ميشيل شحادة: لا يوجد شيء خالد للأبد غير الوطن

ميشيل شحادة

سطَّرَ الاشتباك العنيف بين فلاحين قرية اليهودية الفلسطينية والغازين الصهاينة من مستوطنة بتاح تكفا عام 1886 الخط الأول في الملحمة الأسطورية النضالية الحديثة للشعب الفلسطيني. هذا التصادم مع المشروع الامبريالي الاستيطاني-الاحلالي لم يتوقف بل ازداد تصاعداً، ولا تزال الأجيال الفلسطينية المتعاقبة تكتب بالدم الطاهر يوميات هذه التراجيديا الباسلة.

 لم يتوقف الشعب الفلسطيني عن نضاله ابداً، ولم يتنازل عن حقوقه الوطنية والقانونية والطبيعية في كل فلسطين حتى مجيء منظمة التحرير الفلسطينية (م ت ف). حيث قامت هذه المنظمة بالاعتراف بدولة “إسرائيل” على الجزء الأعظم من فلسطين للمرة الاولى. قليل هم الشعوب لدى التاريخ الحديث التي عانت ما عاناه الشعب الفلسطيني من محاولات الطمس للهوية، والابادة العرقية، وسرقة الأرض والتاريخ والتراث وصل حد الالغاء الكامل. كأن الشعب الفلسطيني لم يكن ابدا وما هو الا بدعة مختلقة.

فمنذ اتفاقية سايكس بيكو (1616) ووعد بلفور (1917) حتى عام 1974، رفض الشعب الفلسطيني بكل مشاربه وهيئاته ومنظماته واحزابه، أي فكرة دعت الى اقتطاع أي جزء من ترابه الوطني لإنشاء دولة يهودية عليه. وقد توالت المشاريع والخطط والمؤامرات من الاستعمار الغربي ضد الشعب الفلسطيني على مر العصور لإرغامه على القبول بذلك، الا انه استمر بالرفض القاطع، وقدم التضحيات الجسام واعداد لا تحصى من الشهداء، ولم يلين ولم يحيد عن التمسك بكامل فلسطين التاريخية.

فاذا عدنا الى الوراء واستعرضنا بعض الأمثلة لهذه المحاولات الخبيثة، ولرد الشعب الفلسطيني عليها، نستشعر مدى عمق التصميم والارادة الصلبة، والاستعداد البطولي للنضال الدؤوب والمقاومة الباسلة عند هذا الشعب المعطاء. فرغما من جسامة التضحية وكثافة الألم، لم يفرط بذرة واحدة من تراب فلسطين الغالية. ولكننا وبكل اسف، نلاحظ ايضا كيف بدأ التدحرج نحو الاستسلام لدى منظمة التحرير الفلسطينية حتى وصلنا الى عصر أوسلو المشؤوم وخروج “م ت ف” من الخندق الوطني.

 كانت بريطانيا، راس الافعى، مسؤولة عن حكومة الانتداب منذ عام 1922. كان تنفيذ وعد بلفور من اجل تأسيس دولة يهودية صهيونية من اولوياتها. فبعد صدامات حصلت بين الفلسطينيون والصهاينة في مدينة القدس في نفس العام، صدر ما سمي ب “الكتاب الأبيض” من اجل التهدئة. أكد البيان على انه لا يمكن التراجع عن وعد بلفور، فرفضه الفلسطينيون جملة وتفصيلاً. وردا على ثورة البراق، قامت الحكومة البريطانية بإصدار “الكتاب الأبيض الثاني” عام 1930 لاسترضاء الفلسطينيين. التزمت بريطانيا بهذا البيان ببنود “الكتاب الأبيض الأول”، فنعت الفلسطينيون ب “الكتاب الأسود” ورفضوه. ثم صدر “الكتاب الأبيض الثالث” في عام 1939 نتيجة للثورة الفلسطينية الكبرى لتهدئة الأوضاع، ولمحاولة طمأنة الجانب الفلسطيني حول مصير وطنه.  حيث دعوا فيه الى مرحلة انتقالية لمدة عشر سنوات تحصل فلسطين بعدها على استقلالها. رفض الفلسطينيون ذلك أيضا، واعتبروه خدعة لتمرير هجرة اليهود الى فلسطين. ثم جاء قرار الأمم المتحدة (181) عام 1947، الذي دعا الى تقسيم فلسطين بين الحركة الصهيونية والفلسطينيين، يحصل بموجبه الصهاينة على حصة الأسد (56%) من اغنى الاراضي الفلسطينية.

