م. محمد مرشد حماد: حماية الطبقة الوسطى مفتاح التنمية والإستقرار

 

 

م. محمد مرشد حماد

الطبقة الوسطى هي تلك الطبقة الإقتصادية في المجتمع التي تقع بين الطبقة الغنية والطبقة الفقيرة ، وقد عزا الكثيرون من علماء الإجتماع تضخم الطبقة الوسطى إلى انتشار الثورة الصناعية وتوسع المؤسسات الخدماتية إبان نشوء الدول الحديثة . تُعتبر الطبقة الوسطى الضامن الأول لأمن المجتمع ووقوده الإقتصادي الذي لا ينضب وزيادة أعدادها يُعتبر ظاهرة صحية كونها صمَّام الأمان الذي يُنظم العلاقة بين الطبقات الإجتماعية فهي تمنع تنَّمُر الطبقة الغنية على الطبقة الفقيرة ، وتمتص حنق الطبقات المُعدمة ، وتُوَفر للمجتمع الرخاء الإقتصادي ؛ كونها عماد القوى العاملة في القطاعين الحكومي والخاص على حد سواء ، علاوة على ذلك تعتبر الطبقة الوسطى الأكثر إنفاقاً ضمن جغرافيا البلد ، والأقل إعتماداً على معونات الحكومات ؛ فهي لا تتلقى مساعدات الطبقة الفقيرة ، ولا تصرف ببذخ على كماليات مستوردة  مما يسبب نزف موارد الدولة وتدفق الثروة خارج الحدود لأسباب متباينة ، وبالرغم من كل  ذلك  جُلَّ الضرائب تستوفى من مدخولاتها .

عند دراسة الطبقات الإجتماعية لابد من إستحضار الثورة الفرنسية التي تعتبر علامة فارقة في  نشأة  الدولة الحديثة لما لها من أثار إجتماعية واقتصادية وسياسية على العالم ، ومن غير المنصف أن تُختصر نتائجها بتغيير نظام الحكم في فرنسا فقط دون تحليل أثرها على تطور العلوم الإنسانية ، وتَبَلْور النظام السياسي والإقتصادي الحديث ، وترتيب المنظومة  الإجتماعية بعد إنتهاء مظاهر الفوضى والاضطرابات ، وقد عكف علماء النفس والإجتماع والإقتصاد على دراسة الثورة الفرنسية ومُسبباتها ، وأَجْمَعَوا أنَّ الطبقة الوسطى هي وقودها وحاملة شعلتها .

ومن أهم العلوم التي ظهرت بعد أحداث الثورة الفرنسية ، علم النفس الجماعي وقد اعتبره البعض فرعاً من فروع علم النفس الإجتماعي – إذ حَذَّر من تغييب المنهجية النفسية في التعامل مع الجمهور أثناء الازمات الإقتصادية التي تُفضي الى اختلالات إجتماعية تتآكل على إثرها  الطبقة الوسطى وتتحول إلى جمهور غاضبٍ ناقمٍ تتحد معه بشكل تلقائي الطبقة الفقيرة فَتتشكل عندئذٍ جماعات تُقاد بتطرف وفوضويه لتُقَوَض مدنية المجتمع وتستثني نُخَبَهُ فتسود العشوائية والتخبط  وينعدم الأمن  .

تضخمت الطبقة الوسطى في العالم العربي بعد الحرب العالمية الأولى وإبان الإستعمار الأوروبي ، وقد تشكلت هذه الطبقة من موظفي الدولة والعاملين في المؤسسات الأمنية والمهندسين وتجار التجزئة وأصحاب الحِرَف ولابد من الإعتراف أنَّ جزءاً كبيراً من الطبقة الفقيرة انتقل الى الطبقة الوسطى أثناء وبعيد الإستعمار الغربي للوطن العربي ، وتزايد الهجرة من الأرياف الى المدن بالتزامن مع الإستقلال ، وتَشكُّل الحكومات الوطنية على إمتداد الجغرافية العربية ، وبالتالي تضخمت الطبقة الوسطى مستفيدة من التوسع في التعليم العالي وإنشاء الجامعات والمعاهد وتَوفُر الوظائف التي تتعطش لها الدول الوطنية الوليدة من مدرسين ومهندسين وضباط ومهنيّين وأطباء وموظفي شركات النقل والإتصالات ، وتَعَززت مع نمو القطاع الخاص رُغْمَ تواضعه  .

