م. سليمان حاتم: “التَدَيّن” بين العوْلَمَة والعلْمَنَة!!

م. سليمان حاتم

 أنْ تقتربَ من الأديان فهذا بحدّ ذاتِه أمرٌ فائقُ الحساسية ، وقد يكون بالغَ الخطورةِ ، لأنّك ستكونُ على حافةِ ” المُقدّس ” الذي لايبدو المساسُ به مسموحاً البتّة وهذا أمرٌ طبيعي لطالما هذا ” المُقدّس ” يمتدّ من أقصى القناعاتِ والإيمان إلى أقصى القوى الخفية والأرواحِ الخفية التي لها مرتسماتُها في الأذهانِ و” بناتِ الأفكار ” وتيارات الطقوسِ العابرةِ للاجيالِ والأزمانٍ ، والتي لها خصوصياتُها ، التي يجب أن تكونَ محطّ احترامٍ لأنّها ” خصوصياتٌ ” وحسب  .

ولكنّ ” الكارثي ” أنْ يكونَ ذلك على حسابِ ” العقل ” ، عندما تحاصرُه التابواتُ والمُحرّمات والنواهي من كل حدبٍ وصوب ،  ويستسلمُ أمام الأوهامِ والأساطيرِ والخُرافات ، أو على الأقلّ ينسحبُ من دوائرِها ، كي يتجنبَ المُغامراتِ والأهوال.

ومع هذا ، ليس ثمّة مايبعثُ على القلقِ ، حتى لو وصلَ الحالُ  الى مثلِ هذا ، ولكنّ المأساة ، أنْ ينتابَ البعضَ ، إحساسٌ بأنّ ماعدا – مُقَدّساتِهم – ضربٌ من الكُفرِ والشعوذةِ والزندقة ، وهنا الطامةُ     الكُبرى !!! أو أن تُكفّرَ ” فرقةٌ ” ماعداها بحُجّة أنها ” الناجية ” وما عداها في النار …

ثمّة دراساتٌ وأبحاثٌ تكرّست لرصدِ هذه الحالاتِ الإيمانية ، المتفاوتة والمتضاربة ، وآثارِ ” العوْلَمة ” التي اخترقتْ حياتَنا من أقصاها إلى أقصاها ، والتي هي ” جغرافيةُ الأسواقِ ” ، والتي نجحتْ في تحريرِ الأسواقِ بكافةِ أشكالِها وألوانِها الإقتصاديّة والتجاريّة والجنسيّة والإيديولوجيّة ….!!! إلى حدّ لايصمدُ في أتونِها إلا الاقوياءُ والماكِرون والمنافسون ، لعلّها ” الغابةُ الرقميّةُ ” التي لاترحم ، ولكن السؤال هل وصلتْ عدوى التحريرِ وإزالةِ القيود وحُريّةِ الأسواق  بالوتيرةِ ذاتها إلى ” السوقِ الدينية ” من اعتقادٍ وتدين وفقاً لمنظورِها ، أمْ أنّ كلمةَ ” السوق ” في هذا السياق تمتهنُ ” القداسةَ ” وتتجاوزُ الخطوطَ الحمراء .

كتابُ ” انتصارِ الإيمان ” للكاتبِ الأمريكي عالمِ الإجتماع رودناي ستارك والذي له باعٌ طويلٌ في الدراساتِ والبحوثِ ذاتِ الصلة بالظواهرِ الدينية والمعتقداتِ والإيمان ، من مؤلفاتِه ” مستقبلُ الدين ، ونظريةُ الدين ، ومدنُ الله ” ، وكتابُه هذا ” انتصارُ الإيمان ”  دراسةٌ  تُعتبر جديدة  تتحرى واقعَ التدين العالمي  في الألفيةِ الثالثة ، باعتمادِ منهجياتِ المسحِ والاستبيان باستهدافِ عيّناتٍ عشوائيةٍ واسعة شملَت مليون شخصٍ في 163 بلدٍ وانطلاقاً من مؤشراتٍ ترتبطُ بالطقوسِ والعاداتِ والتقاليد .

والكتاب يحظى باحتفاءاتٍ واسعة في أوساطٍ فكرية وثقافية ، وبالمقابل هناك وجهاتُ نظر في المقلب ِالآخر .

المتعارفُ عليه أنّ القرنَ العشرين شهدَ توجهاتٍ إلحاديةً وعلمانيةً ، ذاتِ طابعٍ حزبي وايديولوجي ومؤسساتي ، إلى حدّ أنّ التوقعات مالت إلى أنّ التدينَ في طريقِه إلى الانحدار والتلاشي ..