 لا يمثل هذا السرد كل الكتب والبيانات التي دعت الى تقسيم فلسطين. حيث كانت هناك محاولات أخرى مثل تقارير لجنة بيل وودهيد وموريسون وغيرها، ولكننا أردنا عرضاً موجزاً لبعض هذه الأمثلة للتدليل على كثافة المحاولات التي هدفت الى خداع الفلسطينيين، من اجل خلق الظروف الموائمة لتأسيس دولة الكيان الصهيوني. وعى الفلسطينيون غرض هذه المؤامرات وتعاضدوا على افشالها. فقد ثبت المؤتمر الوطني الفلسطيني الذي انعقد في غزة عام 1948، على ان ارض فلسطين التاريخية وحدة لا تتجزأ. وشدد الميثاق القومي الفلسطيني لمنظمة التحرير برئاسة الشقيري عام 1964 على نفس المبدأ. وفرض الفلسطينيون على القادة العرب اللاءات الثلاثة (لا صلح لا اعتراف لا تفاوض) في المؤتمر الرابع لجامعة الدول العربية في الخرطوم.  واكد الميثاق الوطني الفلسطيني عام 1968 على وحدة ارض فلسطين التاريخية كجزء من الوطن العربي الكبير.

 ما أكبر الفكرة، ما أصغر الدولة

كان النضال الوطني الفلسطيني متمحورا حول فكرة التحرير، تحرير كامل التراب الفلسطيني من البحر الى النهر، ومن الناقورة الى ايلات. ولم تكن فكرة الدولة أولوية، حيث ستأتي بالمحصلة وكنتيجة للتحرير. لذلك سميت منظمة التحرير الفلسطينية، وليس منظمة تأسيس الدولة الفلسطينية. ونلاحظ ان كلمة “تحرير” متضمنة في اسم كل فصيل فلسطيني من الفصائل المنضوية تحت مظلة “م ت ف.”

أدى نجاح “م ت ف” في الحصول على صفة “الممثل الشرعي والوحيد” للشعب الفلسطيني الى رفع المعنويات والتوقعات الفلسطينية والعربية، واعطى املا بأن التحرير قد بات وشيكا. تفاعلت الجماهير الفلسطينية مع هذا الاستحقاق بالانخراط بكثافة في صفوف الثورة، وسخرت طاقاتها وامكانياتها، والكثير من الشهداء، في سبيل هدف تحرير فلسطين تحت راية (م ت ف) بكل حب وطوعية واختيارية. ولكن الانتكاسة اتتها هذه المرة من داخل البيت.

فإرهاصات التراجع والتخلي المتدرج عن البرنامج الوطني، كانت تكمن في المصلحة الطبقية لشريحة من شرائح البرجوازية الفلسطينية. ترعرعت هذه الشريحة في الدول العربية النفطية، وقامت بدعم قيادات حركة “فتح” و “م ت ف” اقتصاديا، فأصبحت نتيجة لثرائها الفاحش مؤثرة في قرارهما السياسي. ووصلت هذه الشريحة الى قناعة بأن تحرير كل فلسطين باستخدام اسلوب الكفاح المسلح والحرب الشعبية طويلة الامد مستحيلاً. وسبب ذلك هو تفوق اسرائيل العسكري والاقتصادي والتكنولوجي، ودعم الغرب اللامحدود لها وخصوصا أمريكا. فلكي تتمكن من الحصول على دولة تسود عليها، يجب القبول بحصة من تسوية سياسية تساوم عليها مع الكيان الصهيوني (المساومة التاريخية). ولكي تحقق هذه الشريحة مصالحها الاقتصادية والسياسية يكون عليها ان ترتبط بمخططات الامبريالية والكيان الصهيوني. فهي اقتنعت بأن جميع أوراق “الحل” تقع بيد أمريكا. فأنحصر كل نشاطها لنيل الرضى الأمريكي لقبولها منظمة التحرير شريكا. فانهمكت آلتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية في الضغط بهذا الاتجاه. وشاركت بهذه العملية جوقة لا بأس بها من السياسيين والأكاديميين والإعلاميين والكتاب والشعراء.

