م. سليمان حاتم: المُثقّفُ المُنتمي واللامُنتمي !!!

م. سليمان حاتم

بالتأكيد الثقافةُ كانت ملازمةً عبر العصور للمسيرةِ البشرية ، وإنْ لم تكن “المفاهيمُ” المرتبطة بها، قد استقلتْ واتخذتْ أبعاداً محددة في وقتٍ مبكر!!

 فـ “مفهومُ المثقف” وفقاً للدراساتِ والأبحاث التي ترصدُ الإطارَ المفاهيمي للثقافةِ والمُثقف، تُرْجِعُ أصلَ تداولِ هذا المفهومِ إلى القرنِ التاسعِ عشر، في واقعةِ بيان المُثقفين الفرنسيين المُذيّل بتوقيعِ ” جماعةِ المثقفين ” والتي عُرِفت فيما بعد بـ ” قضيّةِ درايفوس ” الضابطِ الفرنسي المُتهم بالتخابرِ لصالحِ ألمانيا ،

 وفي البيان اعترضَ المُثقفون على الحُكمِ القضائي بدعوى بُطلانِه وطالبوا بمراجعةِ وإعادةِ التحقيقِ القضائي والضغطِ على المؤسسةِ القضائية ، وكان أنْ تمّت إعادةُ التحقيق والرجوعُ عن الحكمٍ القضائي وتبرئة الضابطِ من الاتهاماتِ الموجهة له ومعاقبة المتورطين .

مثلُ هذا التدخلِ والإسهام من قبلِ ” النُخبة الثقافية ” في عملِ المؤسساتِ عبر الوسائلِ المُتاحة بهدفِ ثني المؤسسةِ التشريعية عن إصدارِ أحكامٍ باطلة هو ترسيخُ لثقافةِ القانون وسيادتِه والتي هي رسالةُ النُخبِ المُثقفة .

ولو أنّ مفهومَ ” المُثقف ” مايزالُ ملتبساً وإشكالياً ، وبالتالي فإنّ مفهومَ ” النُخبة ” المُرتبط به يتحمّلُ مُلابساتِه واشكالياتِه ، وألوانَ طيفِه ، التي تتدرجُ مفاهيمياً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، لابل من أعلى عليين إلى أسفلِ السافلين .

وماذا لو أنّ مُصطلحَ ” المُثقف ” تمّ ربطُه بالجوانبِ ذاتِ الصلة بالحياةِ والجَمَال ، ويصبحُ مفهومُ النُخبة المتصل به يؤدي رسالتَه في هذا السياق .

ولكن حقيقة المفهوم ليست حصريّةً  بذلك على الإطلاق ، أنّه المفهوم الذي يحملُ في داخلِه أشكالاً وألواناً من الايديوبوجياتِ المختلفة والمتباينة حدّ التناقض  .

ولكنْ في العموم ، ثمّة مُثقفان يتداولان الحَلَبة ، المُثقفُ المُنتمي ، والمثقفُ اللامنتمي ، فالأولُ محدودٌ بسقفِ انتمائه ، في حين أنّ الثاني متحررٌ من سقفٍ يُحَدِدُه ، ولا شكّ أنّ المثقفَ الأول بمثابةِ حارسٍ لحدودِ ثقافته ، في حين أنّ المُثقفَ الثاني لاحدودَ له سوى الحقائق  .

ولكن واقع الحال ، فإنّ ابسطَ أشكالِ التصنيف للمُثقف ، ينبعُ من شكلِ العلاقة التي تربطُه بالسياسةِ .

فهُناك المُثقف الموالي للنظامِ السياسي والمثقفُ المُعارضُ للنظام السياسي والمٌثقف المُحايد وربما هو شكلٌ من أشكالِ المُثقفِ اللامنتمي ،

فالمثقفُ الموالي قد يكونُ مثقفاً عضوياً مُنتمياً إلى احد الأحزابِ السياسية للنظام أو هو المُثقفُ العام غير المنتمي سياسياً ولكن ثقافتُه سُلطوية .

 والمُثقفُ المُعارض قد يكون ثورياً وقد يكون إصلاحياً فالمُثقفُ الثوري يؤمنُ بأنّ الثورةَ هي الطريقُ الوحيد للتغيير السياسي في حين أنّ المُثقفَ الإصلاحي يرى أنّ الطريقَ السلمي للتغيير هو الأمثل .

