ولكن ستدرك هذه النخب والشعب السوداني لاحقاً حجم الخطأ الذي اقترفوه ليس بسبب القضية الفلسطينية فقط بل حين رهنوا مستقبلهم وبددوا ثرواتهم ، وخسرانهم للبعد الأخلاقي وسيعيدوا خطيئة البحث عن الهوية في بلد الهويات الأصيلة .

لو كانت القضية الفلسطينية ودعمها هي سبب تخلف بعض الدول العربية كما يدعي البعض داخل وخارج السودان أو حتى أبواق المشروع الصهيو ــــ تـرامبي ؛ لكانت بعض الدول في شرق إفريقيا وجنوب الصحراء دولاً متقدمة ، وكذلك دول أمريكيا الوسطى والجنوبية التي تمتلك علاقات متينة مع الكيان الصهيوني ، ولكي يتم قراءة المشهد بشكل أوضح ، هناك رغبة أمريكية بصنع قوة اقتصادية ذات ثقل عسكري وسياسي تكون حليفة لها وبديلاً عن أوروبا التقليدية ؛ لتتفرغ هي للخطر الصيني والروسي في المحيط الهادي والذي هو أخطر لحدودها وممراتها المائية التي تتشكل في القطب الشمالي دون الحاجة لعبور المتوسط أو قناة السويس ، وتنهي تشتت تركيزها عن مضمار الموارد السائبة خارج العالم القديم .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. أنا من السودان _ وكلامك سليم _ لو أن السودانيين درسوا خياراتهم كان أفضل _ صناعة المستقبل تحتاج إلى جهد بطيء ومستدام كما قلت _ كل التقدير.

  2. ياخى مصر عند انفصال الجنوب وقفت وسادنت الجانب الخاطئ وكذلك العرب ولم ينظروا إلى المستقبل عكسنا نحن فى السودان كنا ننظر إلى مستقبلهم أكثر من نظرتنا إلى مصالحنا ولكننا هرمنا وتعبنا من جانب من نواليهم حتى سئمنا منهم واليوم اصبحتم تتباكون على لبن مسكوب نتيجة لسلوك حكوماتكم ونخبكم..ولك جزيل الشكر والتقدير

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here