 اما ما دفع البرجوازية الفلسطينية لتبني هذا التوجه فعدة أسباب منها:

      أولا- كان النجاح الاقتصادي الذي حققته البرجوازية الفلسطينية بعد النكبة يثير الاعجاب. فقد راكمت من رؤوس الأموال الشيء الكثير. فمن الأسماء التي لمعت وأصبحت رموزا للبرجوازية الفلسطينية كان طلعت الغصين، وهاني القدومي وعبد المحسن قطان، وهاني ابو السعود وحسيب صباغ، ومحمد كامل عبد الرحمن، وسعيد توفيق خوري. وكان لهؤلاء دورا بارزا في دعم “فتح” و “م ت ف.” وقد لعب كل من حسيب صباغ وعلد المحسن قطان دورا بارزا في دفع عرفات الى الموافقة على الشروط الامريكية لفتح الحوار بينهما. وكان الاثنان من الاعضاء المؤسسيين للمجلس الوطني الفلسطيني، وتبوأ قطان رئاسة المجلس. فعملت البرجوازية الفلسطينية، التي تطمح الى تحويل نفوذها الاقتصادي الى نفوذ سياسي مثل أي برجوازية في العالم، للدخول في مساومة تحقق لها جزء ولو بسيط من الأرض التي احتلتها “اسرائيل”، لتشكل القاعدة التي يمكن لها ان تبني عليها سلطتها وكيانها السياسي الذي ستعمل فيه.

ثانيا- بالرغم من نجاح البرجوازية الفلسطينية الباهر في الدول النفطية، الا انها لم تكن حرة في التصرف بشكل يتوازى مع نجاحها، وكانت تعاني من تزايد القيود علينها. فمثلاً كان على المستثمر “الأجنبي” ان يأخذ معه شريك او كفيل محلي حتى يستطيع العمل والاستثمار ومشاركة الأرباح معه، فطمحوا الى تأسيس دولتهم الخاصة للتخلص من هذه القيود والاعباء.

ثالثا- تطورت البرجوازيات المحلية وأصبحت تنافس شريكتها الفلسطينية التي تزايدت القيود عليها مما وتر العلاقة بينها وبين الدول النفطية المضيفة. وتفاقم التوتر والصراع عند الاحداث والمنعطفات السياسية والاقتصادية كما حصل في احتلال العراق للكويت، وانهيار شركة “الكات” وبنك “انترا” لصاحبيهما اميل البستاني ويوسف بيدس في لبنان. وساد الاعتقاد بين رجال الاعمال الفلسطينيين آنذاك، ان السبب في ذلك الانهيار يعود للتآمر عليهما من قبل البرجوازية اللبنانية، والحكومتين اللبنانية والأمريكية، لكونهما فلسطينيين.

وكانت الجاليات الفلسطينية في دول الخليج والسعودية قد تعرضت الى تسفير وضغط وتقييد نتيجة مواقف “م ت ف” الى جانب صدام حسين عند احتلاله للكويت. فشعر اصحاب رؤوس الأموال الفلسطينيون بعدم الامان والخطر. وتيقنوا انهم أصبحوا في حاجة ماسة الى دولتهم كي تحميهم وتحمي مصالحهم.  وانضمت إليهم لاحقا برجوازية العقار والأراضي في الضفة الغربية، التي كانت تاريخيا تؤيد النظام الهاشمي في الأردن، ولكنها بدورها بدأت تحس بأنها أصبحت مهمشة بعدما باشر الملك حسين في اردنة الاقتصاد وجهاز الدولة، فتحولت الى “م ت ف” وأيدت تأسيس دولة فلسطينية.

ثالثا- تكاثرت بيروقراطية “م ت ف” واغتنت الشريحة المتنفذة فيها. وتم ذلك من خلال تزاوجها مع راس المال الكومبرادوري في الخارج. أخذت هذه الشريحة بالنمو اثناء “دولة الفاكهاني” في لبنان، وتطورت ونضجت في تونس، وتبلورت وصقلت بعد أوسلو. فنظرة بسيطة على مناطق السلطة الآن توضح بما لا يدع مجالاً للشك الترابط العضوي بين الشريحتين.  أصبحت هذه الحقيقة مادة يتداولها الناس فيما بينهم وعلى كل لسان فلسطيني. فلم تعد هناك مساحة فاصلة بين السلطة السياسية ورأس المال. وهو رأس المال يتكدس في بنوك الخارج لا يؤسس لاقتصاد وطني مستقل، ولا ينفصل عن اقتصاد المُستَعمِر، بل يعتمد عليه ويستمد قوته من الاتفاقات المعقودة بينه وبين الاحتلال الصهيوني وفي خدمته. وهؤلاء هم من خطط وتحمس ودافع عن اتفاقيات أوسلو وقنع بالحكم الذاتي حلاً.

