م. سليمان حاتم: عشتُ لـ “أروي”!!

م. سليمان حاتم

” ولأنّ الأشياءَ التي كنتُ أرويها تبدو هائلةً ومدهشةً ، كانوا يظنّونها كذباً ، دون أن يفكروا أن معظمَها كان صحيحاً بطريقةٍ أخرى ..” .

هذا مايكتبُه ” غابرييل غارسيا ماركيز ” الروائي الكولومبي المبدع عن طفولتِه في مذكراتِه الصادرة بعنوان ” عِشتُ لأروي …” أو ” عِشتُ لأحكي ” ولطالما كان يُرددُ ” الحكي مُتعة ” ، ومثل هذه الثُنائيات في ترجمة آثاره الروائية ، وصلت إلى العناوين ، فرواية ” خريفُ البطريرك ” هي ذاتها ” خريفُ البطريق ” ، و ” الحب في زمن الكوليرا ” هي ذاتُها ” الحب في زمنِ الطاعون ” .

مذكراتُه التي كتبها إبان نجاحِ علاجه الكيميائي ، حيث يقولُ مازحاً : ” إنّ العلاجَ الكيميائي ساعدني على استلهامِ فكرة كتابةِ مذكراتي ” .

ولعلّ أكاذيبَ الأطفالِ توحي بأن ثمّة موهبة كبيرة تقبعُ وراءها ، وثمة خيالات خصبة تولّدها ، ورغم التبدلات والتحولات الطارئة على ميولِ ماركيز فإن ميلَه الأكثر غموضاً وسرّيةً تجسّد في ” الكتابة ” ، وربما يُكرّسُ المرءُ حياته بأكملها للكتابة دونَ أن يأملَ منها شيئاً البتّة .

ذاتَ يوم ، قالَ الكولونيل جدّه : ” إنّ حفيدَه سيصبحُ رسّاماً ” ، في الوقتِ الذي كان الحفيد يظنّ أن الرسّامين هم أولئك الذين يدهنون الأبواب والجدران .

وتوصّلَ أيضاً إلى أن يلعبَ ” كرةَ القدم ” ويكونَ ” حارسَ مرمى ” ، ولكن لكرةٍ قماشية ، وكانت السبب في إقلاعه عن هذه ” الهواية المبكّرة ” إثر ضربةٍ قويّةٍ تلقّاها على معدتِه وأمعائه وكانت النهاية ، أن قطع علاقته بعالمِ الكرة إلى غير رجعة .

كما أبدى رغبةً في تعلّم ” الموسيقا ” والعزف على البيانو ، ولكنّ المعلمةَ اعتذرت لأمّه بحجّة أن البيانو كان معطلأً .

المُفارقة أنّ الشخص الذي تنبأ بأنّ ” ماركيز ” سيصبحُ ” كاتباً ” ذات يوم ، هو من أولئك الذين يكتبون لكي يعيشوا مما يكتبونه ، وربما أمثالُ هؤلاء أفضل حالأً من أولئك الذين يستندون على ” شهرة زائفة ” تمنحهم ألقاباً لايستحقونها .

هذا المتنبىء ، قال جراء سماعِ ماركيز وهو يوّصفُ مشهداً أمامه : ”  يالروعتِه  ، هذا الطفل ، سيصبحُ كاتباً ، لايشق له غبار ” .

وآخر قال : ” لااأدري كيف يكتب ، ولكنّه يتكلمُ ككاتب من طفولتِه ” .

في حين أعلنها ” ماركيز ” صراحةً من البداية : ” لاأريد أن أكونَ سوى كاتب ذات يوم ” ، دون أن يعبأ بمشاعرِ أمّه التي وجدت في مهنةٍ كهذه ضرباً من الجنون .

” كوني متيقظةً لأنّهم – معشر الكتّاب – مجانين تماماً ” هكذا قالوا لأمّه عندما كانت تبحثُ عنه .

الوحيد فوق سطحِ هذا الكوكب الذي أطلقَ يديه منذ الطفولةِ ، هو جدّه ، الذي قال : ” إنّه – أي ماركيز – يتمتعُ بكلّ الحقوقِ ، لدرجةِ أنّه كان يمدّ يده إلى إبريق الألمنيوم الخاص بجدّه ، ويأخذُ أيّة قطعة ثلج ليخلّف طبقةً من الدهنِ العالقِ بأصابعه .

” عِشتُ لأروي ” مذكراتُ كاتبٍ مدهش في كل مايكتبه ، حتى التفاصيل العابرة في طفولته ، عندما يرويها تبدو مختلفةً ولافتةً ، وهذا لايتأتى إلا للكتّابِ المبدعين .

” غابرييل عارسيا ماركيز ” الذي رفع الرئيس الكولومبي يدَه عالياً أمام الشعب الكولومبي قائلاً : ( إنّ رأسَ غابرييل غارسيا ماركيز ثروةٌ قومية ، يجب أن  نحافظَ عليها ) ….

  • كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here