م. سليمان حاتم: عقدة “الثلاثية” في الإستراتيجية “البريجنسكية”

م. سليمان حاتم

ربما في ظل هذا المشهد الدراماتيكي الراهن  للصراع المركز على الشرق الأوسط من المنطقة الأوراسية ،،، والذي يرى بعض المحللين السياسيين أن مرده أن  الشرق الأوسط هو البوابة الأوراسية ، بمعنى أن من يضع يده على الشرق الأوسط بوسعه أن يسيطر على القارة الأوراسية من أقصاها إلى أقصاها والتي تمثل (  75% من سكان العالم و75% من موارد الطاقة ) .

بريجنسكي الذي يستبسل في التنظير لـ ” الإمبراطورية الأمريكية الخالدة ” والتي سينتهي التاريخ عند بلاطها وتاجها وزرها النووي وبيتها الأبيض وفقاً لرؤيته ،،، بصرف النظر عن الطرق التي تسلكها في الوصول إلى أهدافها ،،، تبنى نظرية مفادها أن الطريق إلى ” الإمبراطورية العالمية”  يمر من الشرق الأوسط ،،، ومن يضع يده على المنطقة الأوراسية يسيطر على الكرة الأرضية ،،، وهذا مايجب أن تدركه ” أمريكا اللاأوراسية ” على حد قوله.

لم يكن زبغنيو بريجنسكي موفقاً في نبوءته التي أطلقها في تسعينات القرن الماضي أن عام 2020 هو عام الولايات المتحدة الأمريكية بلا منازع أو ند أو نظير ،، لابل ويسميها 20 المزدوجة ،،، والتي انتهت إلى رسمٍ كاريكاتوري في صحيفة الواشنطن بوست ،،، مفاده صاروخ باليستي يصل إلى مؤخرة ” الإمبراطورية !!! ”  ،، لما له من رمزية التجرؤ على ” الإمبراطورية البريجنسكية ” المهيبة …

ولكن الواقع ،،، تحسس ” بريجنسكي ” مبكراً  برهافة لافتة ،،، أن التحدي الخطير الذي يواجه ” الولايات المتحدة الأمريكية ” يكمن في ” التقارب المستحيل ” للصين وروسيا وإيران ،…

ويحذر من مخاطر هذا ” التقارب ” في حال توفر له مثل هذا الاحتمال الصعب العابر لإيديولوجياتٍ متباعدة  إلى حد التنافر ،،، فإن مثل هذا التحالف سيمثل التحدي الأخطر الذي سيعيق بناء ” الإمبراطورية ” ، وربما يهدد سمعتها ،،، مالم يتم إجهاض          ” الثلاثية ” تلك .

الثلاثية ( الصينية ، الروسية ، الإيرانية ) تعني اجتماع الدينامية الاقتصادية الصينية والتكنولوجيا العسكرية الروسية الفائقة  والجيش العقائدي الإيراني .

ويرى بريجنسكي بأنه ينبغي اتخاذ كافة السياسات التي تحول دون قيام الصين أو ايران بالتوجه نحو روسيا لأن هذا سيكون خطأ استراتيجيا فادحا ،،، ويبلغ ذروته في في حال استَعْدَت الولايات المتحدة الأمريكية  – قبل الأوان –  أحد الطرفين وعلى الأخص     ” ايران ” .

 ” الإستراتيجية البريجينسكية ” تنطلق من التفحص المستدام لقوة اللاعبين الجيوبوليين والعمل على استنزافها في صراعات فيما بينها أو تغذيتها بصراعات داخلية تبقي عليها تابعة وغير مستقرة ضمانا للهيمنة الأمريكية ،، بمعنى أن كل قوة ناشئة – بالمفهوم البريجنسكي ” هي مشروع ” عدو ” محتمل للولايات المتحدة الأمريكية عندما يتجاوز عتبة القوة التابعة.

محلل صيني في وزارة الخارجية الصينية يكتب في السياق ذاته : ” إن الهدف الاستراتيجي الأمريكي هو السعي إلى الهيمنة على العالم برمته ، ولا تستطيع أمريكا أن تتحمل ظهور أية قوة كبرى أخرى منافسة في القارة الأوراسية يمكن أن تشكل تهديدا أو خطرا على موقع أمريكا العالمي “

لعل السياسات الخارجية الأمريكية ،، في مشروعها الذي أطلقت عليه        ” الربيع العربي ” ونسخته ” الفارسية ” وربما لاحقا يظهر بطبعات أخرى وبلغات أخرى ،، تستوحي توجهاتها من ” الإستراتيجية البريجنسكية ” لابل تمثل المرجعية الكبرى للسياسات الخارجية الأمريكية التي لم توفر جانبا من جوانب اللعب الخشن والناعم على المتناقضات الكامنة إلا ومارسته بهدف مشاغلة واستنزاف القوى على الرقعة الأوراسية  .

حقيقة  القارة الأوراسية هي حلبة شطرنج ،،،، مكتظة بالبيادق ولا سيما منطقة الشرق الأوسط ” وفقا لتعبير بريجنسكي “،، ولكن ثمة لاعبين جيوبولتيين نشطين        – اليوم –  على الرقعة –  ولعلها ” العقدة الإستراتيجية ” المؤرقة  لبريجنسكي في حال وقوع احتمالها – وهي ثلاثية الخطر الداهم ” الصين ، روسيا ، إيران ” على القطبية الأمريكية .

  • كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here