م. سليمان حاتم: المشاهير؟

م. سليمان حاتم

الكتاب الذي صدر بعنوان ” المائة : تقويم لأعظم الناس أثراً في التاريخ ” للمؤلف الأمريكي ، الفلكي والرياضي مايكل هارت ، من الكتب المثيرة واللافتة ، التي تضم مائة شخصية عالميّة خالدة في التاريخ الإنساني ، ولأن مؤلف الكتاب يشتغل في حقل الرياضيات ، فإن تلك الشخصيات لم تأت جزافا في ترتيبها وتصنيفها ، وإنما جاءت وفقا لمعايير وأسس ومقاييس كمية .

من المعايير المعتمدة في تصنيف الشخصيات ، أن تكون الشخصية حقيقية ، غير مشكوك في صحة وجودها ، ولهذا استبعد من التصنيف أسماء لها مقامات  وسير في كتب التراث  وفي ذاكرة الشعوب ، مثل حكيم الصين لاوتسو وشاعري الإغريق هوميروس وايسوب  ، لان  من الصعب معرفة مااذا كانوا حفيقيين أم أنهم مجرد أساطير .

كما استبعد مخترعين قدموا للبشرية اكتشافات غيرت مجرى التاريخ ، مثل مخترع النار ، ومخترع العجلة ، ومخترع الكتابة ، فقط لأنه ليس لديه معرفة بأسمائهم .

كما اعتمد في التصنيف معيار قوة الأثر ، بصرف النظر ، مااذا كان الأثر طيبا وخيرا ، أم كان خبيثا وشريرا ، فهتلر مثلا عبقرية شريرة تحتل موقعا في سجل العظماء ، واعتمد اتساع الأثر في التصنيف ، إذ أن شرط  الخلود والعظمة أن يكون الأثر عالميا ، وليس إقليميا ، أو محليا ، وعند هذا الشرط استبعد الشخصيات السياسية والدينية والفكرية التي لها تأثير محلي ، ويذكر أن الكثيرين من السياسيين والأدباء ورجال الدين طلبوا من المؤلف  إضافة أسماء أخرى ، لكنه  لم يفعل هذا لعدم توفر الشرط الأخير لهذه الأسماء التي لم يتجاوز حدود تأثيرها الحدود الإقليمية .

ولان سرد أسماء ( المائة ) لاتتسع له المقالة ، فان المقالة دعوة للقراء المهتمين بموضوعات كهذه قراءة هذا الكتاب الممتع ولو اختلفوا مع كاتبه في الرأي ، ولكن يفيد أن أقدم العشرة أسماء الأولى من سلسلة المشاهير في العالم  وفقا لما أورده هارت في كتابه .

يأتي في مقدمة المائة ، الرسول الأعظم محمد ( ص ) ، يليه الرياضي والفيزيائي البريطاني اسحق نيوتن ، يليه المسيح عيسى ( عليه السلام ) ، يليه بوذا مؤسس الديانة البوذية ، يليه فيلسوف الصين العظيم كونفوشيوس ، يليه القديس بولس الرسول ، يليه تسي اي لون مخترع الورق ، يليه يوهان جونتبرج مخترع الطباعة ، يليه كريستوف كولومبوس مكتشف أمريكا ، يليه ألبرت اينشتاين صاحب النظرية النسبية .

قد يختلف البعض مع المؤلف في الترتيب والتصنيف ، على خلفيات مختلفة ، وهذا أمر طبيعي ، ولكن لايختلف اثنان على شهرة كل هؤلاء ، وعلى الأثر البالغ لهم  في  تاريخ البشرية .

سئل الفيلسوف والمفكر الفرنسي الكبير فولتير ” من الأعظم بين هؤلاء ، الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر ، أم القائد الإغريقي لاسكندر المكدوني ، أم الفاتح المغولي تيمورلنك ، أم الزعيم البريطاني كرومويل ” .

أجاب فولتير ” الرياضي اسحق نيوتن ، أعظم من كل هؤلاء ” لان هؤلاء يحكمون العقل بالاستبداد ، في حين أن نيوتن يؤسس للغة الصدق والحقيقة .

على سيرة المشاهير ، انبرى بعض الكتاب والمؤلفين على  إصدار بعض المؤلفات ، تضم بين دفتيها أسماء قدموها على أنها مشاهير ، ذكرتني بشيخ الفكاهة ” جحا ” عندما أقدم على كسر مزراب العين التي هي مورد الشرب الوحيد في القرية ، وعندما سئل لماذا تفعل هذا ، أجابهم  ” كي ادخل التاريخ ” ،  مؤلفات هؤلاء حفلت بأسماء من كل حدب وصوب ، لايصلح  بعضها  أن يطرح إلا على سبيل الفكاهة ، ولا ضير فجوائز الثقافة اليوم تسقط من كل حدب وصوب على رؤوس مليئة بالكيروسين أو ربما بمشتقات نفطية أخرى أو ربما بسلالم موسيقية وعروضية مهشمة من أطرافها الأربعة  .

هي دعوة أيضا مفتوحة ، لقراءة هذه النماذج من الكتب ، ولكن بالتاكيد لن اعطي عنوانا لاي منها ، كي لاتقوم علي قائمة المشاهير الافتراضيين  ، الذي حاولت جاهدا ان استنتج المقاييس والمعايير التي جاءت بهم ، بما فيها معايير مايكل هارت ذاتها ، وكانت النتائج ، ان هناك نظريتين ، الاولى التي اعتمدها مايكل هارت ، وهي ان نصنف المشاهير بموجب مقاييس معيارية ، والثانية نظرية العكس ، ان نصمم المعايير على المشاهير . .

بالمناسبة ، ثمة معايير ربما لم تؤخذ بعين المراعاة والاعتبار في تصنيف هارت ، على الأقل من وجهة نظري ، وهي المعايير التي تفصل الرسالات السماوية ومبشريها عن خانة الكتب الأرضية ومبدعيها ، ثم لايعقل أن يكون  الرياضي نيوتن  متصدرا القائمة  قبل السيد المسيح ، مع يقيني أن ” الرياضيات  هي جوهر العلوم قاطبة ” وانه لايمكن لأي علم من العلوم أن يتقدم أو يتطور بمعزل عن الرياضيات وان الثورة الرقمية اليوم هي ثورة الرياضيات .

 لأنه في حالة المقارنة تلك وضمن المعايير التي اعتمدها في التصنيف والمقارنة يبدو للوهلة الأولى أن ثمة مفارقة من حيث الشكل ، ولكن ليس بمقدوري الدفاع عنها كوجهة نظر ، على الاقل لعدم توفر الإحصائيات الداعمة لها ، ولاسيما أن مايكل هارت رياضي ولا تغيب عن محاكمته طروحات كهذه !!!

أعود وأكرر أن الكتاب يستحق القراءة ، والتعرف على الشخصيات المائة الأكثر شهرة وتأثيراً في التاريخ والأكثر حضوراً في ذاكرة الشعوب.

هذا الكوكب الأرضي ، بيتنا الجميل المسافر في هذا الكون ،  ينوء بحمل المليارات من البشر ولكن قلة منهم يعدون على الأصابع وتكاد أعدادهم لا تتجاوز الصفحات هم من يؤثرون في هذا العالم وتبقى أسماؤهم قيد التداول  !!

 ولكن طوبى – من بينهم – لصانعي السلام والخير والمحبة ، واللعنة على صانعي الحروب والقتل والدمار !!..

سورية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here