كان شعار اوسلوا “انقاذ ما يمكن إنقاذه”، و”سنحولها الى سنغافورة العرب،” هكذا سوقت للناس. نرى الآن على ارض الواقع الزمرة التي استفادت واغتنت، والغالبية العظمى من الجماهير تعيش على الدين وتحويلات الشتات. والتف حول هذه السلطة طبقة اجتماعية مكونة من المستفيدين المتسلقين والانتهازيين وبعض النخب من المثقفين والأكاديميين والإعلاميين، هذا الى جانب شريحة موظفة لدى الأجهزة الأمنية والإدارية تعتمد عليها في معيشتها.

ولتثبيت هذه الوضع، ولكيلا تنتفض الجماهير الجائعة عليه، ضُخت الأموال من الغرب لإعداد عناصر شبابية وتدريبها من خلال المنظمات غير الحكومية لتدجنها وتبعدها عن العمل الجماهيري التحرري، باتجاه عمل “مدني سلمي” مستكين لا قيمة حقيقية له لدى مجتمع يرزح تحت احتلال عسكري استيطاني عنصري. فقراءة لكتاب فرانز فانون “معذبو الارض” يشرح عن هذه العلاقة بين المُستَعمِر والمُستَعمَر والطرق التي يستخدمها الاحتلال للتحكم بالسكان. مع الأسف الشديد، الكثير من كوادر اليسار وقعت في براثن هذا الشرك الخبيث.

وتدرج التنازل السياسي بشكل مبرمج وعلى مراحل. حيث كان السقف السياسي لكل مؤتمر فلسطيني ينحدر عما سبقه. فمثلاً في العام (1969)، رفضت جميع الفصائل الفلسطينية مبادرة “روجرز،” لأنها تجاهلت المناطق الفلسطينية عام (1948) ولأنها كانت ستؤدي للاعتراف بدولة إسرائيل. وفي عام (1972)، اقرت الدورة الثامنة للمجلس الوطني الذي انعقد في القاهرة مشروع الدولة الديمقراطية العلمانية، أي القبول بالوجود اليهودي في فلسطين. وبعد حرب 1973 بعام، تبنى المجلس الوطني الفلسطيني برنامج النقاط العشرة (البرنامج المرحلي) في الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني، والذي صاغته الجبهة الديمقراطية، حيث طرح انشاء سلطة وطنية على أي بقعة محررة من فلسطين. فتح هذا القرار باب المفاوضات والمساومة مع الكيان الصهيوني. رفضت عدة فصائل هذا البرنامج وشكلت “جبهة الرفض” بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لكنها عادت وانضوت تحت هذا الشعار خضوعا لضغط شعار “وحدة الصف الوطني.”

واثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، استعد عرفات للقبول بكافة قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية بما فيهما القرارين 242 و338، اللذين رفضتهما المجالس الوطنية المتعاقبة. وفي عام 1985 عقد اتفاق 11 شباط بين المنظمة والأردن أعلن فيه عرفات التمسك بالشرعية الدولية، وقبول مبدأ الأرض مقابل السلام، والموافقة على مؤتمر دولي تحضره جميع الأطراف. وبنفس العام اعلنت “م ت ف” نبذ “الإرهاب”.  وفي الدورة التاسعة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1988 في الجزائر، تم اعلان الاستقلال والاعتراف الضمني بدولة “إسرائيل،” والقبول بالشروط والمطالب الأمريكية، فتم فتح حوار فلسطيني أمريكي في تونس.  بعدها، في عام ،1991 عقد مؤتمر مدريد بمرجعية راعيي المؤتمر (الولايات المتحدة وروسيا) بدل مرجعية الأمم المتحدة، ودون تمثيل فلسطيني مستقل. ولكن بينما كان المؤتمر ينعقد، كانت هناك مفاوضات سرية موازية تدور بين وفد إسرائيلي واخر فلسطيني. كانت النتيجة اتفاق (أوسلو)، نسبة الى مدينة اوسلو النروجية التي تمت فيها المحادثات. تنازلت “م ت ف” بموجب هذا الاتفاق عن مطالبها السابقة، وتم انشاء سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية بقرار من “م ت ف” عام 1993. وبدأ عهد أوسلو الذي لا نزال نعيش تبعاته حتى الان.

