ميشيل حنا الحاج: ترامب والعقبات المعترضة تنفيذ وعوده الانتخابية في مرحلة الانتخابات الرئاسية

ميشيل حنا الحاج

أطلق الرئيس دونالد ترامب العديد من الوعود لناخبيه خلال مرحلة الانتخابات الرئاسية عام 2016 ، وكان من بينها  ايجاد  ادارة قوية متماسكة وقادرة على الادارة  بجدارة وثبات، اضافة لتنشيط  الصناعة وايجاد فرص عمل اكثر، والتخلص من المقيمين اقامات غير شرعية في البلاد، والذين قيل بأن عددهم يبلغ اثنا عشر مليون  مقيم كان الرئيس أوباما في ايامه الأخيرة يسعى لاصدار تشريعات تضفي الشرعية على اقامتهم، علما أن ترامب يطالب الآن بابعادهم جميعهم عن الأراضي الأميركية، بغية توفير فرص عمل أفضل للرعايا الأميركيين الشرعيين والتي يمتصها المكسيكيون والاسبان الذين يتقبلون العمل بأجور أدنى من البيض والسكان الأصليين، مما يقلل من فرص العمل للسكان الشرعيين.

ولعل أبز العقبات التي واجهها الرئيس، هي ايجاد ادارة ثابتة وقوية تساعده في ادارة شؤون البلاد.  ولا أحد يعلم حتى الآن عدد من عينهم ترامب في مراكز ادارته ثم اقصاهم بعد لأي قصير. وكانت نائبة المدعي  العام الأميركي Sally yates أول من أقصي عن منصبه  في  الثلاثين من كانون ثاني، أي بعد عشرة أيام  من تولي ترامب شؤون البلاد.  وكان سبب اقصائها السريع،  هو رفضها التوقيع على أمر ترامب التنفيذي القاضي بمنع رعايا ست دول اسلامية من القدوم الى الولايات المتحدة. فقد رفضت نائبة المدعي العام أول الأوامر التنفيذية التي أصدرها ترامب، واعتبرته أمرا غير شرعي وغير قانوني، فأمر ترامب فورا باقالتها.

وكان آخر المقالين من ادارة ترامب ، بل قبل الأخير منهم، هو “تيليرسون” وزير الخارجية في ادارة الرئيس، والذي اعتبر الصوت المعتدل والعقل  الواعي في ادارة ترامب. ومع ذلك اقاله الرئيس فجأة   وبقرار نشر في تغريدة من تغريداته،   وقبل التواصل مع تيليرسون شخصيا في هذا الشأن.

أما آخر المقالين، والذي أقيل ليلة أمس ، فهو “أندرو ماكابي”، مساعد مدير الأف بي آي، والذي أقاله “جيمس ساشون”  وزير العدل، يوم أمس بناء على طلب الرئيس ترامب الذي اتهمه بالتلاعب بالمعلومات التي زود بها مولر حول قضية  هيلاري كلينتون وخطاباتها الأليكترونية المرسلة بطريقة غير شرعية كما  قيل.  ونفى “ماكابي” بعد اعلان اقالته،  صدور اي تلاعب بالمعلومات، او أي تقصير في اداء عمله، مؤكدا بأن دوافع الاقالة سياسية.

وتردد في بعض الحوارات على  قناة “سي ان ان” ليلة أمس، أن زوجة ماكابي تسعى لترشيح نفسها لمقعد في مجلس الشيوخ خلال الانتخابات النصفية التي ستجري  في نوفومبر القادم، وأن الرئيس ترامب غير راض عن ترشحها لذاك المقعد، فمارس ضغوطه على زوجها.  وليس هناك تأكيد لذاك الادعاء أو التفسير، ولكن هناك مؤشر  قد يعزز صدقه.  وهو أن  “ساشون”  وزير العدل، قد أصر على طرد ماكابي يوم أمس دون الاستجابة لمطلبه بأن يؤخر ذلك القرار ليومين، وذلك كي يكمل ماكابي عامه التاسع والأربعين، ويدخل عامه الخمسين الذي يأذن له عندئذ بالتقدم بطلب تقاعد مبكر يوفر له دخلا  يعينه في حياته القادمة.   الا أن طلب الانتظار ليومين فقط، قد  رفض وتم تنفيذ قرار الاقالة حارما “اندرو ماكابي” من فرصة الحصول على تقاعد مبكر، وهو حرمان ربما أريد به ممارسة الضغوط على   زوجة  ماكابي،  لعلها ترتدع عن تخطيطها لخوض الانتخابات النصفية والساعية للحصول على مقعد في مجلس الشيوخ.

