م. سليمان حاتم: “فن الحرب”

 

م. سليمان حاتم

يبدو أن لامناص من “الحروب” وأنّ دعاة “السلام” طوباويون إلى حدّ ما أو أنهم ينسجون في الخيال مدناً فاضلة أو ربما يتمترسون بثقافة دونكيشوتية يبغون بواسطتها استئصال الشرور من كل أصقاع الأرض ولكن بدون جدوى إذ أن التاريخ يشي بحقيقة “الحروب الأبدية” وأن لامقر لـ “السلام” إلا في خيالاتنا وأوهامنا.

الثابت  أنّ كثيراً من الفلاسفة عبر التاريخ إلى يومنا هذا مازالوا يُكرّسون معارفهم وخبراتهم لابل ويصيغونها “وصايا وحكم” في إدارة الحروب والمعارك وصناعة الإنتصارات وتجاوز الهزائم لابل ويضعونها بامتنان في خدمة الأباطرة والملوك  وصُنّاع الحروب .

في الوقت ذاته ثمّة فلاسفة في المقلب الآخر يسخّرون معارفهم وخبراتهم في طريق آخر مناهض للحروب وصُنذاعها والقائمين عليها ويرسمون عالماً لإمكان فيه إلا للسلام والخير والجمال .

ولكن أن تصنع “السلام” بواسطة “الحرب” فهذا وجه آخر لمعادلة طرفاها نقيضان ولكنها قابلة للتطبيق، وهناك من يطرح مقولة الحرب هي الطريق لصناعة السلام .

المقولة تلك هي جوهر الكتاب ذائع الصيت “فن الحرب” لمؤلفه القائد العسكري الصيني “صن تزو” والذي بلغت عبقريته العسكرية حد إقامة مملكة من أوسع الممالك  في تاريخ الصين .

كتاب فن الحرب يركز على إحراز النصر وتجنب الهزيمة والخسائر، لابل ويطرح مقولة “النصر على العدو بدون حرب وبدون إراقة دماء”، أي الحرب بالسلام .

وبرغم ماأحاط بترجمات المؤلف من قصور أو عدم دقة أو تصرف من قبل المترجمين إلا انه بقي يحتفظ بأهمية بالغة  إلى حد انه وصف بأنه ” الكتاب المقدس في الدراسات العسكرية”.

لابل وصلت حدود الفانتازيا أن القيادة العسكرية في حرب الخليج الأولى زودت كل جندي بنسخة من كتاب ” فن الحرب ” ليكون مرجعاً ودليلاً للجنود في تدبر وتأمل وتطبيق ماورد  فيه .

كما وتشير الكتابات حوله أن الصين واليابان وكوريا الجنوبية أفادت من المبادئ والوصايا المدرجة في الكتاب ليس في الميدان العسكري وحسب وإنما في المجالات السياسية  والإقتصادية ولا سيما في التجارة وغزو الأسواق الخارجية.

ووصل حد الإعتقاد أنه لو تسنى لقادة الحرب العالمية الأولى الاطلاع عليه لتجنبوا الكثير من المذابح والدماء التي وقعت يومها ولكن الحرب العالمية الثانية أثبتت مخرجاتها وحصيلتها أن الأمر لم يكن كذلك على الإطلاق.

ولأنه يتعرض للمعركة وميدانها وإدارتها فان تطبيقاته قد تكون ذات فائدة حتى على مستوى المعارك اليومية والحياتية الفردية والبسيطة وبالتالي فان ماورد في الكتاب يمكن أن يصنف تحت عنوان “الحكمة” والحكمة بصرف النظر عن موضوعاتها فإنها تسلح صاحبها بسلاح مواجهة فائق العقلانية في كافة المعتركات تضمن له البقاء وربما النصر .

ويُحكى أن كتاب “فن الحرب” بعد ترجمته إلى العديد من اللغات حظي باهتمام قادة وزعماء ورجال دولة أمثال نابليون بونابرت وهتلر وستالين .

“الحرب خدعة وجاسوسية” بالدرجة الأولى لدى “صن تزو”، وظروف المعركة تفرض “التكتيك” المناسب، وعندما تنتصر في المعركة ، لاتلجأ للتكتيك ذاته الذي أوصلك للنصر السابق  في المعركة المقبلة لأن العدو يكون قد وضعه في حساباته بل الجأ إلى  “تكتيك” آخر ، فالطرق المؤدية للنصر لانهائية.