نص اتفاق أوسلو المشؤوم على إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي. واجل ترتيب الوضع النهائي كالقدس وعودة اللاجئين لمفاوضات لاحقة. من اهم بنود الاتفاق كان اعتراف “م ت ف” بدولة “إسرائيل” على 78% من ارض فلسطين، وحقها بالعيش بأمان وسلام ونبذ العنف والكفاح المسلح. كما نص على حذف كل البنود من الميثاق الوطني بما يتعلق بالكفاح المسلح وب “تدمير إسرائيل”. اما “إسرائيل”، فاعترفت فقط بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني. جميع فصائل “م ت ف” انضوت تحت لواء هذا الاتفاق مع ان بعضها لا يزال يمارس الرفض الشفهي له ويبرر ذلك بالتعامل معه كأمر واقع.

كان قرار انشاء سلطة الحكم الذاتي بعد اتفاقية أوسلو بمثابة عملية تحنيط لمنظمة التحرير الفلسطينية التي جوفت مؤسساتها واطرها تدريجياً بشكل مبرمج، وأخذت المؤسسات الجديدة للسلطة تبتلع دوائر المنظمة واحدة بعد الأخرى. وبدأ دورها بالانحسار وأصبحت سلطة الحكم الذاتي هي المرجعية الدولية بدلاً عنها.  بحيث عُمِلَ على تغيب مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية عن العمل والظهور ولم يبق منها إلا القشرة والاسم، وقُلِّصت ميزانيتها حتى باتت كالشبح لا ترى ولا تسمع. ها قد مضى واحد وثلاثون عاما على وثيقة الاستقلال التي نحتفل بها كل عام ولم نحققها، وربع قرن على اتفاق أوسلو والوضع يزداد سوءاً.

أين نحن وماذا نفعل؟

لا أحد يملك وصفة الشفاء بشكل فردي. ولكن الفصائل المعارضة ضمن منظمة التحرير الفلسطينية التي دخلت لعبة أوسلو لم تعط أي حل، وأصبحت هامشية فيما يختص بالقرار السياسي، وتقوم بالتحرك ضمن هامش الصراع بين حركة “فتح” المهيمنة على سلطة الحكم الذاتي وحركة “حماس” المسيطرة على قطاع غزة المفصول عن الضفة الغربية. شكل الصراع بين “فتح” و”حماس” ثنائية سلطوية باءت تشكل عبئا على الشعب الفلسطيني. وأصبحت القضايا التي تتصارع عليها الحركتين عدمية لا تغني عن جوع. فتارة تشغل الساحة قضية الصلح بينهما وانضواء “حماس” ضمن إطار “م ت ف” كما نص اتفاق القاهرة الذي لم ينفذ منه شيء. او تبرز بين فترة واخرى قضية الانتخابات التي لا معنى لها ابدا. ولكننا معا نعرف الخطوط العامة للحل ويعرفها كل فلسطيني وطني مخلص.

 فالحل اليتيم الذي تقدمه الفصائل المعارضة يتمثل باجترار معزوفة شعار “الوحدة الوطنية،” وإعادة إحياء اطر منظمة التحرير وتفعيلها، وانضواء الجميع تحت لوائها. هذا لا يشكل حلا بل مدخلاً للاعتراف بكافة الاتفاقات التي وقعتها المنظمة مع “إسرائيل،” والتي لم تلتزم “إسرائيل” بها وتم خرقها ورفضها وتجاوزها. وإذا حدث الصلح والانضواء ضمن إطار “م ت ف” الحالية فسيكون ذلك كارثيا. لإن ذلك يعني انتصاراً للبرنامج الذي اوصلنا الى ما نحن عليه الآن. منظمة التحرير الفلسطينية الحالية لم تعد لها شرعية، فقد تم نسف الأسس والمرتكزات التي قامت عليها منت الداخل، فأصبحت بدون حق عودة للاجئين، وبميثاقٍ معدل لا يسمح باي حديث عن أي مقاومة تذكر للاحتلال، او الحلم بالقدس كعاصمة لدولة فلسطين المستقلة. هذا يعني القبول بالحكم الذاتي ضمن إسرائيل الكبرى والاستكانة والخضوع التام للإملاءات الإسرائيلية، والتخلي عن فلسطين وفرض التوطين على جماهير الشتات.

