ميشيل شحادة: دوام الحال من المحال

 

 

ميشيل شحادة

شهد التاريخ قيام إمبراطوريات عظمى، وشهد أيضا انحلالها واضمحلالها وتفككها. فهل نحن اليوم نعيش مشهدا مماثلا لأفول هيمنة الإمبراطورية الأميركية التي تزعمت العالم ما بعد القرن العشرين؟

تدرج افول الامبراطوريات العظيمة على مدى حدده زمن تواجد الإمبراطورية وطبيعتها. فإذا تتبعنا مسيرة الحضارات الكبيرة في الحقب التاريخية من بلاد الرافدين، ووادي النيل، والحضارة الصينية، واليابانية، والهندية، والفارسية، والفينيقية في الشرق الى الحضارات الإغريقية، الرومانية، والأوروبية الحديثة في الغرب، نجدها جميعها قد تصاعدت إلى القمة، ثم تدحرجت وانهارت لأسباب عديدة.

فعلى سبيل المثال، امتد اضمحلال وتفتت الإمبراطورية الرومانية الى ثلاث قرون على الأقل. ويرجح المؤرخون أسباب السقوط الى فساد المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية، بالإضافة الى فساد المؤسسات الاجتماعية وعدم كفاءة الحكام. اما الحدث المباشر الذي أدى الى النهاية فكان اجتياح القبائل الجرمانية البربرية بقيادة أودواكر، والتي احتلت روما وحطمت الجناح الغربي للإمبراطورية عام 476 ميلادي. وتم انهاء الجناح الشرقي للإمبراطورية على يد العثمانيين عام 1453 ميلادي.

اما الإمبراطورية البريطانية، التي توسعت في إفريقيا وآسيا والامريكيتين. فقد بدأت بالتخلخل منذ خسارتها “للمستعمرات الامريكية” حتى فترة ما بين الحربين العالميتين. بحيث ثارت شعوب عديدة عليها من اجل التحرر الوطني والمطالبة بجلاء الاستعمار البريطاني عنها. وكان “العدوان الثلاثي» على مصر، هو الحدث المباشر، الذي أعلن انتهاء الامبراطورية البريطانية لصالح هيمنة جديدة صاعدة هي الولايات المتحدة الأمريكية، سليلها الشرعي، بحيث ارتقت لتصبح أحد قطبي زعامة العالم أمام غريمها، الاتحاد السوفييتي.

استندت الهيمنة الامريكية الصاعدة على القوتين الناعمة والعسكرية للسيطرة. فلم تحتل الأرض بشكل مباشر، لكنها احكمت السيطرة بالاعتماد على سردية تدعي ان أمريكا تتزعم عالما تبنى اركانه على دعائم من الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، وحق تقرير الشعوب لمصيرها. وانطلت الحيلة على عالم يتوق للحرية من الاستعمار القديم. كما صاحب السردية حملة ناجحة لشيطنة الاشتراكية والاتحاد السوفياتي، الذي فشل بدوره بتقديم نموذج بديل ناجح. فتمكنت الولايات المتحدة بذلك من السيطرة على عقول وقلوب وثروات الكوكب.

سخَّرت السردية الامريكية أدوات إعلامية ضخمة لم يشهدها التاريخ، صاغت بواسطتها البنية الفوقية للعالم من ثقافة وفنون وذوق وموضة اللباس ومناهج تعليم الكبار والصغار، من خلال هوليوود، ومصانع الجينز والبيبسي كولا، وجوائز نوبل، والاوسكار، ومؤسسات “حقوق الانسان.” حتى الاكل الوطني اخذته واعادت انتاجه وتعليبه وباعته لمنشئه الوطني بحلته الامريكية الجديدة. وأصبح العالم يرى نفسه بعيون أمريكية، وذلك في أكبر عملية قتل وذبح للتنوع الثقافي الحضاري العالمي في التاريخ، وخلق عالم احادي الشكل والمثال الامريكيين. وفي عصرنا الحديث تسيطر الامبراطورية على عناصر وأسباب التكنولوجيا والمعلومات والنظام المالي. فتمت السيطرة الروحية والمادية المطلقة.

