ميشيل شحادة: انحدار الإمبراطورية الامريكية فرصة تاريخية

 

ميشيل شحادة

لا شك ان ارتفاع دول جديدة قوية مثل الصين اقتصاديا وروسيا عسكريا يشكل تحديا مباشرا للنظام الجيوسياسي العالمي السائد الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة، التي تواجهه هذا السياق بشراسة فائقة مستعملة طاقاتها الهائلة لتحمي تزعمها للعالم. فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وفيما أصبح يسمى بـ “اللحظة الأحادية القطبية،” اعتنقت الولايات المتحدة مقولة انها باتت القوة الاعظم في الكون، فالتاريخ بالنسبة لها قد انتهى، وإنها أصبحت قادرة على تأسيس هيمنة عالمية ابدية دون منازع. فتربعت على العرش تنهب وتأمر وتعاقب كل من يخالفها. ولا يجرؤ أحدا، حتى من نخبها وقياداتها، على التصور، ولو للحظة عابرة، على ان هذه الحقبة تسير قدما نحو الافول، وان عالم تعدد الأقطاب، او القطب الصيني الأعظم، بات يدق على الأبواب.

وفي هذا الاثناء، تمكنت دول إقليمية كالهند والبرازيل وتركيا وإيران من التسلل عبر الثغرات التي فتحتها المنافسة بين الكبار، فأخذت بالاستعداد والعمل الدؤوب والتقدم نحو الاستقلال والازدهار، كُل بأسلوبه وبموجب أهدافه وطموحاته وخياراته الوطنية. ومما زاد من طين بلة الامبريالية الامريكية، ان البعض من هذه الدول اخذت تقاوم عنجهية واستكبار الأمريكان وجه لوجه كإيران وكوريا الشمالية وفنزويلا، ومع انهم يعانون وشعوبهم الكثير من جراء ذلك ولكنهم يصبرون ولا يخضعون في سبيل كرامتهم ومجدهم الوطنيين.

ويعطي الارتقاء الواضح لهذه الدول إحساسا عالميا بانهيار منطق الإمبراطورية الامريكية الذي أصبح متعارضا مع حركة التاريخ. ومما ادى الى هذه النتيجة ليس فقط التقدم الطبيعي للدول التي تتحدى هيمنة الولايات المتحدة، ولكن ايضا الذنوب الطائلة التي لا تغتفر لسياستها الخارجية في العقود الثلاثة الماضية، سياسة من الحروب والعدوان العسكري والاقتصادي الخاسرة التي لم يكن لزاما لها، حيث خاضتها وفرضتها الولايات المتحدة على شعوب العالم اجمع. ولكن بنفس الوقت، اثرت التكلفة العالية المهدرة لهذه الحروب على النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الأمريكي وانهكته. اما الدمار والقتل والتعذيب والنهب الذي أحدثته هذه السياسة بضحاياها فحدث بلا حرج، فالتاريخ قد دونها بدقة ولم يعد إخفاؤها ممكنا. فطفح الكيل وبلغ السيل الزبى من هذا الظلم، وطفا مخزون الغضب والبغض الشعبي العالمي لدى ضحايا سياسات الولايات المتحدة الخارجية الى السطح، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط. وايقنت الشعوب بآن الوقت قد حان لوضع حد للهيمنة الامبريالية المقيتة لأوطاننا العربية، وفي القلب منها قضية فلسطين، القضية الام. وأول الغيث يكون بالعمل على تنفيذ شعار “اخراج أمريكا من المنطقة”.

وحتى لا ترمي الملامة كاملة على كاهل الإمبريالية، والتنصل من المسئولية الذاتية، علينا الاعتراف بان نطاق العجز والتلكؤ الذين طالا الدول العربية بإهراقها مثل هذه الفرص التاريخية السانحة للتموضع ضمن الحركة السياسية العالمية، لا يمكن تفسيرها الا بالفشل القيادي المهترئ على جميع المستويات من سلطات ومعارضة وأحزاب بيمينيها ووسطها ويسارها. فالحديث عن التقصير المميت للدول العربية في العمل على التقدم باتجاه الاستقلال والاكتفاء والازدهار لشعوبها يحتاج الى كتب لشرحه. ولا تجنى أي فائدة من الكلام عن الأنظمة البائسة في شبه الجزيرة العربية، فهي قد اخرجت من هذه المعادلة كليا، ولم يعد يجدي اي شيء بخصوصها سوى استئصالها. ولكن الحسرة والالم الكثيف يأتيان من صوب جمهورية مصر العربية، ام الدنيا وامل العرب، ومن صوب فلسطين المنكوبة، قضية العرب المركزية في التحرر، وقضية العالم اجمع في العدالة والحرية والسلام.