بهذا يكون الجزء الاول من الحلم الاستراتيجي الصهيوني في اجتثاث الهوية والوجود الفلسطيني من التاريخ كما حصل للسكان الأصليين في كل من أمريكا وأستراليا قد تحقق. وما تبقى لنا من عيش على ارض فلسطين، ان نصبح أقلية عربية تشكل مخزونا للأيدي العاملة الرخيصة. ثم يليه الجزء الثاني من الحلم الصهيوني وهو السيطرة على ثروات ومقدرات العالم العربي برمته. ها نحن قد بدأنا نرى تباشير هذا الحلم متمثلاً بهرولة الدول العربية الى التطبيع مع الكيان الصهيوني دون خجل او مواربة. ومن يدري ربما يكون هناك جزء ثالث للحلم الصهيوني يتناول العالم الإسلامي كله وتحقيق الإمبراطورية الصهيونية.

لا يوجد شيء خالد للأبد

مخطط الغاء منظمة التحرير واحلال سلطة الحكم الذاتي مكانها بات في حكم المنتهي. والمحاولات لإعادة الروح لهذا الجسم الميت قد بات عبثيا ومضيعة للوقت وهدر لتضحيات الشعب الفلسطيني.  فعلى مر العصور قام الشعب الفلسطيني بالتخلي عن الاطر القيادية التي فشلت في تحقيق ما نشئت من اجله. فقد تخلى عن الهيئة العربية العليا برئاسة الحاج امين الحسيني عندما لم تنجح في دحر العصابات الصهيونية. وبادر بالتخلي عن حكومة عموم فلسطين لفشلها في مقاومة ضم الضفة الغربية الى الأردن واسترداد قطاع غزة من الإدارة المصرية.  فهل حان الأوان للتخلي عن “م ت ف”؟ هل حان الوقت للعمل على تأسيس الياتٍ أخرى؟

لا يوجد شيء خالد للأبد، ولا يوجد شيء مقدس على هذه الأرض مثل الوطن. لذلك أصبحنا بحاجة الى آلية جديدة تؤسس لبرنامج يؤكد الثوابت والحقوق الوطنية من تحرير وعودة وتقرير مصير. آلية تتبنى المقاومة كنمط حياة. آلية نضالية شاملة لجميع النواحي السياسية والجماهيرية والثقافية والفنية والاقتصادية والعسكرية والتنظيمية والعلمية والدبلوماسية وغيرها. آلية تتفاعل مع الواقع الفلسطيني والعربي والعالمي الجديد وتتحرك في ثناياه بذكاء وعلمية، تحدد معسكر الاعداء من الأصدقاء بدقة، وتصيغ التحالفات المبدئية بما يخدم الأهداف الوطنية الاستراتيجية. آلية تعمل على استنهاض النفس المقاوم، والحوز على ثقة الجماهير، وبرمجة عزل طرق الاحتلال التحكمية وتفكيكها بدلاً من التعاون والتنسيق معها. ان الحقيقة الاكيدة هو ان الواقع يقول ان الصيغ القديمة قد سقطت ولم تعد تنفع، وان غالبية الشعب الفلسطيني قد أصبحت مستعدة لدعم من يجرؤ على طرح بديل يحوز على ثقتها، ويدافع عن مصالحها وامالهما وطموحاتها بصيغ جاذبة تنتج بناء جديد.

كاتب وناشط فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

14 تعليقات

  1. تحليل عميق لما وصلت اليه الحالة في فلسطين بعد اوسلو وتسلسل قيم لبدايات المقاومة الفلسطينية ومواقف الشعب الفلسطيني منذ القرن التاسع عشر! شكراً ميشيل على وضع كل هذا في صفحات معدودة!

  2. سررت لعودة زميل الدراسه والمناضل النقابي ميشيل شحاده للكتابه من جديد . المقال نوعي وسردي ونحتاج للكثير من نوعية هذه المقالات ليس فقط لتحمل وجهة نظر بل توثيقها بالخقائق التي لم يشهدها هذا الجيل وذلك من أجل التواصل وتراكم الوعي .إن العبارة التي وردت في المقال وتحمل في أحشائها من وجهه نظري معاني عميقه وأتمنى أن يعي لها الكثير من شعبنا هي (…. ضُخت الأموال من الغرب لإعداد عناصر شبابية وتدريبها من خلال المنظمات غير الحكومية لتدجنها وتبعدها عن العمل الجماهيري التحرري، باتجاه عمل “مدني سلمي” مستكين لا قيمة حقيقية له لدى مجتمع يرزح تحت احتلال عسكري استيطاني عنصري).
    كلمة مستكين …( مفرده عميقه تنعت مرحلة أوسلو ورموزها
    دمت لنا وللحقيقة وحظاً سعيداً في مقالات قادمه والى لقاء.