  في فترة الحرب الباردة، نجحت الولايات المتحدة بجعل أوروبا تعتمد عليها اقتصاديا عن طريق تقديم المساعدات الاقتصادية (مشروع مارشال). وأرسلت قواتها العسكرية هناك عن طريق إقامة تحالف الناتو لتصبح أوروبا شريكا صغيرا لها. كما أقامت الولايات المتحدة علاقات للتحالفات العسكرية مع كل من استراليا ونيوزيلندا وجمهورية كوريا واليابان والفليبين. ثم تنازعت الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي على مناطق النفوذ في العالم النامي، ومن ضمنها الشرق الأوسط، حيث دعمت “إسرائيل” بشكل غير محدود لإبقاء الشرق الاوسط ضعيفا مشتتا وخاضعا. انتهت الحرب الباردة مع انحلال الاتحاد السوفياتي.

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، أصبحت نظرة المحافظين الجدد بتأسيس القرن الأمريكي هي خارطة طريق الإمبراطورية. اعتقد المحافظون الجدد أن إقامة الإمبراطورية الأمريكية اضحى مسؤولية حتمية، وحقاً مطلقاً للولايات المتحدة، التي انتصرت في الحرب الباردة، وباتت تشكل نهاية التاريخ والزعامة السرمدية للحضارة الإنسانية. ومن يعترض، تخضعه القوة العسكرية الامريكية الساحقة. فاشتد الاستبداد الأمريكي يوما بعد يوم وتعمق.

بعد فشل مشروع المحافظون الجدد في العراق وأفغانستان، بدأت بعض الأصوات والتحليلات تتحدث عن انهيار أمريكي قادم على لسان كتَّابٌ لهم وزنهم العالمي مثل بول كينيدي، في كتابه “نهوض وسقوط القوى العظمى،” والمحللان الاقتصاديان هاري فيجي وجيرالد سوانسون، في كتابهما “سقوط أمريكا قادم فمن يوقفه،” وكذلك رونالد هوايت، في كتابه “صعود وهبوط أمريكا كقوة عظمى،” وبريجنسكي، في كتابه “خارج نطاق السيطرة أو الانفلات،” والبروفيسور الفرنسي روجيه غارودي، في كتابه “أمريكا طليعة الانحطاط،” والخبير الفرنسي إيمانويل تود، في كتابه “ما بعد الإمبراطورية؟،” وتراجع فوكايوما عن نظريته في انتهاء التاريخ واعترافه بخطئها.

كانت الحروب الاستباقية الطائشة التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية بداية لانهيارها، بدءا من مستنقعي العراق وأفغانستان، اللذان لا تزال تتخبط بهما، وتفشل من الخروج منهما مرفوعة الرأس، إلى الحروب المفتعلة الاخرى مع إيران وسوريا واليمن وكوريا الشمالية، وليبيا التي باءت جميعها بالفشل. كما ساهم فشلها في القضاء على المقاومة اللبنانية والفلسطينية في تعميق أزمتها وتراجعها، الى جانب كل السياسات الطائشة للرئيس ترمب التي أضعفت حلفاء امريكا بدل اضعاف اعدائها.

يقودنا كل ذلك الى جائحة كورونا التي جعلت المُسَمِّم يتذوق سمَّه، وكشفت للشعوب زيف هذا النمر الورقي وضعفه وكذب ادعاءاته. كما كشفت بشكل فاضح وحشية النظام الرأسمالي الذي لا يهتم بالحياة الإنسانية بل يهمه فقط الربح وحماية مصالح ال 1% من الأغنياء الذين يستخدمون الإنسانية وقودا لإنانيتهم. هذه الأقلية الرأسمالية تسعى الى احكام السيطرة التامة على مصادر وثروات الكرة الأرضية بشكل تام حيث تعتبر انها تمتلك الارض بصك الهي.

