م. زيد عيسى العتوم: المؤامرةُ عشقٌ عربيّ

م. زيد عيسى العتوم

منذ أن أماط سيغموند فرويد اللثام وسَبَرَ اعماق النفس البشرية بكل جرأة ومهارة, وازال تلك الستائر الداكنة بين عالمنا الذي نراه واعماقنا التي نغرق في غموضها ونتسلق عتبات تراكمها الخفيّ, ومنذ ان أبصر الوعي واستحضر اللاوعي واطلق المشاعر المكبوتة بنبلها وقبحها, فعرفنا أننا مجرد رهائن طفولتنا وحبيسي مجتمعنا ونتاج واقعنا, وكم نحن مكشوفون امام انفعالاتنا ومفضوحون امام سباتنا واحلامنا, وكم نحن تائهون على مسرح ادراكنا ما دمنا نجهل وننكر كواليس اعماقنا الدفينة, منذ تلك اللحظة كان لا بد لأطباق الشعور واللاشعور واكواب الثقة وملاعق القلق والشك ان تكون حاضرة ايضاً على منضدة عمرنا شئنا او لم نشأ.

قبل ادانة الانسان العربيّ بعشقه وايمانه المتكرّر والمتوارث بنظرية المؤامرة, وارجاعه للعديد من الاحداث والانتكاسات اليها, ربما لا بد من تبرير قطعةٍ من حزنه وتفهم ساعاتٍ من ارقه, فهو سليل حضارات تقلبت ثم توارت, وحفيد امجاد تفننت بحور الشعر في وصفها ثم رثائها, وصاحب ايدولوجيات انتشرت ثم انحسرت وحوربت, وفقيد علومٍ ما عاد يذكرها احد, وضحية عقودٍ وبنودٍ لم يمتلك فيها حق الاختيار, لكنه قد تلذّذ طعم فكرة المؤامرة وادمن رائحتها, وحسبها وما زال يراها أسهل وأبسط وأقرب عصاً يتكئ عليها. ربما لم يُنكر الانسان العربيّ حقيقة كرويّة الارض او الوصول الى سطح القمر, لكنه تسلّح بدوافعها المعرفية, فبها أراح فضوله حول ما لا يعلم وبها فسّر عشوائية ما قد يحدث, واعتماداً عليها غدى يواسي نفسه اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً كلما ضاق الأفق وتهاوت الفرص والنتائج, والخلاصة واحدة أن فرداً او طائفةً او ديناً او شعباً او مجموعةً مركبة من المتآمرين يقفون من وراء حجاب, وأن انجح الطرق لحماية المنهج والذود عن المعتقد وتفسير ضياع الحقوق, هي بافتراض أن الرأي المعاكس والتيار المضاد والطرف المنتصر يتدفقون من فوهة المؤامرة بعينها, وهو ايضاً تشبّث بدوافعها الوجودية التي تمنحه شعوراً مُرضياً وكافياً بالأمان والتصالح مع الذات, رغم العجز عن تحقيق الاهداف ومواكبة سكك التطوّر واستقلالية القرار, فيرى نفسه طرفاً فاضلاً تكالب عليه المتآمرون فرادى وجماعات, فيكفيه فخراً وطمأنينةً أنه مستهدف!.

لقد تغلغل حسّ المؤامرة لدى الانسان العربيّ رويداً رويداً, وبتصاعد تاريخيّ متنامي, لكنه في الوقت الذي أبصر فيه نفسه منبوذاً من عدالة مجتمعه, ومنتمياً الى الطرف الخاسر في معادلة موازين القوى الدولية, لم يغب ذلك الحس المسيّس عن بعض صُناع القرار السياسي العربي, الذين نظّروا لرؤيتهم في مفهوم المؤامرات الدولية وربما الكونية احياناً, فاذا كان الاخرون يكرهوننا ويستكثرون علينا حقوق التاريخ ومزايا الجغرافيا وثروات الحاضر والمستقبل, فالأجدر بالجميع حسب رأيهم الهرولة لتمكين واستدامة صاحب القرار العربي قبل السعي لمزيد من الحقوق السياسية والاجتماعية, فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة حتى لو كانت تلك المعركة الدونكيشوتية مجرد نظرية مؤامرة.

لا يُنكر عاقل ومبصر سعي الدول لتحقيق مصالحها القومية والاستراتيجية انطلاقاً من ميزانها الاخلاقيّ الخاص بها, ترتدي بيديها قفازات التكنولوجيا وتقفز في ساحات العلم والتحضّر, وفي ذلك فليتنافس المتنافسون, أما التجديف في بحور المؤامرة فلن يخلق الا فرداً اكثر قلقاً واقل تفاعلاً في المضمار الاجتماعي والسياسي, ومزيداً من الغطس في نرجسية الفرد والمجتمع ككل, وان كانت المؤامرة واقعة ونحن لاعبوها الصغار فتلك مصيبة, وان كانت المؤامرة نتاج بنات افكارنا فالمصيبة اعظمُ!.

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here