م. سليمان حاتم: أمّة “اقرأ”؟

 م. سليمان حاتم

قد نختلف أو نتفق مع فولتير حين يقول ” إنّ الله دائماً إلى جانب الكتائب الأشدّ قوّة ” لأنّه بهذا المعنى يأخذُ القوّة بمعناها الفيزيائي فقط ، والعلاقة بهذا الخصوص لايمكن أن تحتملَ إلا اتجاهاً وحيداً مفاده أنّ ( القوّة الماديّة لاتزيحها إلا قوّة مادية أكبر منها ) ، ولكن في عالم الميتافيزياء ثمّة احتمالات أخرى ووجوه مختلفة ، قد لاتكون المقولة تلك صحيحة مائة بالمائة وقد تحتمل نسبة من الخطأ أو ربما تكون خاطئة كلياً ( كم من فئةٍ قليلة غلبت فئةً كثيرة ) ، ويصعب تفسيرالأسباب ونُسلّم عندئذ بكلّ هذا الخطأ لأن الهامش الكامن بين الحقيقة المطلقة والحقيقة الماديّة تختبئ في داخله كلّ تلك الإجابات التي لم يتمكن البشر عبر كل العصور والحقب من معرفتها أو مواجهة تلك الأسئلة الكونيّة الكبرى التي مازالت تنهالُ على رؤوسنا كحبّات البرد  عصيّة على الفهم وكما لو كنّا نخرج للتوّ من العصور الحجرية .

وإذا كانت مقدمتي هذه لاعلاقة وثيقة لها بكل هذا النص ، فانّ إشكاليتها نابعة من الإشكالية التي وفرتها مقولة فولتير عن العلاقة بين المادة والروح في نظرتنا للأشياء والعالم والوجود ، لإنّ الإجابات بالتأكيد ستكون مختلفة على خلفية القاعدة التي ننطلق منها ، ماديّة هي أم روحيّة .

لاحظوا أنّ الصراع الفلسفي لم يزلْ مسعوراً حتى اللحظة بين الماديين والمثاليين ، وحين ينتقد الماديون المثاليين منهجياً ، يقولون إنكم اخطأتم في استخدم الديالكتيك ونحن جعلناه يمشي على قدميه بدل كلّ تلك المسافات التي قطعها مشياً على ذراعيه .

سُئل فولتير ذات يوم : ( أيّ أمة مرشحة لأن تقود العالم ؟ ) لم يجب فولتير على ذلك بأنّها الأمة التي تملك الكتائب الأشد قوة ، بل قال ( الأمة التي تقرا أكثر من غيرها والتي تعرف ماذا تقرأ ) ، هل كان يقصد هنا شيئا آخر يختلف تماماً عن مقولته السابقة ، أم أن المقولتين تصبان في مجرى واحد ، فالمعرفة هي الأخرى قوة ، مالم تكن القوة الحاسمة .

إذا كان ماقاله فولتير صحيحاً فهذا يعني أن أمة ( اقرأ ) وأمّة العرب جمعاء في خبر كان وذمة إنّ وأخواتها ، لانّ الإحصائيات العالمية في هذا الصدد – إذا كانت صادقة –  تشير إلى أن نصيب العربي من القراءة في السنة التقويمية  لايزيد عن الزمن المبذول في حلاقة الذقن أو تسريحة الشعر ، هذا ولم نصل بعد إلى الشق الثاني من مقولة فولتير التي تذهب إلى نوعية القراءة واتجاهاتها .

في التسعينيات انهار الاتحاد السوفياتي كما لوكانت ( الإمبراطورية الحمراء ) قارةً من الجبال الجليدية أو ربما جمهورياتٍ من الرمال ومدناً من الملح .

وكانت حملة مسعورة لتغيير أسماء الشوارع ومحطات المترو والساحات على أمل ان يمحو الذاكرة السوفياتية وحتى جثمان لينين المُسجى في الساحة الحمراء لم يتحمل أعداء الاشتراكية العلمية وجوده فنفوه ميتاً إلى بقعة أخرى على أمل إطفاء آخر كراساته وتعاليمه الثورية  لاسيما ( ديكتاتورية البروليتاريا )  .