كشفت جائحة الكورونا ان الولايات المتحدة ليست مؤهلة لقيادة العالم، ولا تصلح لإعادة رسم خرائطه وحدوده من جديد بعد التغلب على كورونا. كما لا يرغب العالم بإعادة إنتاج هذه القوة الظالمة، وإطالة عمر الإمبراطورية المتوحشة. وان كان الواقع الدولي في المدى المنظور لا يحتوي على قوة أخرى بديلة او قادرة على احتلال موقع الولايات المتحدة المتفرد في الزعامة.  ولا يريد أحد هذا. لو سألت الصين إذا كانت هي القوى المرشحة، او انها راغبة في هذه الموقع لكانت الإجابة، بأن لا أحد يقدر على ذلك او يريد ذلك في الوقت الحالي. ما تريده الصين وروسيا، كما يصرحون كل يوم، هو ان تتخلى أمريكا عن التفرد في العالم بشكل احادي، والسماح بتعدد القطبية. لان ذلك باعتقادهم يؤسس لعالم متوازن يخدم الاستقرار والأمان بشكل أفضل، ويعمل على تحقيق التعاون والرفاهية للبشر.

ارهاصات هذه العملية تتمخض الان. ولكن العامل المهم هو ما الذي ستفعله الولايات المتحدة الأميركية بقوتها وامكانياتها العظيمة، وما هو العالم الذي تريده؟ فالاحتمال الأول، ان تستمر أمريكا في تصرفاتها وإستراتيجياتها وأدائها المعادي للإنسانية. وان تواصل التصرف بنفس الوحشية والقساوة من تشديد العقوبات على إيران وفنزويلا في خضم صراعهما مع الفيروس القاتل، وحاجتهما للمساعدات الإنسانية. وهذا التوجه الإمبراطوري المتوحش سيزيد العالم توترا وعنفا، ويزيد من الكراهية لأمريكا في شتى انحاء المعمورة بما فيها أوروبا. هذه التصرفات هي التي ستقصر من حلم امريكا الإمبراطوري وتنهيه.

واما ان تنتصر القوى العاقلة في المجتمع الأمريكي، وهي قوى موجودة مؤثرة. بحيث يؤدي ذلك إلى مزيد من العقلانية والتوازن مع قوى العالم المختلفة سواء في أوربا أو في الشرق الأوسط أو الشرق الأقصى. وعلى هذا الاحتمال، تختفي الضربات الاستباقية، ويستعيد التنظيم العالمي عافيته، وتعود منظمة الأمم المتحدة لتؤدي وظيفتها الحقيقية في المجتمع الدولي، وتخرج عن كونها مجرد أداة في يد أمريكا. ولا تبقى أمريكا شاردة بعيدة عن الاتفاقيات الدولية، التي توصل لها العالم من أجل تخفيف حدة التوتر، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الدولية.

في كلا الاحتمالين لابد للإمبراطورية ان تنتهي. حيث ان الطريق الاول سيؤدي إلى سقوط الإمبراطورية نتيجة لاستمرار التصادم مع العالم استنزافه ومعاملته بعدائية واستكبار. وسيؤدي الطريق الآخر إلى انصهار الإمبراطورية لتصبح قطبا اخر من أقطاب عديدة. إن أسوأ الإمبراطوريات في التاريخ البشري كانت تلك التي جمعت بين القوة العسكرية وضعف العقل. وفي حقبة ترمب اجتمع الاثنان مما وضع الولايات المتحدة على حفة هاوية الاضمحلال، وربما التفكك والانحلال بسبب خياراته الكارثية.

 وبينما يقوم العالم بمحاولة الضغط باتجاه ان تشارك أمريكا في قيادة العالم كقطب مع اقطاب أخرى، نساهم نحن العرب والمسلمين بدفعها الى خيار الوحشية من خلال تقديم المساعدة لها بحرب طائفية غير محسوبة العواقب واستعمال ثرواتنا كطوق نجاة، وفي مساعدتها في تضييق الخناق على إيران ليصفو الجو لإسرائيل، قاعدتها الامامية في منطقتنا، لتصبح دولة إقليمية قوية مهيمنة.

يتفق الجميع على ان كورونا تشكل نقطة تحول في مسار التاريخ. وان العالم لا يزال في باكورة تشكل وضع جديد يفرز انظمته المختلفة. والمنتصرون على جائحة كورونا سيكتبون التاريخ كما صرح رئيس معهد بروكنجز، جون الين. والاتجاه يسير نحو تخفيف الهيمنة الامريكية، وخصوصا في أوروبا، وتحول السلطة من الغرب الى الشرق في ظل صعود الصين وثبات روسيا وحضور كل من إيران وكوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا وتعافي سوريا والعراق، وتأزم في الأنظمة الرجعية العربية، وتراجع الكيان الصهيوني وتقدم للمقاومة. التغيير قد بدأ ولكنه سيأخذ عقوداً لإتمامه.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. مقاربة عميقة تحليلية لنشؤ وسقوط الحضارات عبر التاريخ… وفيهاعبر واستشراف المستقبل!.

