م . سليمان حاتم : المكيافيللية.. فن الوصول!

م . سليمان حاتم

حقيقة ، أنت أمام كاتب إشكالي وملتبس وغامض في مفارقاته  إلى حد لاأجد غرابة أن تتعدد وتختلف القراءات حوله بين مد وجزر ، وتقديري ، ليس عبثا  أن صدر قرار بإدراج كامل مؤلفات ” مكيافيللي”  على قائمة الكتب الممنوع نشرها وبالتالي طلب مصادرتها ومنع تداولها منذ القرن السادس عشر  .

ولا سيما كتابه ” الأمير ” الذي مازال محتفظا بحيويته و- ضجيجه –  إلى يومنا هذا ، ومما يحكى ، أن موسوليني اختار ” كتاب الأمير ” ليكون موضوع بحث ودراسة  في رسالة الدكتوراه ، وان ” هتلر ” كان يضع كتاب الأمير قرب سريره ويقرأ منه مقاطع قبل النوم ، لابل ينسب إلى لينين وستالين  أنهما تأثرا بشكل ملحوظ فيه .

يبدو من العنوان ” الأمير ” انه يتحدث عن ” الحاكم ” و” رجل الدولة الأول ” ويكرس صفحات الكتاب للإجابة على سؤال محدد ؟ كيف يمكن للمرء أن يصبح ” أميرا “؟ ويندرج في سياق هذا السؤال وتحته أسئلة لاحصر لها ؟ مثل : ماهي الطرق التي يمكن للمرء أن يسلكها ليصل إلى مرتبة ” الأمير ” ؟ هل هناك من طريق واحد أم أن الطرق عديدة ؟ وكيف يمكن للأمير أن يحافظ على الإمارة ؟ ماهي مواصفات الأمير التي ينبغي أن يتحلى بها ؟ كيف يمكنه من التوسع والسيطرة ؟ …. الخ .

كل ذلك بناء على خبراته السياسية ومعرفته التاريخية وتحليله العميق للظواهر التاريخية .

ولكن المفارقة الكبرى التي تستوقفنا مؤداها ، إذا كان مكيافيللي  لديه  معرفة واثقة بالطرق المؤدية إلى ” الإمارة ” والوصول إلى ” مرتبة الأمير ” لماذا لم يكرس جهوده الذاتية ومساعيه ليكون ” أميرا ” ؟ بدل كل هذا التزلف والتودد والتقرب والتمسح والاستعطاف عبر إهدائه للأمير الايطالي لورنزو بيرو دي ميديشي والذي لايخلو من تخوفه من ردة فعل الأمير في حالة لم ُيقدّر قيمة كتابه أو أنه وجد فيه تقدمة لاتليق بهدايا الأمراء ، ولا سيما أنهم – أي الأمراء – اعتادوا على هدايا ثمينة من مرتبة الفرس الأصيلة أو قطعة سلاح غالية أو لباس موشى بالذهب و بالأحجار الكريمة أو تحفة لائقة –  وكل هذا وفقا لما كتبه مكيافيللي – واستدار على هذا كله ليكسب ود الأمير أن كتابه هذا يعبر عن مدى الإخلاص والولاء لشخص الأمير وهو هدية  غير تقليدية لها ” رمزيتها ” وتختلف عن أشكال الهدايا المعتادة والمتعارف عليها  .

يرى مكيافيللي أن ثمة طريقين للوصول إلى ” مرتبة الأمير ” أولها مرتبط بقدرات وإمكانيات صاحبه ويمكن له أن يصعد تدريجيا من القاع مواجها التحديات وملتقطاً الفرص ومغامراً بعض الشيء ومثل هذا يحتاج إلى جهود جبارة وكبيرة وزمن طويل ومسار مليء بالصعوبات ولكن ماأن يصل فمن السهولة بمكان أن يحافظ على مكانه ومكانته ، وثانيها أن يكون الحظ في متناوله وعندها يكون وصوله سهلاً للغاية ، ولكن الصعوبة تكمن في إمكانية المحافظة على البقاء والاستمرارية .

ويشير مكيافيللي إلى أن تثبيت الإمارة يقتضي تفويضا إما من عامة الشعب أو من تأييد  الطبقة الارستقراطية  ، وهما طبقتا المجتمع القائم ، اللتان لديهما مصالح متعارضة .

وآلية الحكم المتبادلة بين الطبقتين ، تتجلى بالحكم المطلق لكل منهما على حدة ، بمعنى أن ينجح عامة الشعب في انتخاب أميراً منهم يدير شؤون البلاد في مواجهة الطبقة الارستقراطية .

 أو أن تميل الكفة إلى جانب الطبقة الارستقراطية وتختار أميراً منها يضمن مصالحها بالدرجة الأولى على حساب الشعب ومصلحته .

بفارق ، أن الأمير الذي ينتخبه الشعب يكون قوياً ولا أنداد له ، في حين أن الأمير الذي تفوضه الطبقة الارستقراطية يبقى مهدداً طيلة الوقت من أنداد له متوفرين في الطبقة تلك .

وصف البعض ” كتاب الأمير ” بأنه تجسيد لـ ” أخلاقيات السياسة ” واعتبر بعض النقاد انه تعبير عن أخلاقيات السياسيين الطغاة المستبدين والديكتاتوريين ,

لابل صار ” مكيافيللي ” رمزا للشر في المسرح الأوروبي وهناك من اعتبره شيطاناً وشريراً .

وصارت ” المكيافيللية ” تتلخص في مقولة ” الغاية تبرر الوسيلة ” .

وحقيقة الأمر ، إن هذا الموقف لم يكن حاسماً لدى مكيافيللي وفقاً للمقولة  بل جاء متردداً في سياقات الكتاب  إذ يقول : ” التغرير بالأصدقاء وفقدان العقيدة والرحمة والدين يمكن أن يصل بأصحابها إلى القوة وليس إلى المجد ” كما ويقول ” إذا كانت الفضائل المتمثلة بالشجاعة ترفع أصحابها إلى مصاف الناجحين فان استخدام القسوة والبربرية وانعدام الإنسانية والأعمال الوحشية لاترفعهم إلى مصاف المشاهير ” .

وهذه تستدعي إعادة النظر في تعميمات كثيرة رائجة حول مكيافيللي ، إذ انه وجد أن ” السياسي ” لايوفر طريقا من الطرق أو وسيلة أو أداة  بصرف النظر عن بعدها الإنساني والأخلاقي والقيمي إلا ويلجا إليه في سبيل تحقيق غاياته وأهدافه ، لو اقتضى الحال أن يدوس على قبر أمه ووصايا أبيه ، لابل ويتخلص من كل مايمكن أن يحول دون وصوله ، وهذا ليس من بنات خيال مكيافيللي بل هو ” حقائق التاريخ ” .

  • كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. هناك كاتب اداري امريكي لامع يدعى جرين وضع أفكار ميكافيللي وزاد عليها كثيرا من متطلبات عصرنا الراهن وأصدر ذلك بكتاب لافت واسع الانتشار بعنوان مقاليد السلطة واسرارها… وقد لخصت الكتاب بالانجليزية والعربية بسلايدات باور بوينت لافتة ومختصرة وأضفت قاعدتين ل48 قاعدة الواردة في الكتاب المفيد وحاولت تسويق العرض ولو مجانا لدى الشركات والمؤسسات والمنظمات ولكن بلا جدوى وكأني اخاطب جدرانا او اتحدث للهواء ونزعل عندما اتهمنا ديان بانا لا تقرأ !…فشكرا لتلخيصكم اللافت المعبر الجذاب…ودام ابداعكم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here