بالمناسبة أنا – لست ماركسيا ، لابل أتوجس من الإيديولوجيات بعض الشيء – ولكني توقفتُ طويلاً عند الكثير من الرؤى   الماركسية ، لاسيما ماكتبه كارل ماركس هذا المفكر الموسوعي الكبير ( أنه لايمكن لأي علم من العلوم أن يتطور مالم ندخل عليه الرياضيات ) ويضيف ( ولكن فلسفة الرياضيات أهم من الرياضيات ذاتها ) .

هذا المفكر الذي كان يقرا أكثر من غيره ، بدليل أن صديقه الحميم أنجلس كان يعتقد طيلة الوقت أن ماركس لن يكتب حرفا واحدا ذات يوم ، لان ماركس طيلة الوقت يؤجل الكتابة إلى مابعد الكتاب الذي بين يديه للتو ، وقائمة الكتب لم تكن تنتهي .

البصيص الذي يمنحك الأمل – وقتها – بأن روسيا ستعود ليس بفعل الحتمية التاريخية التي صار مشكوكا بأمرها بعض الشيء بل وفقا لنبوءة فولتير حيث الجميع يقرأ ، الشيوخ والنساء والشباب والأطفال في كل مكان يقرؤون ، في الشارع ، في محطات المترو ، في المترو ، قياما وقعودا ، موسكو كلها تقرا ،  أمة تقرأ طيلة الوقت وتعرف ماذا تقرأ .

هل ” الرياضيات ” و” فلسفة الرياضيات ” كما قال ماركس تحتل كل هذا الحيز عند   الأمم والشعوب  التي تعرف ماذا تقرأ ؟ ولماذا في عالمنا العربي لاتحظى الرياضيات اليوم بهذا الشأو الذي تناله بقيّة الإختصاصات الأخرى ، فالبعض يكرس فضائياته واحتفالياته للشعر النبطي والعامي وما بينهما ، دون أن تسمع كلمة واحدة من أن جوهر الثورات العلمية هو – الرياضيات –  والأنكى من ذلك إن التفكير الرياضي اليوم لايجد مكاناً له في حلبات هيمن عليها ( الإتجاه المعاكس ) الذي يؤسس لعقلية وذهنية السباب والشتائم وديمقراطية التراشق بالأحذية والبصاق .

أدركت سلطات القرون الوسطى أنّ ( رأس غاليليو ) أشد خطورة من قنبلة نووية ، ليس لأنه قال ( إن الأرض تدور حول الشمس ) بل لأنه كان يفكر بطريقة رياضية ، ولا ضير لو قال ( إن المريخ يدور حول روما ) شريطة أن يفكر بطريقة ميتافيزيكية لاتغني ولا تسمن من جوع ، هل بمقدور الرياضيات أن تفعل كل هذا  وان تهدد ماحولها مادياً وتمتلك كل هذه الطاقة الكامنة  ؟

أين نحن في هذا العالم العربي من كلّ هذا المشهد ، ومن كل هذه الإشكالية التي تثيرها مقولتا فولتير هاتان  ؟؟ هل بوسعنا أن نقرأ ليل نهار وعشيّا وحين تصبحون ، وأن نضع الرياضيات في مقدمة وأقصى وصلب اهتماماتنا ، على الأقل كي يكون لنا موطئ قدم في عالم يصطخب من أقصاه إلى أقصاه ؟؟؟ أم أنّ ماأكتبه أضغاث أحلام لايقدّم ولا يؤخر ؟؟ ويبدو إن الأمر كذلك ؟ ولكن لايعني هذا كله أنّ الأمم الأخرى لاتقرأ ، ولكن ماذا عن أمة وصل الأمر بها إلى حد ( أن كل من يقول بأن الأرض تدور حول الشمس لابل حول نفسها مهرج يثير رغبة الضحك ) ، سيظهر من يتهمني بأنني لاأجيد القراءة ، ومن يدري قد يتهمونني بالتحريفية أيضا … ؟

كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here