فالإخفاق الفلسطيني في رصد المتغيرات والمستجدات والتداعيات الناتجة عن الصراع العالمي، وهو الذي من المفروض ان يكون قد نال قسطا من الخبرات والتجارب السياسية بعد أكثر من مئة عام على النضال بقدر لا يستهان به.  فالعجز عن نسج التحالفات الصائبة التي تسانده وتساعده على المقاومة وهزيمة الهجمات الفاشية الصهيونية على وجوده لهو كارثه وطنية تاريخية. بحيث يشكل غياب الخطط والاستراتيجيات للاستفادة من الديناميكيات السياسية والعسكرية والاقتصادية الحاصلة في العالم إحباطا تاريخي هائلا للشعب الفلسطيني. حتى القوى الوطنية الرافضة لاتفاقيات اوسلوا هي أيضا خائبة. اما الصراع والمنافسة البائخة بين “فتح” و”حماس” فتنطبق عليهما حكمة، إذا تشاجر كلبان على غنيمة تكون من نصيب الذئب الذي يأتي على صياحهما.

ولكن الفرص لم تنته، ولا يزال الوقت متاحا للتصحيح إذا توفر القصد والقرار، فالصراع العالمي لا يزال على أشده، والصيرورة التاريخية تسير ببطء وبمراحل. وهناك احتمال ضئيل لتخلي الولايات المتحدة عن دورها الذي عينته لنفسها كشرطي عالمي لفترة طويلة قادمة.، بل انها تبدو مصرة على الاستمرار بالحاق اضرار جسيمة بنفسها وبالعالم، مثلما فعلت العديد من الإمبراطوريات التي سبقتها كبريطانيا وروما وغيرها. وتفعل ذلك باستنزاف دمائها وثروتها في تدخلات عسكرية دولية عقيمة. ومن هنا تنبع الفرص، فاتجاه حركة الاحداث العالمية اليوم هو نحو وعي الشعوب لمصالحها ونهوضها لمقاومة ظلم الإمبراطورية العاتية والمستهلكة عالميا.

فعلينا كفلسطينيين ان ننهض من تحت الرماد ونأخذ القرار الصحيح بالتموضع بقوة في خندق محور المقاومة إقليميا، وفي صف الدول المنتصبة ضد الهيمنة الامبريالية عالميا، بالتعاون مع دول البريكس وتكتل شنغهاي العملاق، ومحليا العمل على توحيد صفوفنا على أساس برنامج وطني تحرري في جبهة وطنية عريضة تتبنى مبدأ التحالف والصراع الديمقراطي، فنساهم بذلك بانبعاث الطاقة الهائلة المخزونة لدى الشعب الفلسطيني الجبار من اجل تحرير نفسه ووطنه. هذه هي مهمة شباب اليوم من اجل بناء مستقبلهم، غير ذلك لن يكون امامنا سوى العيش بالذل والقهر!

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

7 تعليقات

  1. كاتب جدير بالتقدير ،اشكرك على هاذا المقال المفيد لمن له قلباً والقي السمع وهو شهيد .
    ونرجو ان تستمر .تحياتي لك ولكل الأحرار امثالك ياميشيل شحادة

