م . سليمان حاتم: لاأفتأ أردد كلاما هرماً؟

م . سليمان حاتم

من يدري ، ربما إذا تعمدنا الذكاء ونحن نتحدث أو نحكي طيلة الوقت ، قد نبدو أكثر بلاهةً ، أو غباءً من المعتاد ، ولكن العكس قد يكون لصالحنا ، فتعمّد البلاهة في حضرات البعض قد يكون ضروريا أكثر من الذكاء ذاته ، إذا لم يكن هو حالة ذكاء بعينها ، في مطلق الأحوال ، حتى الذكاء والغباء يخضعان لمبدأ النسبيّة ، إذ يبدو المرء ذكيّاً في بيئةٍ معرفيّةٍ وغبياً في بيئةٍ معرفيّةٍ    أخرى ،  وربما يختلطان في مشاهد حياتية ، وقد تكون يوميّة ،  وعلى مدار الساعة .

يقول غوركي في معرض حديثه عن تشيخوف : :” كان يكفّ عن ادعاء الذكاء ، الأمر الذي يساعده على أن يبدو وعلى الفور أكثر ذكاءً ومتعةً ” .

هل يحتاج التظاهر بالذكاء لكلّ هذه التحضيرات ، أم أن الذكاء يقدّم ذاته بعيدا عن مقدمتي- المختلطة – وهذياناتي هذه ،  وحتى عما قاله غوركي أيضاً ،  والذي يبدو جميلاً وممتعاً بحدود كبيرة في تفسير حقيقة طابور المدعين من الحكواتيين والبهلوانيين والمهرجين الذين يستعرضون ” ذكاءهم ” في شروحاتٍ فائضة ولامتناهية لـ ” بديهياتٍ ومسلمات !!” ماأنزل الله بها من سُلطان !!

كان تشيخوف يكفّ عن ادعاء الذكاء وهو يصرخ في وجه روسيا ” القيصريّة ”  : ” يالبلادنا ، روسيا ، من بلاد خرفاء ، و …؟ ” ويتهمها بالخرف ، بأنها  تفقد عقلها ، لأنها لاتراعي الأولويات التي ينبغي أن تكون ، وكان يومها يقصد الخط الأول الذي يجب  على الدولة رعايته والعناية به ، وتقديسه أيما تقديس ، لتكون هناك ” دولة ” .

” كم هو ضروري للقرية الروسيّة ، معلمٌ جيّد ، ذكيّ ، مُثقف ، عندنا في روسيا ، لابدّ من وضع المعلم في ظروفٍ خاصة ، ويجب إجراء ذلك سريعاً ، إذا كنّا ندرك أن الدولة دون حملاتٍ تعليمية واسعة للشعب سوف تنهار ، مثل بيت شُيّد من طوبٍ هش … “

لم يكن يقبل تشيخوف أن يكون التعليم أولوية مؤجلة ، أو تتقدمها أولوية أخرى ، ويرى أن تبدأ من المحيط باتجاه المركز دون إغفال شبر واحد من القارة الروسية  حتى يصل الحال إلى القرى النائية ، واعتبر السياسة التعليمية سرّ بناء الدولة القويّة ، وأن مدماكها الأساسي هو                 ” المعلم المثقف ”  ( المثقف ياغوركي ، هل تسمعني !!!) ، الذي يجب أن تتوفر له الشروط الخاصّة  للقيام بمهمته على أكمل وجه ،  ويقول بهذا الصدد ” إنها لسخافةٌ أن تدفع قروشاً لإنسانٍ قد كرّس حياته لتربية الشعب ” ،

” هل تفهم ، وكان يقصد هل تفهم ياغوركي ، لتربية الشعب  ” ؟.

ويرسم تشيخوف الصورة التي يجب أن يكون عليها المعلم ودرجات الاحترام والتقدير التي ينبغي أن يحاط بها :

” يجب أن يكون المعلم الإنسان الأول في القرية ، كي يستطيع أن يجيب الفلاح على كل أسئلته ، وليعترف الفلاحون بقوّته الجديرة بالإنتباه والإحترام ، وكيلا يتجرأ أن يصرخ في وجهه أحد ، ويهين شخصيته ” .

إذاً المعلم ينبغي أن يكون الإنسان الأول ،  وفي المقام الأول ، وأن يكون بمقدوره أن يجيب على كلّ تلك الأسئلة التي تنهال عليه ،  من هذا المحيط القروي الريفي ،  ومن هؤلاء الفلاحين الذين يتوقون إلى معرفة أشياء كثيرة يجهلونها ، ويفتح كوّة للنور في جدران العادات والتقاليد والمفاهيم المتراكمة بفعل الزمن والتاريخ .

وينتهي إلى القول ( والقول لتشيخوف ) : ” لاأفتأ اردد كلاما هرماً ، وهذا يعني أنني بدأت    أهرم ” .

لا أفتأ  أردد مع  تشيخوف  كلاماً هرماً ،  ( إنّ قوّة الدول ومجتمعاتها  ، في قوّة التعليم )         ؟  ولهذا ” سياسة التعليم أولاً ” !!!

– سوريّة

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. لا شك في أن قوة التعليم حجر زاوية في تقدم المجتمعات .
    و ليس معقولا أن تعلّم و أنت لست معلماً .. معلماً مثقفاً .
    أن تحفظ شيء و أن تعلّم شيء آخر .
    فلندعم هذه القطاع ب…و…ب…و مادياً .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here