ولكنّ الدراسةَ تلك انتهت إلى نتائجَ مغايرةٍ تماماً  فيما يتعلق بواقع ” التدين ” ، إذ صرّحَ 80% من عيناتِ الدراسة  بانتمائهم العقائدي إلى أديانٍ مُمأسسة ، ولها هيكلياتُها وطقوسُها وشعائرُها ، و75% من هؤلاء اعترفوا بأن للدينِ دوراً واسعاً ومفصلياً في حياتِهم اليوميّة وأنهم مؤمنون بأنّ الأقدارِ تتحكمُ في مُجرياتِ حياتِهم ، كما أنّ 50% منهم يُقرّون بممارسةِ شعائرَ دينيةٍ مرّة كلّ اسبوع ، في حين أنّ 20% المتبقية يُقرّون ارتباطَهم بعقائدَ مختلفةٍ وأنهم لاينتمون إلى دينٍ محدد ، بما فيهم الملحدون غيرُ المتدينين أصلاً .

بالمناسبة  ، أصحابُ االنَزعَاتِ الإلحادية ، في البُلدان السوفيتية ” سابقاً ” والتي شعارُها ” الدينُ أفيونُ الشعوب ” لاتتعدى نسبتهم 5% ، والمفارقة أنّ هذه النسبة لم تكنْ حصريةً في البلدانِ التي تبنتْ إيديولوجياتٍ مناهضةً للدين ، اذ أنّ نسبة المُلحدين في الولايات المتحدة الأمريكية تُقارب نسبتُها في تلك البلدان ، وهذا ربما مؤشرٌ على أنّ الإلحاد ليس شيوعياً أو راسمالياً بطبيعتِه .

فولتير وفي وقتٍ مُبكر كان يعتبر أنّ ” الإلحاد هو صوتُ القلّة المُفكرة من البشر ” ، اتفقنا معه أو اختلفنا !! لأنّ  ” المُلحد ” لايُسلّم بحقائقَ لمْ يختبرْ وجودَها ” العقل ” .

ولكن المُدهش ، أنّ البُلدان التي تتبنى ” العَلْمانية ” وترفعُ شعاراتِها وتُسوّقُ لها ، فإنّ ” التدين والإيمان ” بقيا مُلازمين لأفرادها ، وتهيمنُ عليهم معتقداتٌ ذاتُ طابعٍ ميتافيزيكي ، فـ ” ايسلندا ” البلدُ الذي يُصنّفُه الدارسون بأنّه الأكثرُ علمانيةً في العالم لجهةِ حُرياته الدينية فإنّ 30% من الشعبِ الإيسلندي يؤمنُ بـ ” التناسخِ والتقمّص ” لابل 50% من الشعب الإيسلندي يترددُ على ” المُنجّمين ” والحالُ ذاته لدى الشعبِ الفرنسي في إيمانه بالتنجيم ، وأنّ أعداداً كبيرةً من السويسريين يؤمنون بقراءةِ الطالعِ ومعرفةِ الغيب ، لابل يصلُ الحالُ لدى بعض اليابانيين أن يلجأ مقتنو السيّارات الجديدة إلى طقسٍ احتفالي يُحييه ” راهبٌ ” بهدفِ مُباركتِها وحفظهِا.

وفي الصين حيث لايُسهّلُ للمنظماتِ والوكالاتِ الدولية الخارجية  بالتدخلِ في الشؤونِ الدينية والإنتماءات ، فإنّ 77% من الصينيين يُصرّحون بعدمِ انتمائِهم لدينٍ مُمَأسس ولكنّهم يترددون على المعابد ويُرتلون الأدعية والطقوس

الدراسة خلُصتْ إلى أنّ العالم يميلُ لـ ” التدين ” وليس لما تذهبُ إليه الطروحات الحداثوية من أنّ     ” العلْمَانية تضربُ أطنابَها في ساحاتِ العَوْلَمة ، وهو ماعبّرَ عنه  عالمُ الاجتماع الأمريكي ” بيتر بيرغر ” بقوله:  ” العالمُ اليوم ، لم يتعلْمَن ، أو يميل للعلمانيّة ، عالمُ اليوم بالغُ التدين ” .