ومع ذلك هل “ماكابي” هو آخر الراحلين عن البيت الأبيض؟ لا  بطبيعة الحال . فالحديث آخذ في الارتفاع الآن عن احتمال طرد  “ماكماستر” المستشار الأمني في البيت الأبيض، وأن القرار بفصله قد يعلن بعد يومين أو ثلاثة. الا  أن “ساندرز” الناطقة باسم البيت الأبيض قد سارعت لنفي وجود  هذا  الاحتمال، مع بقاء الاحتمال  قائما ومترددا في كواليس البيت الأبيض، ولكن ماكماستر يرفض التعليق عليه تعليقا واضحا.

ويقول تقرير للبي بي سي  ورد في نشرة الصباح، أن مجموع من استبدل من العاملين في  ادارة البيت الأبيض، قد بلغ   عشرين  شخصا من العاملين فيه، مشكلا حتى الآن 34 بالمائة ممن عملوا في البيت الأبيض على مدى خمسة عشر شهرا تولى فيها ترامب ادارة هذا البيت القديم الذي يتجدد فيه الرؤساء كل أربع سنوات.

ويقول البعض أن ما يفعله ترامب من تعيننت واقالات،  هو حق له  وجزء طبيعي من سلطاته التنفيذية،  وقد مارسه بطريقة مشابهة  بعض الرؤساء السابقين.  كل ما في الأمر أن نسبة الاقالات والتعيينات  التي نفذها  ترامب فاقت كل التوقعات، فشملت عددا  ممن كانوا من كبار مساعديه في حملته الانتخابية  كستيف  بانون،  مايكل فاين، كومي، ستيف بانون، ريز راينر وشخصيات أخرى كثيرة  ممن يصعب تذكر أسمائهم  لكثرة عددهم.

ولكن ما مارسه الرؤساء السابقون من طرد وتعيينات واقالات،  لم تبلغ قط هذه النسبة العالية التي طالها ترامب، والتي رغم وفرتها، لم تلامس من قريب أو بعيد ، استبعاد “جارد كوشنر”، صهر الرئيس، من موقع مستشاريه الأكثر أهمية والذي ورطه باستشاراته العقيمة، في مآزق سياسية عدة مع العرب عامة ومع الفسطينيين خاصة، علما بأن  المحقق موللر قد أصدر قرارا بالحد من حق  كوشنر  وترامب جونيار، من الاطلاع على عدد من الملفات السرية  سواء في السي آي ايه أو في الأف بي آي، مما يعزز وجود شكوك حولهما باتت تقتضي استبعادهما فعليا  عن التواجد في البيت الأبيض الذي هو بيت الشعب الأميركي، وليس بيت آل كوشنر ـ أو آل ترامب رغم كون دونالد ترامب هو رئيس الدولة.

                           **********************************

لكن المأزق الثاني والأكثر وضوحا،  هو عجز ترامب الجزئي  وليس الكلي بعد، عن تشجيع الصناعة كما قال ووعد. مبتدئا  بتشجيع  واعادة تفعيل انتاج السيارات الأميركية التي تراجع عدد المنتج منها نتيجة اغلاق بعض مصانع السيارات في ديترويت في ولاية  ميتشيغين،   حيث تتواجد أهم مصانع السيارات.   وهكذا شجع ترامب في مرحلة الانتخابات، عددا من الرأسماليين على مد يد العون لتلك المصانع من أجل اعادة تفعيلها. وقد نجح فعلا باعادة تشغيل  عدد منها ،  وبالتالي أعاد الحياة  والحيوية لديترويت  بتنشيط عدد من مصانعها التي كانت خامدة.  وهذه االخطوة الذكية، استطاعت تحويل أصوات سكان ميتشيغن  وخصوصا ديترويت، لمصلحة الرئيس ترامب. فبعد أن كانت أصوات ولاية ميتشيغن وخصوصا ديترويت  تذهب للحزب الدمقراطي، فقد ذهبت هذه المرة للرئيس ترامب الذي استلم لمصلحته كامل عدد الأصوات التي ترسلها ميتشيغن للكلية الانتخابية، وعدد هذه الأصوات ستة عشر صوتا انتخابيا في الكلية الانتخابية، ذهبت كلها لمصلحة ترامب مما ساعد مع عوامل أخرى، على ارتفاع عدد المؤيدين له في الكلية الانتخابية ،  خصوصا وأن أحد ألأحزاب الأميركية، وهو حزب الخضر، والذي توفرت له اصواتا ترسل للكلية الانتخابية ،  قد تبرع بتجيير اصواته ولأسباب مجهولة … لمصلحة الرئيس ترامب ايضا.