  3. مقال شامل موضوعي علمي بعيدا عن المزايدات والمهاترات . سرد المقال تاريخ التحدي والنضال الفلسطيني ورفض الاحتلال والتنازل عن الأرض من قبل غالبيه الشعب الفلسطيني منذ البدايته ولغايه هذا التاريخ . لقد أوضح المقال أن اكتشاف من يتلاعب بالقضيه الفلسطينيه للأسف يتم بعد فوات الآوان ، كما في منظمه التحرير الفلسطينيه وحركه فتح ونشأه حماس والأستسلامات التي قدموها مجانا دون أي مقابل في جميع المناسبات ، كما فعل أصحاب كامب ديفيد واوسلو وغيرها من أجل الحصول على لقب رئيس ولم يكن عند اسرائيل مشكله في منحهم ذلك ووافقوا عليه “اللقب فقط” . ومنذ ذلك الحين والأمور تسير من سيء الى أسوء ، لكن العامل الأيجابي في الموضوع ، هو أنه لم تتمكن اسرائيل وقوى الغرب والشرق ومعهم العرب من انهاء وشطب الشعب الفلسطيني كما كان المخطط ، هناك أكثر من ثلاثه عشر مليون فلسطيني لا زالوا موجودين في أنحاء العالم معظمهم من غير الطبقه السياسه أو الموالين لها ، أكثر من نصفهم يعيشون ما بين النهر والبحر متحدين الأحتلال رغم القهر والأضطهاد والإعتقال والقتل والطرد ، لقد حيروا المحتل بصمودهم وعنادهم ولا زالوا يشكلون أكبر ازعاج لدوله اسرائيل الديمقرطيه ؟؟ !! ، اضافه الى أن الأرض باقيه والوطن باقي كما ورد في المقال . التخوف الوحيد أن تتحول تلك الملايين الى طبقه عمال وخدم للمحتل ، أي حمالي حطب وسقائي مياه كما ورد في العهد القديم ، لكن هذا لم يتم لغايه هذا التاريخ كما نرى على أرض الواقع .

  4. اول شيء تحياتي للأخ ميشيل كاتب المقال. عنوان المقال اعجبني كثيرا ومنه يمكنك تصور الحالة التي وصلنا اليها. يسلم قلمك وأدامك الله ذخرا للوطن
    الكارثة التي تحققت هي كارثة اوسلو ومفرزاتها. قد تكون اسواء من نكبة ٤٨ لان المنظمة اعترف بالكيان الصهيوني الغاصب على ٧٨٪؜ مِن فلسطين التاريخية مقابل اعتراف الصهاينة بما تسمى الان منظمة التحرير والجميع يعرف الباقي وما وصلنا اليه من كوارث ومن اوصلنا لكارثة بعد كارثة.
    الانقسام الفلسطيني أضر بالقضية الفلسطينية وهناك من هو مستفيد من هذا الانقسام للاسف.
    المفاوضات كانت كارثية وتم استخدامها من قبل الصهاينة كغطاء للتوسع الاستعماري في الضفة الغربية
    السلطة كارثة حلت بقضيتنا عليها مغادرة المشهد
    القبضة الامنية في الضفة سواء من الاحتلال ام من السلطة كبل أيدي المقاومة
    الحل على السلطة وقيادتها الرحيل وعلى شعبنا استلام زمام المبادرة ويتدبر أمره.

  5. تحليل تاريخي و طبقي مهم لصيرورة استسلام م ت ف للبرنامج الصهيوني و الامريكي و افساد مفاهيم النضال التحرري من قبل الطبقة البرجوازية المتنفذة الحاكمة للدولة المسخ. هكذا افرزت منظمة التحرير عصابة اوسلو التي يترأسها محمود عباس و يدافع عنها “كبير المفاوضون” صائب عريقات.

  6. مقال وافي. و اهم من السرد التاريخي للوقائع انه هناك طرح للنظر و التفكير و العمل للأمام و ليس اعادة احياء ما قد يكون ميت.