 وممَّا لاشك فيه أن التوسع في التعليم لعب دوراً فاعلاً في بناء الطبقة الوسطى في الوطن العربي لكن غياب خطط التطور المدروس للمجتمعات ، وظهور التطور العشوائي سبَّبا تراكماً للمشاكل الإقتصادية والإجتماعية والسياسية التي تجاهلتها الحكومات وتوارثتها من جيلٍ إلى الى جيل . ظلَّت  معظم الحلول الكلاسيكية تعتمد على التوسع  في توظيف الطبقة الوسطى سريعة النمو ضمن القطاع العام ؛ فظهرت البطالة المُقَنَعًة وتعززت البيروقراطية ، وتناقصت المداخيل وتدنت الأجور وبقي القطاع الخاص ضعيفاً بسبب غياب الاستثمارات الضخمة .

ازدياد التضخم السكاني والتوسع في فرض الضرائب وغياب الإستقرار السياسي وأحياناً الأمني في العديد من المجتمعات العربية متأثراً بالصراعات الداخلية والخارجية المتلاحقة  أثر كثيراً على الطبقة الوسطى ؛ فتراجعت نسبتها في المجتمع ، وتَفَشت البطالة بإشكالها  وارتفعت الأسعار وسجلت معدلات التضخم والركود والفساد المالي أرقاماً قياسية ؛ فلم تعد الطبقة الفقيرة حكراً على من لا يمتلك قدرة أو مهارة  العمل نتيجة الأُميَّة أو المرض أو قلة الموارد الأُسريَّة من أراضٍ ورأس مال وعقارات وما الى ذلك من مسببات الفقر ؛ بل شملت أيضاً  فئة خريجي الجامعات التي بدأت تعاني من ندرة فرص العمل وتدني الأجور والتهميش الإجتماعي مع الأخذ بعين الاعتبار أن جُلَّ هذه الفئة هم من الشباب أضف الى ذلك فشل الخطط الإقتصادية في معالجة انحسار الطبقة الوسطى أو أهملت خطر انقراضها والأخطر من ذلك أنها تجاهلت خطر نقمتها .

المتابع للأحداث التي يشهدها العالم العربي يكتشف دون عناء أنَّ معاناة الطبقة الوسطى شكَّلت عاملاً حاسماً فيها ؛ فكما أنَّ الثورة الصناعية في أوروبا أفضت الى تغييرات جذرية في بُنيَة المجتمع الغربي وتمايز طبقاته وولادة تيارات فكرية أعلنت وفاة الإقطاع والتحول إما إلى الرأسمالية أو الاشتراكية ؛ كذلك سببت الثورة الرقمية والإعلام والعولمة صدمة في المجتمعات العربية المنغلقة ؛ فأيقن الشباب في الطبقة الوسطى أنَّه من الظلم بمكان ــ  مع ما يمتلكون  من مؤهلات ـــ أن يعانوا من البطالة والفقر والتهميش مقارنة بما يتمتع به نظرائهم  في الدول المتقدمة ، تماماً كما أيقن العمال إبان الثورة الفرنسية بأنَّ أجورهم لا تعادل جهودهم وأن الهوة أخذة بالاتساع بين فقير معدم وثري فاحش الثراء . وقد إعتبر جستاف لوبون Gustave Le Bon عرّاب علم النفس الجماعي أنَّ التعليم التقليدي يُعَّدُ سبباً من أسباب الفوضى في المجتمعات ؛ كونه يُوجه الفرد نحو إتجاهين لا ثالث لهما : فإما أن ينال وظيفة تضمن له مورداً إقتصادياً واستقراراً إجتماعياً ، وإمَّا أن يصبح ناقماً على النظام الإجتماعي برمته لشعوره بالظلم ، ويزداد هذا الاحساس تطرفاً بوجود تمييز طبقي في التوظيف ؛ فيشعر الفرد بالإحباط والنقمة على مجتمعه ، وأشار لوبون إلى ضرورة تغيير التعليم التقليدي التلقيني والتوجه نحو التعليم التقني ضمن إستراتجية التطور المدروس وتقنين التخصصات الإنسانية كما هو معلوم إن الطبقة الوسطى في الدول العربية تستثمر جزءاً ضخماً من دخلها في تعليم أبناءها ، ومن غير المنصف أن يكون هذا الإستثمار خاسراً ؛ بحيث يستمر تدفق الخريجين سنوياً الى صفوف الباحثين عن العمل ، وتتفاقم المشكلة من عام إلى أخر ؛ فالخريجون يطالبون بما هو حقُّ لهم في التوظيف والتشغيل والحكومات لا تغير نوعية التعليم ولا تُطور المناهج بل تكتفي بالمطالبة بالتوجه للتعليم المهني دون تغيير تطبيقي مُشَرعن وجذري في توجهات التعليم العالي ؛ فيصبح الشباب تربة خصبة لأي فكر هدام ومتطرف . من أولويات المحافظة على موارد الطبقة الوسطى حل مشكلة التعليم العالي حتى لا يستمر النزف المادي الذي يغذي تعليماً لا يُؤَمن لأبناء الطبقة الوسطى فرصة الحصول على وظيفة تتناسب مع تحصيلهم العلمي ؛ فالهدف من التعليم تأهيل الجيل الجديد لوظيفة أو مهنة المستقبل وليس مجرد ترف.

