م . سليمان حاتم: قِشْرةُ الموز ..؟

م . سليمان حاتم

من عادتي أنْ أضعَ ” المقال ” الذي انتهي من كتابتِه للتوّ على الطاولة  لليومِ التالي ، لأرسلَه إلى الصحيفة ، ولا يجد أيّ من أولادي غضاضةً أنْ يفتحَ الورقة المكتوبة ويقرأها ويُبدي رأيَه فيها .

وكثيراً ماكنتُ أتوقفُ عند هذه الآراء الأوليّة ، وأتوجسُ طالَعها في حالِ لم تصلْ إلى إعجابٍ كافٍ من اللحظاتِ الأولى ، أو ربما لم ألمسْ ثمّة دهشة أو صدمة يُحدثُها – النص – على وجوههِم .

 أتذكر أنّ ابنتي التي كانت تدرس الثانوية يومها ، قالت لي وبالحرفِ الواحد عَقِبَ قراءةِ مسودة مقالتي التي كانت بعنوان ” مُجرد هذيان ” : ( بابا ، هذه المقالة تستحقّ كلّ شيء إلا النشر وربما من المفضّل عدم نشرِها والبحث عن أفكارٍ أفضل ) .

ضحكتُ في عبّي من صرامةِ رأيها ، دون أنْ أعقّب سوى  ( هذا هو رأيُك )، ولكلّ رأيُه ، ونُشِرت المقالة يومها في إحدى الصحف ، ليطلّ عليّ ناقدٌ عزيز من قلبِ الصحيفة ذاتها  ويقول إنّ المقالةَ ليست إلا جملةً من الهذيانات التي تستحقّ كلّ شيء إلا النشر.

 ضربتُ أخماسي بأسداسي على هذا التوافق ، وحملتُ الصحيفة إلى ابنتي وقلت لها أحيّيك من أعماقي ، إّنكِ مشروعُ ناقدٍ وكم نحن بحاجة إلى النقد في أيّامنا هذه الذي يجعلُنا نعرفُ حجومَنا وكثافاتِنا وأوزانَنا النوعية ، إنه البوصلةُ التي تحدّد لنا دائماً الشمالَ المغناطيسي ، وإلا فإننا نتوه في عالم لامتناهٍ  مملوء بالضجيج والنعيق والنعيب،  وكان جوابها بالفم الملآن أنها ( لاتحبّ مهنةَ النقدِ وأنّ الناقدَ كالذُبابةِ التي تٌقلِقُ الحصانَ في مسيره كما يقولُ الكاتبُ الروسيّ المُبدع تشيخوف ).

 ولكن الُمفارقة أنّ المقالة ذاتها نُشرت في صحيفةٍ دولية ولعلّها من كُبريات الصحف وذلك على صفحتها – عربيّات –  التي تنتقي عدداً من المقالات المُختارة من الصحف والمجلات ، وكنتُ محظوظاً أنّ مقالتي آنفة الذكر حظيت بتقديرِ الصحيفة ، وربما صار عليّ وأنا كاتب المقال ، أن أعيد قراءة ماكتبتُه من جديد ربما لأنها تجاوزت حدود الإقليم  ، لابل صارتْ المقالة  بالنسبة لي لها طعمٌ جديد ورائحةٌ مختلفة .

 وكانت المُفاجأة أنّ الناقد ذاته أعاد النظر في قراءةِ المقال ربما بواسطة عدسةٍ جديدة ،  وتعلمون أنّ المنظر ذاته يظهرُ للرائي بشكلين مختلفين تبعاً لنوعِ العدسة التي يستخدمُها مقعرةً كانت أم محدبةً وتبين له أنّ المقال ليس جُملةً من الهذيانات  كما يخيّل ، إنّ في داخلها شيء مختلف بطبيعته في الوقت الذي أعلنتُ صراحةً في مقالتي ( أنّ من حقّ المرء أن يهذي قليلاً في ساعات القيلولة )  وأنني أعترفُ أنها لاتعدو أنْ تكونَ أكثر من هذياناتٍ لاطائل منها لأصل في واحدٍ من هذياناتي في المقالة  ( أنْ لاشيء فرّقنا ومزّقنا عبر التاريخ أكثر من التفسيرِ والتأويل الذي يجعلُ للنصّ الواضح بدائلاً غير واضحة ) وربما قلت أيضا وأنا أهذي : ( قد تحدِجُني وترمقني تلك الحسناواتُ العابرات ويقُلنَ تبّاً له إنّه يتصرفُ كالصغار ليته لو يُصغي للكبار يبدو أنّه لايجيد الإصغاء ) .

 هل ( النقد ) اليوم يحاكي التفسير والتأويل في معالجة النصوص  أو ينضمّ إلى قافلتهما، الكاتب الكولومبي الكبير غابرييل غارسيا ماركيز يثيرُ زوبعةً في  روايته ” مائة عام من العزلة ”  حول  شخصيّة ” ريميديوس ” الحسناء الفاتنة التي اقتفينا آثار خطواتها لتختفي فجأة أمام أنظارِنا وتخطفها نسمةٌ عليلة عابرة إلى غيرِ رجعة ( مرّ السحابةِ لاريثٌ ولا عجلُ ؟  ) لنقف مشدوهين أمام نهايةٍ فانتازية على هذه الشاكلة ويذهبُ النقّاد في فكّ شيفرات ريميدوس اللغز في اتجاهاتٍ ماأنزل الله بها من سلطان وصلت بهم إلى حدود الأساطير وخيالاتها إلى أن وصل الحال بصحفي مبتدئ شغلته الحكاية وتناقضات النقّاد وعربداتهم وسأل مباغتاً ماركيز( ماركيز ماذا تقصد بريميدوس ) أجابَ ماركيز ببساطةٍ لامتناهية ( لاأقصد شيئا البتّة في ريميديوس  إنها قشرة الموز التي وضعتُها في دربِ النقّاد ) ، ربما هناك حاجة لقشرة الموز تلك على الأقل لاختبار من تسوّل لهم أنفسهم أن يشتغلوا في هذه المهنة الصعبة المُعقدة  ، ومالم يتقنوا المشي على الجليدِ والمرايا فمن الصعبِ عليهم أن يتجاوزوا قشرةَ ماركيز هذه ، وربما يتعقّل البعض منهم ويعودوا أدراجهم ليشتغلوا في مهنٍ أخرى تحفظُ توازنَهم  الهُلامي وتعودُ حجومهم إلى أوزانِها الحقيقة .

  • كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. انت مبدع دائماً و مقالاتك محط احترام و تقدير

    انت كاتب تحترم عقول القراء

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here