م  سليمان حاتم: بين العبقريةِ والجنون!

م  سليمان حاتم

بالتأكيد ليس – إبداعاً – أن نُنتِجَ نسخةً جديدةً – طبقَ الأصل –  لمُنتَجٍ أو عملٍ إبداعي لأنّ إعادةَ نسخَ الحالةِ الإبداعية وتكرارِ نموذجِها ينزعُ عن النسخة المُكررة  صفةَ الإبداع           و” الخَلْق ”  ،  ومن هنا تأتي أهميةُ فهمِ ضرورةِ التجاوز للمألوف والتقليدي والدارج ، ولعلّ هذا تبنته حتى الرسالات السماويّة ، في سياقِ آياتِها وسورِها ، إذ أنّ ” النسخ ” يعني أنْ تأتيَ آيةٌ وتُعلّق العملَ بآيةٍ سبقتْها ، أو تُبطِل مضمونَها كلاً أو جزءاً ،  وفقاً للآيةِ الكريمة ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) وهذا يشيرُ إلى مدى الديناميكية التي ينطوي عليها  منهجُ النسخ بالمفهوم التجاوزي للحالةِ القائمة والتي تستدعيها الحياةُ ذاتُها .

عندما قدّمتْ إحدى المُشاركات في مُسابقةٍ للرسمِ لوحتَها التي تُصوّر  ” عامِلةَ مِنْجم ” تسارعَ القائمون على التقييم بأنّ هذه اللوحة لايتحقق لها المعايير الفنية للأنظمةِ المدرسيّة والمرجعيّة  المعمولِ بها ، ولكنّ الفنان والرسام الهولندي ” فان جوخ ” رئيس اللجنة وجدَ فيها شيئاً آخر يصعبُ للوهلة الأولى فهمه ، ثمّة أسرارٍ وغموضٍ يكتنفُ تفاصيلَ اللوحةِ ، اقتربَ منها وابتعدَ عنها ، وجد فيها مدىً وغرابة  لم يألفْها في لوحاتٍ سابقة تتكررُ وتترددُ بإيقاعاتٍ باردة ، وفجأةً صرخَ : ( إنّ هذه اللوحةَ الساحرة ، تخفقُ فيها أرواحُ كلّ عاملاتِ المناجم ) وصارتْ هذه اللوحة محطّاً للدراسةِ ونموذجاً في الرسمِ يؤصّلُ لمعاييرَ جديدةٍ تُضافُ إلى الأنظمة الفنيّة  .

البشريةُ من اللحظاتِ الأولى ومنذ أن وعتْ نفسَها بعد هذا ” الانفجارِ الكوني الكبير ” بحثتْ عن لغةٍ تتفاهمُ بموجبها وجرّبت كلّ أشكالِ الأبجدياتِ واتفقتْ أخيراً على استخدامِ وتطويعِ ألسنتِها وحناجرِها للتواصلِ فيما بينها وفقاً لمُصطلحاتٍ تداولتها في حدودِ معانٍ ومدلولاتٍ محددة استودعته ذاكرتُها ومعاجمُها وقواميسُها ، ولم تظهرْ القواعدُ والنحو والبديعُ ومشتقاتها من جناسٍ وطباقٍ وتورية إلا – البارحة – لأنّ ” اللغةَ ” أسبقُ من – أنظمتِها – وبالتالي ربما من الخطأ بمكانٍ أنْ تُصادَرَ ” حيويةَ اللغةِ ” بقيودٍ صارمةٍ للضوابطِ وتابواتِها !!

والشعرُ الذي يتصدّرُ مشهدَ واحتفالياتِ ” اللغة ” وما يتطلبُه من مهاراتٍ لإنتاجه  ، لمْ يخضعْ لكلّ هذه القوالبِ التي تُسمى ” العَرَوض ” إلا منذ لحظات ، ولا يعني أن مالا يقع ضمنَ مجالِ تغطيةِ بحورِها لايُسمى شعراً ، ولعلّ في أدبياتِ الشعر- ماقبل الفراهيدي – من النصوصِ الآسرةِ والتي لم يتوفرْ لها الحدودُ العَرَوضيةُ الدنيا والتي – يومها – لم تكن في البال  .

كما وأنّ هناك عبر التاريخ ، صروحاً معماريةً ، آيات في الإبداع ، ولم تكنْ هناك مدارس وأكاديميات هندسية ومعمارية ، ويومَ تقدّم طالبُ الهندسة المعمارية الإسباني ” انطونيو غاودي ” بمشروعِه المعماري ، قال رئيسُ لجنة التقييم : ( حقيقةً من الصعوبةِ بمكان التقييم ، هل غاودي مجنونٌ أم عبقري ) لقد كان غاودي في مشروعِه هذا ثورةً على النُظُمِ المعماريةِ الأكاديميةِ  القائمة والسائدة وكان مفهومُه الفلسفي للعمارة مستمداً من أن ( لاوجود للمستقيمات إلا في الخيال ،  ولا يتم مصادفتها في الكونِ من حولنا ) ولهذا كانت تصاميمُه تقتصر على السطوحِ غيرِ المستوية والخطوط ِغير المستقيمة ، وبالتالي تخرج ُعن ” النمطيّة ” السائدة ، ولكن الجمالَ الطاغي في التصميم كان محطّ ضياعِ الحدودِ الفاصلةِ بين العبقريةِ والجنون…

بين ” العبقريةِ ” و” الجنون ” مساحةٌ  يكمنُ فيها ” الإبداع ”  !!!

  • كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here