م سليمان حاتم: أرقُ الكِتابَة!

 

م سليمان حاتم

لعلّ الروائي البرازيلي المُدهِش “باولو كويلو” لايفتأ أنْ يُسخّر صفحاتٍ وصفحات في الكتابة ماقبل “الروائية” عن تجربته المريرة في عالمِ الكِتابة ، وهذا الأرق الذي يحلّ بالكاتب وهو قُبالة “صفحةٍ بيضاء” تفصله عنها ذاكرةٌ مُجهدة بأحمالٍ وأثقال تراكمتْ وتكدستْ عبر السنين ، ربما يبدو من الضروري أنْ يُلقي بمحتوياتها ومكوناتها على مقربةٍ منه أو ربما لم يعدْ تسلسلها الزمني وتواترها صالحاً لتلك اللحظة التي ينتظرُها!

ولكنها لحظة من الصعوبة بمكانٍ التقاطها، ومن يدري قد تهبط فجأةً على روحِه من عوالمَ مجهولةٍ ، والمأساة أنّ اللحظة السحريّة لايمكن استنساخها.

 عاش “باولو كويلو” تلك اللحظةَ الرهيبة والآسرة بآنٍ واحد، وهو يكتبُ رائعته الأولى “مُذكرات مجوسي” التي كان لها وقعها ليس على القُراء البرازيليين وحدهم بل على قُراء العالم بأسره بمختلف لغاتهم وأعراقهم وأديانهم ، وكان عليه أنْ يستغل تلك الفرصةَ السانحة ويستثمر في هذا الإعجاب الكبير بالسرعة الكلية وعليه أن يشرع في الكتابة ويتحضر لها ولكن دون جدوى ، إذ أنّ ” اللحظة السحرية ” تلك لم تولدْ بعد ولم يحن أوانها.

ثمّة عواصف من حوله ، تهبّ من كل الإتجاهات لا تقلّ جموحاً عن تلك التي تعصف  بريودي جانيرو ذاتها وأنّ عليه أنْ يتجشمَ العناءَ والصبرَ في مواجهتها لعلّ لوحةَ الغروب على شاطىء كوباكابانا الجميل يمنحه طاقةً روحيّة كافية لتحرره من هذا القلق الذي يسكنه أو أنّ حنينه ولهفته التي تحمله إلى الشمال الأسباني حيث رحلة المجوسي وعوالمه تُدشن له بدايةً جديدة ، ولا سيما أنّ روايةً واحدة لايمكن أنْ ” تُكرّسَ كاتباً ” ومهما بلغت من الشهرةِ والتأثير ويقول : (روايةٌ واحدةُ لاتُتوّجُني كاتباً).

وأخيراً قطع عهداً أنْ يجلسَ قُبالة هذا المدى الأبيض لصفحاتٍ فارغةٍ تملأ جيب الآلة الكاتبة بعيداً عن ضجيج العالم وصخبه، ويطلّ أمامه فجأة ” سانتياغو “بطل رواية” الشيخ والبحر “للروائي الأمريكي المبدع “ارنست همنغواي” الذي تغلّبَ في رحلة الصيد على السمكةِ العملاقة التي كانت تفوقُ حجمَ قاربِه ولكن لم تدعْ أسماك القرش التي جذبتها رائحةُ الدماء وراءها سوى هيكلٍ عظمي ضخم رمى به العجوز على الشاطىء الرملي ليبقى شاهداً على ملحمةٍ خالدة سطّرها الشيخ سانتياغو وصار رمزاً تستمدّ منه الأجيال طاقتها الإيجابية في صراعها الأبدي.

هو “سانتياغو” ذاته باسمه وروحه سيتناسخ من جديد ولكن هذه المرّة على طريقة باولو كويلو إنّه الصبي الراعي في رواية الخيميائي والذي هو صورة باولو كويلو إذ يُردد مقولةَ الكاتب البرتغالي ” فرناندو بيساوا”: (المرآة تعكسُ ماحولها بدقّة منتناهية لاتخطىء ) وأنّ سانتياغو هو صورةُ كويلو ذاتها التي تعكسُها المرآة تلك ، إنّه يبحثُ عن أحلامِه وكنزه في رحلةٍ طويلةٍ وشاقةٍ ومُجهدة، إنها خوضٌ في المجهول، وعرضةً للمفاجآت طيلة الطريق ، ولكن في كلّ محطّةٍ منْ محطّاتِها تمنحُك معرفةً جديدةً وتزوّدك بدروسٍ جديدةٍ ربما تكون أكثر أهميةً ممّا تنتظره ولهذا فان العبثَ باللحظةِ الراهنة لصالحِ لحظةٍ لم تأتِ بعد هو تفريطٌ بالحياةِ ذاتها وبالعُمُر ذاتِه.

لعلّها “اللحظةُ السحرية” التي تولدُ فجأةً وبشكلٍ تلقائي من رَحم “الأرق” وتكون قدراً من “الإبداع” !!!

كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here