ولأن الحرب خدعة ، فإن تضليل العدو هو الأساس في كسب المعركة ، وانتهاز كل  الفرص المؤاتية للمباغتة، عندما تكون بعيدا عن العدو ينبغي أن تترك انطباعا لديه أنك قريب للغاية ، وعندما تكون قريبا توهمه بأنك بعيد عنه ، وعندما تملك القدرة على الهجوم ينبغي أن تولد لديه شعوراً  بعجزك وعندما تود المناورة اترك لديه إحساساً بخمولك وكمونك .

من يخض حربا أو يبادر إلى حرب عليه أن يحسب نفقات وتكلفة الحرب فالحروب المديدة والطويلة استنزاف للقوى والموارد لابل وانهيار للروح المعنوية التي هي ضمانة النصر ويشير ” صن تزو ” انه لاتوجد سابقة تاريخية من إحراز انتصارات في الحروب طويلة الأجل.

في الحرب عليك أن تعرف عدوك جيدا، إذ أن معرفة عدوك ونفسك من الأهمية بمكان.

الطيش والتهور مهلكة للقائد العسكري كما “الثور الهائج”، عندما تجد العدو هائجاً كالثيران لاتواجهه بل انصب له “الكمائن” فإنها السلاح الوحيد الذي يفتك بهيجاناته.

والشجاعة وحدها لاتكفي لإحراز النصر بل تحتاج إلى الحكمة والتعقل والتدبر والتروي وحساب العواقب والنتائج.

هذا غيضٌ من فيض ، يعكس خلاصة خبرة ومعرفة، تأتت لقائد عسكري فذ وفيلسوف لخّصها في ثلاث عشرة مقالة تحت عنوان “فن الحرب”  كانت بمثابة أجندة استراتيجية مرجعية للملك الصيني جعلته يُطْلِقُ يدي “صن تزو” في الحملات العسكرية  وعندما استقر به الحال في مملكة مترامية الأطراف لم يعد بحاجة إلى “صن تزو” أو ربما لم يُحِط “صن تزو” محط  التقدير الذي يستحقه، الأمر الذي دفعه للعزلة بعيدا في الغابات .

بالتأكيد ثمّة مُتغيرات عميقة تفصلنا عن نمط الحروب التي يتحدث عنها “صن تزو” بحدودٍ لاتقبل إجراء مقارنات ، ولكن الديمومة  كامنة في ” الحِكْمَة ” التي تطبع وصاياه وتعاليمه ورؤاه والتي لم تفقد صلاحيتها بمرور الزمن واستمرت محتفظةً بحيويتها إلى يومنا هذا!!!!

  • كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. بخصوص کتاب فن الحرب القیم و کاتبه سن تزو تجدر الاشارة الی ان المعلومات المتوفرة عن هذا الکاتب سوی کتابه المذکورة قلیله جداً ولا توجد معلومات عن الاسرة التي حکمت الصین فی عهد کتابته للکتاب المذکور و کما یعرف القرّاء فالصینیون دقیقدن جداً في هذا المضمار. و سن تزو لم یذکر عنه انه کان قائدً عسکریاً. والکتاب نفسه یتناول استراتیجیة الحروب التوسعیّة والصین لم تکن یوماً امبراطوریه توسعیه کالرومان والفرس و المغول بل کانت امبراطوریه تکرس جهدها للحفاظ علی حدودها و بناء سور الصین العظیم هم اکبر دلیل علی ذلک. و علیه راجت بعض النظریات حول الکتاب و مؤلفه نذکر منها نظریتین احداهما تشیر الی ان کاتب الکتای الاصلی هو الامبراطور الاخمینی کوروش الکبیر الذی بنی واحده من اعظم الامبراطوریات قبل 2500 عام و هو الذي ابتدع النظام الامبراطوری في الالم و وضع اسسه و سیطر علی القارة الاوروبیة ولذلک نری ان المؤرخین الیونایین و بعدهم الاوروبیین یتجاهلون الاشارة الی امبراطوریته و عظمتها باستثناء تخلیص الیهود من بابل و الجدیر بالذکر فان الاسم الصینی لکوروش هو سن تزو.وهنالک نظریه اخری تقول بان محتوی الکتاب هو عباره عن ارشادات کوروش في فن الحرب جمعها الصینیون. یستدل اصحاب هذه النظریه علی تشابه ماورد في الکتاب مع الاداء العسکری لکوروش.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here