م. سليمان حاتم: غابةُ العَوْلَمَة !!

م. سليمان حاتم

ثمّة مُفارقة صادمة ، أنّ ” الثورة الرقميّة ” بكلّ تكنولوجياتها الفائقة ، وأجيالها التي تتناسخ بلمح البصر ، العابرة للجُغرافيات والحدود بسرعة الضوء ، والتي بوسعها أن تجعلَ كوكبنا وبيتنا المسافر في أرجاء الكون جنّةً أرضيّةً  ” تجري من تحتها الأنهار ، أُكُلُها دائمٌ ، وظِلُّها ) لامكانَ فيها للعرقيّة والطائفيّة والعشائريّة والمذهبيّة واللونيّة والطبقيّة ، ولكن الواقع ، أنها ليست كذلك ، بل على النقيض ، فالعالم يحشد  تكنولوجياتِ الثورة الرقميّة أيضاً لتدمير الحياة بكافة أشكالها وتجلياتِها وعن سابق عمد وتصميم ، وبشكلٍ غايةٍ في التوحش ، ومثل هذه المفارقة المُدهشة ( أن يتدحرج – العقل –  بين –الأقدام – ) في لحظاتٍ سوداء كما لو كان كرةً تُقذف في المجهول ، دونما حصانةٍ يوفرها كلُّ هذا التقدم العلمي والتكنولوجي  لهذا ” القطيعِ البشري ”  .

هي ” غابةُ العولمة ” وبرِيّتُها التي لاترحم ، مازالت تحتفظ بذاكرة العصور الحجرية ، حيث المغاور والكهوف والأدغال ، بجبالها ووديانها وأنهارها وبحارها ومحيطاتها ، ولم تخلُ بعد من الوحوش المفترسة والأرواح الشريرة التي تتلطى وتربضُ خلف الجدران وتحت الأحجار وفي الأقبية  ، برغم كل تلك الرسالات السماوية التي تنزّلت من عالم الغيب والشهادة  لتنقيةِ النفوس وغسلها من العوالق والأدران ، التي هي الأخرى تحولت ساحاتُها إلى حَلَباتٍ دامية بين الفِرَقِ للوصول إلى ” الفرقة الناجية ” التي تنتصر في النهاية على البقيّة الكافرة ، أو ربما صراعُ الحضارات الذي يتلبّسُ ” الهويّة الدينية ” في مطارحَ منه .

 

لابل اختلط الحابلُ بالنابل ، في عالم تتجاذبه وتتناهبه الإيديولوجيات من كل حدبٍ وصوب ، تتصارع فيما بينها ، إلى قيادة وإدارة النظام العالمي ، وتحشدُ لهذا الغرض ترساناتٍ مهولة من أسلحة التدمير الشامل ، مايمكن أن يُهدد فضاء المجرّة الشمسيّة بِرُمّتها ويودي بكوكب الأرض إلى غير رجعة .

ومن يدري ، قد يُقيّض للبشرية ، رجلُ بحجم ” نيرون ” الذي أحرق روما ، ووقف يتلذذ بمشهد النيران تلتهم عمرانها وأسواقها وحدائقها وملاعبها ،  سيما أن ” الحقائب النووية وأزرارها ” صارت مثاراً للتندر الأحمق في حجومها وأبعادها وقدراتها لابل واللعب بها كما لو كانت دُمىً للأطفال ، ومن يدري في ” غيابِ الحكمة ” أو ربما في لحظة الصفر أن يحصل مثل هذا الانفجار الكوني الذي يحمل البشرية من جديد إلى العصور الحجرية وحياة تبدأ من المغاور والكهوف والأوكار والأدغال  .

يصعب أن تجد مبرراً لكل أشكال هذا القتل والتدمير والخراب عبر التاريخ  ، بصرف النظر عن دوافعه وسبابه  وما خلفه وقدّامه .

 ( لو أنّ سعادة العالم تقومُ على قتل طفلةٍ صغيرة ، لكانت هذه جريمة نكراء ) فكيف بطائراتٍ تحمل ” قنابل ذريّة ” تُلقيها على دفعتين فوق مدينتين بأكملهما لتمحو كل آثار الحياة فيهما ، وما زال المشهدُ يتكرر بأشكالٍ مختلفة ، حيث حاملاتُ الطائرات والقواعدُ الصاروخية والأسلحة البيولوجية والكيميائية تتسكعُ في أرجاء المحيطات وتنتصبُ من كل حدبٍ وصوب .

لابل هناك من يُكرس فكره ومعرفته وثقافته وفهمه لإعداد استراتيجياتٍ للحروب والسيطرة والاحتلال واستخدام كلّ الأدوات والوسائل المتاحة لتحقيق التفوق والنصر ، تارة بالترويج لاستراتيجياتٍ ناعمة ملساء تدغدغ المشاعر والعواطف وتستخدمُ أسلحتها الكاتمة للصوت في حروبها الهادئة وطورا تستخدم استراتيجياتها الصلبة والخشنة التي لاتُبقي ولا تَذَر .

ثمّة مفارقات ، تؤكد أنّ أصل ” الإنسان ” ليس ” إنساناً ”  البتّة ، وأنّه لم يتأقلم بما يكفي مع ” البيئة  النموذجية والفاضلة ” لابل ” والمثالية ” التي هامَ في أرجائها الفنانون والشعراءُ والمثقفون .

  • كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here