 الطبقة الوسطى تحتاج الى إستثمارات في مشاريع إقتصادية ضخمة تُغَير ملامح العجلة الإقتصادية التقليدية وليس فقط استثماراً بسيطاً كبناء مبانٍ جامعية يتم فيها التعليم التلقيني الممل للطلاب في زمن (الهولوغرام ) .

 إيجاد حلول ناجعة للمحافظة على الطبقة الوسطى هو مصلحة  قومية عليا كونه يُحَصّن الدول ويمنع  اضطرابها ، وأسرع هذه الحلول هو حماية مقدرات هذه الطبقة من خلال عدم تحميلها وحدها  الأعباء الإقتصادية وجعلها  تعيل الطبقة الفقيرة المُعدَمة وتَجَنُب تبديد ما تملك من أجل تراكم  مداخيل و ثروات الطبقة الغنية  إذ أن مشكلة البطالة من أهم مشاكل الطبقة الوسطى فهي تزيد من إعتماد الأسرة على معيلٍ واحد ممَّا يؤدي الى انتقالها الى مصاف الطبقة الفقيرة رغم توفر المؤهلات لدى بقية أفراد العائلة ، ومن الطبيعي أن أصحاب هذه المؤهلات الذين تأصل في اللاوعي عندهم أن شهادتهم ستقيهم شر العوز وتؤمن مستقبلهم ؛ فسيصدمون بظلم المجتمع و إختلال موازينه تجاههم .

الطبقة الوسطى لا تمتلك مدخرات ضخمة لكن يمكن خلق إستثمارات تساهمية منها كي تزيد من مدخولاتها وتًوَفر الآلاف من فرص العمل وتنمي مدخراتها للأجيال القادمة بحيث تُوَجه للبنية التحتية والقطاعات ذات الأرباح الضخمة  كالإتصالات والبنوك وشركات الإنترنت وهذا لا يعني بأي حال من الاحوال التأميم بل زيادة المنافسة لتحسين الخدمات . تستطيع الحكومة خلق إستثمارات بالشراكة مع النقابات لرفع دخل الطبقة الوسطى وتحريك الأسواق مما يعطي الإطمئنان للطبقة الغنية ؛ لتزيد إستثماراتها ويشكل في آن واحد عامل جذب  للإستثمارات الخارجية ، ويُعزز المنافسة الإيجابية ، ويُحسن الخدمات ويُحارب الإحتكار وتضخم ثروات الأقلية .

إنَّ تمايز الطبقات إقتصادياً في المجتمعات  يحقق منذ الأزل التوازن والإستقرار من خلال خلق نشاط إقتصادي يتوافق وخصوصية المجتمعات وقيمها ، لذا لا بد من إقتصاد تكافؤ الفرص يقوده فكر خلاق يستغل الموارد المتاحة لتحقيق التنمية النافعة المستدامة ضمن منظومة مؤسسات تمتلك آليات التشريع والمراقبة والمحاسبة وتمنع الهدر وتغض طرف السياسة عن مغريات الإقتصاد والإقتصاد عن مغريات السياسة .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here