المُشكلة – من وجهة نظري وبصرفِ النظر عن خُلاصات الكتاب تلك –  كامنةً  في الخلفيةِ المعرفيّةِ والثقافيةِ التي تؤسسُ للمواقف والممارساتِ الدينية ، إذ أنّ للدين الواحد تجليات مختلفة  بحسبِ البيئاتِ والمُجتمعات ومستوياتِ تقدمِها ، ولعلّ الشيخ محمد عبده فيما نسب إليه أنّه قال عقِب زيارتِه لأوروبا أنّه رأى إسلاماً في أوروبا ولم يرَ مُسلمين ولكن في بلادِه رأى مُسلمين ولم يرَ إسلاماً ، لأن ” الإيمان ” الروحي يسلكُ كُلّ الطرقاتِ المؤدية إلى ” الله ” وعبر كلّ العقائدِ والأديان ، وليس وقفاً على انتماءٍ ديني محدد .

” هاينه ” الشاعرُ الألماني الذي كان يُلقّبُ بشاعرِ الحِكمة وحكيمِ الشعر يكتبُ : ( أنا استطيعُ أن أقبلَ ببساطةٍ أنّ الإنسانُ يمكنُ أن يُصبحَ ربّاً ، ولكن لااستطيعُ أنْ أتصورَ البتّه أنّ الله يمكنُ أن يُصبحَ إنساناً ) !!

لعلّها المقولةُ التي تُجَسّدُ مُحتوى الإيمان بين أن يكونَ هابطاً أو صاعدً !!! ولعلّ هذه العلاقة غير العكوسة هي التي تُحدّدُ اتجاهاتِ التدين وخلفياتِها وقواعدَها الماديّةِ والروحيّةِ !!!!

هذا كي لايقرعُ ” الكتاب ” من جديد  أبوابَ الصراعِ الأيديولوجي الذي كرّسته الفلسفتان المادية والمثالية ، إذ أنّ ” النسبية ” تبقى سيّدةَ المواقف وبدونها يمكن أنْ تكون ساحاتُ ” الحوار والنقاش” رهنَ المواقف الصُلبة والجامدة لابل والقاتلة والمُضَللة  …..!!!

  • كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. في أوربا دول وشعوب علمانية تعتبر الدين مسألة وقناعة وحرية فردية ولا تمارس شعاراته وطقوسه إلا بشكل شخصي. هناك الكثير من المؤمنين الذين لا يصرحون عن معتقدهم إلا إن سألتهم وهناك أيضاً من يعتبر أن هذه مسألة خاصة جداً ولا يحق لك سؤاله.
    المهم أن العلمانية ليست الإلحاد أبداً بل هي إحترام حرية المعتقد لكل مواطني الدولة والدولة ليس لها دين رسمي لأن هذا يصبح إنحيازاً لدين من دون غيره، بل هي تكفل حرية المعتقد والممارسات لكل الأديان.
    كل ذلك حصل بعد معاناة طويلة لشعوب هذه الدول من الكنيسة التي كانت تتدخل في كل شاردة وواردة والتي سببت حروباً ضروسة هلكت الأخضر واليابس.

  2. (باختصار) بالنسبه للمفكريين الغربيين عموما فقد تناولوا الظاهره الدينيه على اختلاف مسمياتهم و مسمياتها بكل جرأه وشجاعه عندما يتطلب الموقف الشجاعه وبكثير من الموضوعيه سواء فلاسفة عصر التنوير او من اتى بعدهم والى عصرنا الحاضر (اتكلم هنا بشكل عام) ولكن موقف الدوله الغربيه سواء في دساتيرهم او في مماراساتهم فالوضع مختلف تماما .فمن الحقبه الاستعماريه وحملات التيشير المرافقه للجيوش الغازيه الى الدساتير والمواثيق وخاصه الاوربيه التي تصر على المرجعيه اليهوديه والمسيحيه ولم تقل (اليونانيه .الرومانيه .الاتينيه .الانجلوسكسونيه ) بل لاييتصور ان يتبوأ المناصب العليا شخص غير مسيحي ان لم نقل كاثوليكي في بلاد الغالبيه الكاثوليكيه او بزوتستانتي في بلاد الغالبيه البروتستانتيه (الولايات المتحده …كندي استثناء ) …الخ هدا بصوره مختصره . اما في بلادنا فالخطوط الحمراء واضحه وخطره واراهم مفكرونا الا ماندر يحومون حولها ولا يتجاسرون على اقتحامها اي وضع النقاط على الحروف وتسمية الاشياء بمسمياتها لفداحة الثمن غالبا .بالرغم من ان ما سيأتي سوف يأتي ولا مندوحة عن دلك بحكم الميديا ووسائل الاتصال و الزمن وتطور التفكير الانساني…الخ اما عن عودتها (الظاهره) فمن وجهة نظري انها صحوة ماقبل الوت وانها ستنتهي كغيرها من الظواهر التاريخيه التي مرت على البشريه . وشكرا على المقال المهم .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here