  7. هذا السرد ياخذ اهميته من الحقائق والوقائع التي ذكرها الكاتب، ولكن السؤال الذي يبقى مطروحا هو: ما العمل؟ سبل الخروج او مواجهته؟ ايجاد قيادة بديلة حريصة متمسكة بالثوابت ولا تساوم عليها ابدا ولا تطرح او توافق على مبادرات تمس او تقترب من الثوابت الفلسطينية مطلوبة اكثر من اي مرحلة اخرى مرت بها القضية الفلسطينية، باعتبار قيادة المرحلة اخطر بكثير من قيادات المراحل السابقة، باعتبارها جزءا وطرفا اساسيا متامرا لتصفية القضية.

  8. مقال ابداعي وأفكار عميقة جريئة بحاجة لأن نسمعها منذ زمان طويل …..كل التقدير والاحترام لشخصك الكريم وأفكارك الحرة وحذار من التوقف عن كتابة هذه المقالات التنويرية .

  9. يعطيك العافية ، مقال هام وضروري اليوم اكثر من اي وقت . مهم جدا ان تعرف الناس وخاصة الاجيال الجديدة اكثر عن تاريخنا وكيف تطورت سلبا مجمل القضية و المواقف الفلسطينية ولماذا.. نريد المزيد من هذا التحليل العلمي. مطلوب ورشة وطنية للحوار المنتج والحقيقي للخروج من ازمة داخلية باتت تخنق شعبنا وتشكل الى جانب الاحتلال عبئا اضافيا عليه..

  10. أنا أتابع مقالات الأستاذ ميشيل شحادة، وتحليلاته دقيقة كالعادة.
    هذا المقال بحد الذات يضع النقط فوق الحروف.

  11. المقال شرح الوضع الراهن بما هو عليه…..
    الشيء اللذي يحزن هو ان دول الجوار تفكر بأنها مؤمنه نفسها على البقاء. ولكن الحقيقة انشاء الله ما تنسى ان الحلم الصهيوني هو ( من النيل الى الفرات ). تطبيق هذا الحلم يأتي على مراحل، والآن بدءو بتطبيق المرحلة الثلاثه، وهي الإعلان الاحادي بان المستوطنات شرعيه. عن وقت قريب، سيعلنو بان الضفة الغربية هى جزء من “اسرائيل “. والباقي ات، لان الحبل على الجرار، اللا اذا شعبنا “واخواننا” العرب بيصحو عن الكابوس الذي هم فيه !!!

  12. هل الوطن او ما يؤسسه من يطالب بتحرير “الوطن” من هياكل هو المخلد يجب يناقش بتعمق وهدوء إذا ما كنا حقاً صادقين مع أنفسنا ومخلصين لفكره تحرير وطن نراه يتقلص شبراً شبراً أمام اعيننا ونعبر عن عجزنا باتجاهه بكلمه هنا ومظاهره هناك. اشكر الكاتب على جرأته في الكتابه عن موضوع اعتبره الكثير من شعبنا من المحرمات فقط لانهم لم يفكروا بعقلانيه في معنى موقفهم هذا وتأثيره على مستقبل فلسطين وآلامه.

  13. تحليل متكامل ووافي عن تاريخ شعب ناضل من اجل الاستقلال وتقرير المصير وفي كل مرة قدم التضحيات والثمن الغالي كان يحبط مساعيه في تحقيق الاستقلال والتحرير سواء من تكالب قوى الخارج عليه او العوامل الداخلية المتعلقة فيه من تركيبته وحركته الوطنية ومصالح الطبقات البرجوازية والكمبرادورية التي كانت جزء لا يتجزء من مصالح الاستعمار داخل الحركة الوطنية الفلسطينية التي ادى في النهاية الى السقوط في مستنقع اوسلو وتبعاتها حتى كتابة هذه السطور ، نعم لقد حان الطلاق وبداية جديدا يحمي شعبنا ومصالحه الوطنية حتى يتحقق العودة وتحرير كل التراب الوطني الفلسطيني، ويتم هزيمة المشروع الصهيوني في فلسطين والوطن العربي والاطاحة بكل مخططات الاستعمار منذ اتفاقية سايكس بيكو حتى اليوم ، دامت كتاباتك الملهمة لنا ، وشكرا لك با ابن فلسطين البار الاستاذ ميشيل شحادة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here