م. سليمان حاتم: كيف تُكتب الرواية؟

م. سليمان حاتم

بالتأكيد إنّ صناعة الرواية تختلف عن صناعة الجرار والسلال والأواني ، كما يختلفُ التفاعلُ الكيميائي ، عن التخالطِ الفيزيائي .

وكي لانبتعد بشيءٍ من الثرثرة الفارغة –  في مقدمةٍ يصعب للوهلة الأولى تقدير دوافعها ومردّاتها –  عن هذا العنوان اللافت والمثير : ( كيف تُكتبُ الرواية ؟ ) .

 يجدرُ القولُ أنّ هذا السؤال جاء عُنواناً لمقالٍ صحفي نشرته إحدى صحف أمريكا اللاتينية بقلم الكاتب والروائي الكبير ” غابرييل غارسيا ماركيز ” .

إذ خُيّل لأحد الصحفيين أنّ ماركيز ينسجُ رواياته بخيوطٍ من الصوف أو القنّب ، وأنها لاتختلف عن بعضها البعض إلا بأبعادها الفيزيائية .

سأله بجُرأةٍ  وفجاجة : ( ماركيز ، كيف تُكتبُ الرواية ؟ ) .

وكأنّه يقولُ كيف يُصنعُ الفخّارُ أو الزُجاج ؟ أو كيف يُحضّر السمكُ المُدخن أو اللحمُ المُقدد ؟

وأعتقد أنّ أمثالَ هذا الصحفي موجودون في مطارح كثيرة اليوم ، وأنّهم يعانون من ” خرفٍ مُبكر ” !!

لم تكن في جُعبة ماركيز أيّة إجاباتٍ على سؤالٍ تلقائي وفجائي – وربما صادم – لم يكن    يتوقعه !!

يَذْكُرُ ” ماركيز ” أنّه كان يبحثُ عن خاتمة لإحدى رواياته ، ترصد ممارسة الحُبّ عند   المُسنين ، لعلّه كان يريد أن يقفل بها روايته الشهيرة ” الحب في زمن الكوليرا ” ، يومها ، نصحه أحدُ أبنائه ، لماذا لاتنتظر بعضَ الوقتِ ، وتختبر هذه التجربة بنفسك ، بدلاً من  مُحاكاتها ، ربما يكون هذا هو السيناريو الأفضل ، آخرون نصحوه بجوانب وحلول أخرى ، وضاع في غمرة النصائح .

كتب يصوّرُ حيرته وقلقه والعصف الذهني الذي تناهبَه :

( كنتُ أتمنى لو أخرجُ إلى الشارع ، وأصرخُ في وجهِ أيّ شخصٍ أُقابله ، اللعنة  كيف تُكتبُ الرواية ..؟) .

ويحكي – والحكي متعة – بالنسبة له ، على حد قوله في مذكراته ” عِشتُ لأحكي أو لأروي ” : ( لم تكتمل الرواية  تلك ، إلا بعد قراءة رواية – بيت النائمات الجميلات – لـ ” ياسوناري كاواباتا ” ….)  .

 بالطبع لم تكن الفتيات مستلقيات على سرير رواية ماركيز  بذات الطريقة في بيت النائمات   الجميلات ، وهنا يكمن الإبداع في التقاط المواقف وإعادة تشكيلها وإخراجها.

لاشك أنه كان طيلة الوقت ، يبحث عن طريقة يكتب بها ، دون جدوى ، لابل وصلت محاولاته الى طريق مسدود ، وانتابه دافع أن يخرج من مأزقه هذا ، ويصرخ مستجديا المارة والعابرين لعل هناك من يوحي له بذلك .

 لافرق هنا من أين يأتي لحظتها ” الوحي ” الذي ينتظره ، ألم يقولوا أن ” شياطين الشعر وجنياته ” يتقافزون في دوحة ” الشعراء ” كما لو كانوا من سكانها وقاطنيها !!! الأمر ذاته أنّ ملائكةً تحلّ في لحظةٍ غير مرتقبةً ، وربما على غير موعدٍ  مع الروائيين والقصّاصين .

ولكن لكلٍّ طريقته ، ومساراته ، وأفلاكه ، ومجرّاته !!!

الشاعر الكبير نزار قباني يقول : ( كنتُ على يقينٍ أنّ العالم لايتحمل نسختين من المتنبي أو أراغون أو ايلوار أو سان جون بيرس .. ) .

ويقول شاعر داغستان العظيم رسول حمزاتوف : ( لاأريدُ أنْ أكونَ أيّ شاعرٍ آخر سوى رسول حمزاتوف ) .

يبدو أن الصحفي المسكين لم يقرا ” مائة عام من العزلة ” و ” خريف البطريرك ” و ” قصّة موت معلن ” و ” ليس للكولونيل من يكاتبه ” و ” الحبّ في زمن الكوليرا ” .

بالتأكيد لو أنّه قرأ تلك الروايات لقال في سرّه : ( اللعنةُ كيف تجرأتُ على طرح سؤالٍ أحمق كهذا ) .

ولكن ماذا لو وجدنا هناك من يتحدث جدّيًا في مشروعٍ يتعلقُ بتكنيك صناعة الرواية ، بالتأكيد سيكون هذا من علائم قيام الساعة .

 في عالم الأدب ، أسئلةٌ كثيرةٌ تنهمرُ من كل حدبٍ وصوب ، تبحث عن إجاباتٍ ، كيف نكتب ” القصيدة ” أو أبعد منها ” المُعلقّة ” أو نكتبُ القصّة ، أو الرواية ..أو …!!

” حقّاً ، اللعنة ، كيف تُكتبُ الرواية وأشباهها ….!!! “

– سوريا

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

2 تعليقات

  1. كتابة الرواية موهبة وابداع ولكنها تنبع من الواقع المعاش . غبي تعبير صاحبها عن حقيقة او حادثة ما تاريخية او حديثة ينقلها بأسلوب ادبي يفضّل ان يكون بسيطا ليتسنى للقاريء البسيط. التفاعل مع القصة
    لا يوجد معيار محدد يلتزم به الشخص عند كتابة الرواية بل هناك خطوط عامة يجب الالتزام بها كجزء من فن كتابة الروايات . ويبقى لكل كاتب او كاتبة طريقا خاصا وأسلوبا يميزه عن البقية في كتابة روايته
    أحسن رواية في نظري هي من تسعى لنقل الواقع بأسلوب ادبي مبسط وتتناول مواضيع من الواقع المعاش و تخاطب مشاعر الناس وأحاسيسهما وتجعلك جزءا من الرواية نفسها وهذا ليس بالأمر الهين لهذا تميز البعض وفشل البعض الاخر من الروائيين

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here