الإشكاليةُ تُحيط بالمثقف المحايد ، إبان الثوراتِ والإصلاحات ، إذْ ربما ينوسُ في مواقفِه ، ويترقبُ التحولاتِ الجارية ، وربما تكونُ فاعليتُه أدنى من بقيّة المُثقفين .

 اليوم وفي ظلّ الثورةِ الرقمية ، لم يعدْ مفهومُ المُثقف ، بمنجى من القياسِ ووحداتِه ، ولا سيما أنّ ” الأداءَ الثقافي ” بحدّ ذاتِه يخضعُ لـ ” الرقم ” ولم يعدْ مُجدياً التوقف عند نتاجاتِه النظرية ومشاريعِه الرؤيوية للمستقبل ، وعددِ مؤلفاتِه وكتبِه ومشاركاتٍه في المؤتمرات ومقالاتِه ودراساته وأبحاثِه .

بل القيمةُ الثقافية فيما تحققُه ” الثقافة ” وتنجزُه على صعيدِ الواقع ، وهذا لايتحققُ الا عبر التكاملِ  بين ” المُثقفِ والسياسي ” ، المثقفُ بسُلطتِه الاجتماعية الرمزيّة والسياسي بسلطته الاجتماعية الرسميّة .

إنّ التجسيرَ بين ” المُثقفِ والسياسي ” والعلاقةَ بينهما يُشكّلُ الضمانةَ  لنجاحِ مشاريعِهما ، ومؤشراتُ النمو الإقتصادي وعوائدِه والرفاهِ الاجتماعي – مثلاً – هي   إحدى المؤشراتِ على فاعليةِ هذا التكامل .

ومثلُ هذا لايتأتى إلا بواسطةِ ” المُثقف الإستراتيجي ” الذي تُسهم رؤيتُه في استكشافِ الطرق إلى المستقبل ، والتي تكون محصلةً لمعرفةٍ مُعمقة وواسعة وذاتِ طابعٍ فلسفي محيطة بالتطوراتِ العلميّة والتكنولوجيّة وميادينَ السياسةِ والاقتصاد ولا سيما أنّ العولمة اليوم فضاءٌ مفتوحٌ على أسواقٍ لاترحم .

والتنبّه في المقلبِ الآخر إلى  الاستراتيجياتِ العابرةِ للحدود والجغرافيا والمُكرّس البعض منها لتدميرِ الحياة ومكوناتِها ، لمصالحَ سياسية ، ” والربيعُ العربي ” نموذجٌ لمشروعاتِها  ، إذ توهّمَ فصيلٌ من ” المُثقفين ” أنّ شرارةَ ” البوعزيزي ” التي أطلقَها عندما صُودرتْ ” لقمةُ عيشِه ” غيرَ المُرخّصة أنها سياقٌ لمخاضٍ ديمقراطي .

وحقيقة الأمر ، لم يحمل الربيع المزعوم سوى الموت والقتل  والدمار  وتصفية حسابات دولية على حساب الشعوب ، أو ربما مشروع  ترسيمٍ لتوازناتِ القوى وتحالفاتِها ومصالحِها  ،  الأمرُ الذي يجعلُ من مواقف فصيلٍ من المُثقفين  – المرتبطين خارجيا ً- محطَّ ريبةٍ وشبهةٍ في تعاملِهم ومواقفِهم من الأزماتِ الراهنة وتجاهلهِم لحقيقةِ مُجرياتِها واندراجِها في إطارٍ   ” الفوضى الخلّاقةِ والتدميرِ المُمنهج ” الذي تبنته استراتيجياتٌ خارجيةٌ ولا سيما         ” الأمريكية ” ، لابل كرّسَ بعضُ هؤلاء ثقافتَهم في خدمةِ مشروعها .

لن نتحدثَ عن هويّةِ الدولةِ وإدارتِها والتي هي رهنُ العلاقةِ بين المثقفِ والسياسي ، والتي هي محط ُّالتجاذبِ التقليدي   بين المثقفِ الديني والمثقفِ العلماني  ، ولكن تقديري إنّ الأزماتِ الراهنةَ عمّقتْ الهُوّةَ بين تياراتِ الثقافةِ الدينيةِ ذاتِها  ، ولعلّها الفرصةُ التاريخيّةُ المناسبةُ التي يمكنُ أن يلتقطَها ” العَلْمانيون ” .

السياسيُ منتمي بالضرورةِ ، ولكنّ المثقفَ ليس بالضرورةِ أن يكونَ ” مُنتمياً ”  والمسافةُ بين المثقفِ والسياسي تُحددُ أشكالَ الحياةِ والواقعِ  ومُستقبلِهما .

–           كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here