  2. من المأساة ان يصل الحركة الوطنية الفلسطينية الى هذا النوع من الافلاس بعد ان كانت راس رمح حركة التحرر العربي وطليعة نضالهم وبوصلتهم في مواجهة التامر الامريكي الاستعماري والصهيوني في أواخر الستينات والسبعينات وكانت تشكل احد مرتكزات التصدي الجماهيري ليس على الساحة الفلسطينية بل صوتها كان يتردد في كل الساحات العربية وكانت المشروع البديل للمنطقة العربية ، لكي يتم إخفاقها اليوم الى كوننا اكثر الساحات صمتا وتراجعا وتخاذلا ولا زلنا نغني بفصائل المنظمة ومنظمة التحرير اللي اكل الدهر عليها وشرب بعجزها وهرمها المتآكل ، نعم حتى الان ليس هناك من يطرح بناء جبهة فلسطينية عريضة متلاحمة مع جبهة المقاومة العربية( فلسطينيا ) في لبنان وسوريا والعراق واليمن ، نعم هذا المقال يفتح الأبواب كبيرا علينا نحن الفلسطينيون لماذا صمتنا صمت القبور؟؟ والمؤامرات تدق ابوابها علينا من كل جانب واهمها صفقة القرن ، اعتقد ان شعار الدولة الفلسطينية احد معضلات المسار التحرري الفلسطيني التي لم يتحدد فيه موقفنا بخصوص الصهيونية وعلاقتها العضوية بالإمبريالية العالمية ونظام راس المال العالمي، وان لم نبدا من جديد لنسج علاقاتنا بالقوى التي تتحدى الوجود الامريكي في مشرقنا العربي والتي تقف ضدها على الساحات العالمية، وخروجنا من سقف الطوائف والقوى الدينية المذهبية والطائفية الوراثية والمتخلفة والإقليمية الانفصالية سوف يستمر هذا العجز والهرم فينا ويهدد وجودنا في منطقتنا.
    مقالة ناقدة وتفتح آفاق جديدة على مسيرة النضال الفلسطيني وحركته الوطنية وما وصل اليها من إخفاقات ومتطلبات المرحلة القادمة .

  3. مقالة صائبة وموفقة من حيث تشخيص حالة التخبط الأمريكي في العالم والتي تذكرنا بتخبط إمبراطوريات مماثلة إبان فترات أفولها كالامبراطورية البريطانية والفرنسية وغيرها، فالإمبراطوريات التي تتعود على أن تكون عظيمة ومهيمنة يصعب عليها قبول حقيقة وجود منافسة قوية وتهديد خارجي حقيقي فتبدا بالتخبط والعنجهية مما يسرع في استنزافها وانهيارها، ويبدو ان هذا ما يحدث الآن مع الإمبراطورية الأمريكية التي بدأت في التخبط عالمياً، وأصبت بتوجيه اللوم للقوى الوطنية العربية والفلسطينية التي لا تستطيع تشخيص ذلك وإدراك وجوب التحرك في اتجاهات مختلفة والاستفادة من وجود عالم متعدد الأقطاب وذلك للحفاظ على استقلاليتها وبناء مشروع تحرر وطني حقيقي

  4. إضاءة جيدة على واقع الهيمنة الأمريكية ونهوض القوى والتكلات الجديدة… وعدم استفادة الدول الواقع الجديد وخاصة العرب والفلسطينيين. لعلنا نصحى قبل فوات الاوان.

  5. مقالة ذات تحليل ممتاز للتحركات العالمية و للفرصة التي تتيحها هذه التحركات لنهوض الشعب الفلسطيني بقيادة متجددة.

  6. موضوع عميق و تحليل منطقي ولكن أين مصادر القوى في وجود أنظمة متخلفه وقمعية كما هو الحال الان؟

  7. مقالة واقعية تشرح الوضع العالمي الحديث بأن هناك صراع قائم بين قطبين : قطب الاستعمار الامريكي والقطب الجديد الذي تقودها الصين وروسيا وايران. وهذا الشرح الصحيح مخالف للذين يعيشون في الماضي ويشرحون الاشياء من وجهة نظر قومية عنصرية تدعي ، مثلا ً، ان ما يجري اليوم في العراق او سوريا او اليمن عبارة عن صراع امريكي – ايراني للقضاء على القومية العربية. وفيما يخص بلدك فلسطين علينا ان نتذكر أن امريكا هي التي تدافع عن اسرائيل لقهر الشعب الفلسطيني الذي ينال المساندة من ايران ليستمر في نضاله الضروري لتحرير بلده من الاحتلال الصهيوني.
    مع الشكر والتقدير.
    كمال

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here