  2. تحليل وسرد مفصل لمسيره الإمبراطوريات الباىده، ولكن ما يميز الإمبراطورية الأمريكيه عن سابقاتها هي في نظري تطور العقل الإنساني فيها بدرجه لم يسبق لها مثيل الأمر الذي خلق طفره علميه وتقنيه حصلت مره واحده قبل هذه ولكن كانت بشكل اكثر تواضعاً، عند ازدهار العلم في زمن الدوله الإسلاميةعده قرون مضت، حيث قفز التطور الإنساني فيها لدرجه لم يكن لها مثيل آنذاك عندما أخذت العلوم بأغلبها تتقدم وتتطور ويتقدم ويتطور معها الإنسان. الكل يرى مدى ندره استفاده العرب من تلك الحقبة وايضاً كيف كانت تلك الحقبة نفسها ما أسس لما وصلت له الإنسانية الان من تطور. ما يميز الإمبراطورية الأمريكية عن سابقاتها هي قدرتها على ممارسه الفاشيه بشكل لم يسبق له مثيل رادعه بجبروتها العسكري والمالي والتكنولوجي كل من يقف أمامها. هذا الجبروت الفاشي ادى الى جذب عقول العالم كله اليها مما أعطى هذه الإمبراطورية دعم وترشيد إمكانيات هذه العقول مما ادى الى خلق ما وصلت اليه الان من تطور وقوه. ما يحدث الان في زمن فيروس الكورونا هذا هو الكشف السافر لإمبراطوريه لم تخطط ولم تبن لمثل هذه الحرب الكونيه مع علمها وتحذير علماؤها بانها قادمه وأنه إذا ما بدأت ولم تكن الإمبراطورية مهياءه لها فانها ستكشف عجز هذه الإمبراطورية ( نمر من ورق)، مما سيسرع من سقوطها السريع خصوصا ان الصين والهند وروسيا يتربصون بها ولا بد انهم وبتفاوت سيبدءوا بنهش جسدها المريض . هذه النتيجة الحتمية لهذه الإمبراطورية التي لم تخلق الا اعداء لها في ال٣٥٠ عاماً التي عاشتها ولهذا فتحتميه السقوط بلا شك آتيه ولكن لا اظن انها ستأخذ فتره عقود كثيره خصوصاً ان الضربة التي تلقتها من فيروس الكورونا أتت بسرعه أدت بأشهر قليله ان تكسر اقدام هذه الإمبراطورية وتكسحها وتسلب منها المناعة التي هي بالح الحاجه لها لمواجهه الجانحة القادمة والتي لا شك قادمه وربما قريباً .

  3. شكرا يا أستاذ ميشيل على مداخلتك القيمة وخاصة لكل من كان يتوقع سقوط امريكا وانتقال الحضارة الانسانية وقيادة العالم من الغرب للشرق بسبب الكورونا كونه هو المفصل الأساسي، رغم ان ما يلوح في الأفق ان الامبراطورية الامريكية لا زالت القوة العسكرية الاولى في العالم وبميزانية عشرات أضعاف الصين والأقطاب الاخرى ، ولا زال هذا العامل يلعب لصالح الامبراطورية الامريكية وتراهن عليه في المرحلة القادمة رغم ان الجميع يدرك جيدا ان ميزانية الدفاع يحتاج الى اقتصاد، والاقتصاد الامريكي وعجز ميزانيتها سيزيد من تراجع قوتها العسكرية العالمية واعتمادها الأساسي لبقاء إمبراطوريتها المهيمنة، ولا اعتقد ان الوقت قد حان لتراجع القدرة العسكرية الامريكية والتكنولوجية لان العاملين يحتاجون الى اقتصاد ، رغم ان اقتصاد العالم قد تحول الى الشرق بقيادة الصين الا ان الصين تدرك ان لا زال بعض الأوراق وخصوصًا القوة العسكرية للإمبراطورية يحتاج لمزيدا من الوقت والسلم العالمي كي ينتقل قيادة العالم الى الشرق او تعدد الأقطاب !

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here