الا أن اعتماد ترامب على تأييد ولاية ميتشيغن وخصوصا مدينة  ديترويت ، سرعان ما بات مهددا  خصوصا وأن صناعة السيارات في ديترويت عادة الى التراجع مؤخرا، وسبب التراجع عدم قدرة السيارات المنتجة في ديترويت على منافسة السيارات المنتجة في الدول الأوروبية.

فالسيارة الأميركية كبيرة الحجم، تستنفذ  الكثير من الوقود، وهيكلها الخارجي اقل جذبا  واغراء للمشتري من هيكل السيارة الأوروبية الذي يبدو  رشيقا وأكثر أناقة. وهذا الانجذاب الأميركي نحو السيارة الأوروبية  قد أغاظ  ترامب.  وبطبيعة الحال لجأ فورا للحل المعتاد لديه،  وهو التوجه نحو  زيادة  الرسوم الجمركية على السيارة الأوروبية  المستوردة للولايات المتحدة، مع توجه ايضا لزيادة الجمارك على واردات الولايات المتحدة  من الحديد والألامنيوم القادمة من أوروبا بدون تفهم النتائج الايجابية، ان وجدت نتائج ايجابية، لخطوة غير مفهومة كهذه.

كل ما في الأمر أن البناء على تحديث مصانع ديترويت كجزء من المخطط الترامبي، لم يحقق على أرض الواقع الكثير مما ابتغاه الرئيس ترامب الذي بات الآن يعاني من فشله في هذا المضمار رغم كل تعويله عليه  كوسيلة لتحقيق نجاح كبير في مرحلة رئاسته الاولى.

                                        *********************

وهناك مسألة ثالثة عانى منها ترامب وسوف يعاني طويلا، وهي قضية المهاجرين والمقيمين اقامات غير شرعية. ويقال بأن عددهم في كل أجزاء الولايات المتحدة  قد بلغ  اثنا عشر مليون مهاجر، علما أن بعض الأقوال تقدر  الآن عددهم في ولاية كاليفوىنيا لوحدها (دون وجود احصاءات رسمية مؤكدة)، باثني عشر مليون مهاجر يعتمد الاقتصاد الكاليفورني عليهم اعتمادا كليا.   فكاليفوىنيا هي الولاية ذات الامتداد الطويل لحدودها مع المكسيك، وهي الولاية الرافضة لبناء السور العظيم الفاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك.

ولكن المعضلة التي يواجهها الرئيس ترامب،  لا تتوقف على العدد وعلى جسامته، بل تتسع لتشمل عصيان بعض الولايات في الولايات المتحدة لأوامره بوجوب  ملاحقة المقيمين اقامات غير شرعية،  والعمل على اخراجهم من البلاد. فعدة ولايات ترفض اعتقالهم  وطردهم بالقوة.  وابرزها ولاية كاليفورنيا  بل وعدة ولايات اخرى  منها اجزاء من ولاية نيويورك  وولايات اخرى.

وبعض الولايات التي وافقت على تنفيذ الأمر الترامبي التنفيذي بابعادهم، والذي سرى مفعوله في الخامس من هذا الشهر، واقتصر  رفض ابعادهم  بشكل مباشر على المجموعة المسماة ب “داكا” والذين لا تزال تجري المفاوضات حول مستقبلهم… وهم المهاجرون القصر  الذين وصلوا البلاد مع ذويهم  وهم في عمر صغير ولا يتحملون  بالتالي مسؤولية هجرتهم غير الشرعية لكونهم قصرا  لدى وصولهم للولايات المتحدة،  وبالتالي  لا تجوز ملاحقتهم  على جرم لم يقترفوه ولا يعتبر جرما مرتكبا منهم، لكونهم كانوا يومئذ في سن صغير ولا   يجوز بالتالي ملاحقتهم  على عمل اقترفوه وهم دون السن القانوني الذي لا يحاسبون عليه  لكونهم قصرا.

واذا كانت بعض الولايات ترفض رفضا تاما المساهمة في عملية ابعاد المقيين اقامات شرعية، فان مدنا كبرى أيضا ترفض ابعادهم رغم أن مجلس ولايتهم ربما وافق على تنفيذ عملية ابعادهم وراء الحدود الأميركية.

ويعدد  مجلس Aspan Law Office LLC   الذي له ثلاثين عاما من الخبرة في قضية التعامل مع المهاجرين الشرعيين، أن هناك ثمانية عشر مدينة كبرى ترفض الانصياع لتنفيذ اوامر ابعاد  المهاجرين غير القانونيين.   ومن أبز المدن المنضوية تحت هذا الاتجاه، كلا من “سياتل، بورتلاند ، سان فرنسيسكو، لوس أنجيلوس، سان دييغو، دنفر ، نيويورك سيتي، بالتيمور، دالاس، واشنطن دي سي، ميامي  هيوستن  وأسبن  وأربعة مدن أخرى.

ويقول موقع Fox Business  أن الرئيس ترامب قد وقع أمرا تانفيذيا في شهر كانون ثاني 2017، أي فور توليه الرئاسة، يقضي بحجب ارسال الأموال المركزية للولايات أو المدن التي ترفض الانصياع للأمر القاضي بابعاد المهاجرين غير الشرعيين.  الا أن الاستنتاج النهائي كان أن هذه الأموال قد أقر ارسالها من الكونجرس لتلك المدن والولايات، وبما أنها قد أقرت من الكونجرس، فان الرئيس ترامب يكون عاجزا عن حجبها ورفض ارسالها لمسـاعدة المدن  او الولايات التي خصصها الكونجرس لا عانتهم.  وفي مقال كتبه Ian Simpson ونشرته وكالة رويترز في تاريخ 15 نوفومبر 2017 ، رفعت ادارة ترامب عدد ما يعتبر ملاجىء  وملاذ آمنه للمهاجرين الشرعيين، الى 29 ملاذا ،   اي مضيفة الى الأسماء السابقة  أحد عشر ملاذا آمنا جديدا لأولئك المهاجرين المطاردين من سلطات ترامب.

وفي مقال نشر على    Tictoc  احد مواقع Bloomberg ،  ظهر Jerry Brown حاكم ولاية  كاليفورنيا  الدمقراطي، يقدم الحماية للمقيمين اقامات غير شرعية في ولايته، ومشجعا الدوائر  المعنية بقضايا الهجرة على حمايتهم   وحجب المعلومات الضارة بهم عن الحكومة المركزية.  وفي المقابل فان Greg Abbot  الجمهوري، حاكم ولاية تكساس، يحث الدوائر المعنية بالهجرة، على التعاون بشكل كامل وحثيث مع الدوائر المركزية في هذا الشأن،   مهددا بأشد العقوبات في حالة  الامتناع عن تنفيذ  تعليماته المتشددة تلك.

                                  ********************

قضية المهاجرين غير الشرعيين هي اشد القضايا ضراوة  يواجهها الرئيس ترامب.   أضف اليها ملاحقة المحقق موللرله ، بسبب قضية احتمال وجود التعاون الروسي الترامبي السري خلال مرحلة الانتخابات الرئاسية. وقد اضيف الى ذلك الآن قضايا التحرش الجنسي التي ازداد  الآن عدد النساء المشاركين في اقامتها ضد الرئيس، حيث بلغ عددهم الأن  خمس نساء …..

ويمكن على ضوء ذلك  تقدير المتاعب التي يواجهها الرئيس ترامب، والتي بعد تكاثرها،  ربما لم يعد بوسع أحد أن يحسده على تواجده في هذا الوضع المثير فعلا للقلق، لا على مستقبل الرئيس ترامب، بل على  مستقبل الولايات المتحدة ذاتها التي لم يتكمن الرئيس ترامب من الاقتناع بعد  بأنها لم تعد الولايات المتحدة الأميركية، بل الولايات المتحدة الأممية التي باتت تضم مواطنين من كل دول العالم ومعظمهم  من المهاجرين، بما فيهم المهاجرين المسمون بالمهاجرين الأولين، مع بقائهم مهاجرين، اذ جاءوا الى البلاد بدون استئذان أصحابها الأصليين، وهم الهنود الحمر الذين هم بجدارة اصحاب البلاد  الحقيقيين والأصليين.. وكل ما عداهم مهاجرين….مهاجرين…مهاجرين.

كاتب ومحلل سياسي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here