ميشال الحاج: لماذا يؤذن لاسرائيل باضطهاد وترهيب الشعب الفلسطيني ولا يتحرك الأردن لتفجير قنبلته المزلزلة بقوة سبع درجات على مقياس رختر..  تذكيرا لاسرائيل بحقيقة الامور؟

ميشال الحاج

ولكن ما هي القنبلة المزلزلة التي يملكها الأردن ولم يقم بعد بالتذكير بها أو باستخدامها، علما أن تفجيرها قادر على الاطاحة، لا بصفقة القرن أو بصعقاته، أو حتى  بأي شيء له علاقة بكل المخططات الخبيثة   الاسرائيلية الأمركية أيضا، ولعل أبرزها وأقلها الاعتراف بالقدس بما فيها القدس الشرقية عاصمة لاسرائيل،  والتي رغم كل قرارات الكونجرس بمجلسيه، لا تكون قابلة للنفاذ لكونها قد ىبنيت على خطأ،  وما بني على خطأ  فهو أيضا خاطىء بالضروروة.

وانا كمفكر حقوقي درس بعناية ولاربع سنوات طوال، وما تلاها من سنوات المتابعة… القضية الفلسطينية بعمقها وابعادها، لاحظت وربما لاحظ أخرون غيري، وجود ثغرة تتمحور حول قرار الأردن غير المكتمل باجراءاته القانونية والدستورية،  الصادر في 28 تموز 1998 والقاضي بفك ارتباطه بالضفة الغربية.

فقد  أعلن الملك الراحل حسين بن طلال يومئذ قراره بفك الارتباط بين الاردن وفلسطين، أي فك عملية الوحدة والدمج بين الضفتين التي اقرها الطرفان في اجتماع شعبي مشترك عقد عام 1950 . لكن الملك  الهاشمي لم يستكمل اجراءات قرار فك الارتباط  هذا، فبقي القرار عندئذ عالقا وغير مكتمل الأركان. اذ أنه لم يعرض على مجلس النواب الاردني الفلسطيني المشترك طالبا اقراره ومباركته او رفضه،  بل وقام الملك حسين بحل المجلس بعد يومين. كما أصدر في الواحد والثلاثين من الشهر  بيانا رسميا انهى فيه كل مظاهر الارتباط  بين البلدين، دون استكمال الاجراءات القانونية الضرورية لذلك   وابرزها اجراء  استفتاء عام حول ذاك القرار الذي بات قرارا  معلقا  وغير ناضج او مكتمل الاركان.

واعتقد البعض  ان الملك حسين الراحل قد تعمد عدم استكمال الاجراءات القانونية، كي يترك القرار معلقا وغير مكتمل وقابل للتراجع عنه والعودة للتشبث بالوحدة  الاردنية الفسطينية اذا تعنت الاسرائيليون  ولم يقدموا تنازلات   منطقية ومقبولة  تقود الى السلام المبتغى. ففي رؤءيته العميقة وبعيدة النظر، كان يخشى كثيرا غدر الاسرائيليين وجشعهم. وما شجعه على تلك الخطوة بعد سنوان من التردد،  هو قرار مجلس القمة العربية الذي عقد في الرباط عام 1974 وشجع كثيرا عل ابراز الهوية الفلسطينية والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كالممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.  وهكذا اتخذ القرار  الجريء   لكن غير مكتمل الاركان، مقدرا امكانية التراجع عنه في الوقت المناسب.

ومضت  الايام ، واعتقد البعض ان الملك حسين  قد تراجع نسبيا  عن موقفه ذاك  بدليل انه قد وقع اخيرا  في عام 1994 اتفاق وادي عربة نتيجة ضغوط اسرائيلية واميركية. ولكنه في حقيقة الامر كان يدرك ان اتفاق  وادي عربة هو اتفاق هش لا يقوم على اسس صحيحة، مقدرا كونه بحكم الملغى  لكون قيامه مبني على اساس خاطىء وما يبنى على خطأ   فهو ايضا خاطىء.

ذلك ان اتفاق وادي عربه يفاوض على حدود بسيطة في وادي عربة وفي شمال الاردن مطالبا اسرائيل بالانسحاب منها، وبالتالي لم يفاوض على انسحاب اسرائيل من كل الاراضي التي احتلتها عام 1967 والتي الزمها  القرار 242 الانسحاب منها جميعها. فاتفاقية وادي عربة  التي وجدت على اساس وجود فك ارتباط بين الا ردن وفلسطين،  وهو فك ارتباط لم يكتمل   وبني على اساس خاطىء  لعدم اكتمال اجراءاته، وبالتالي هو  بطلان  انعدام  الموجودية  والشرعية نتيجة  اجراءاته الناقصة وكل  ماتلاها من خطوات بنيت عليه ظلت ناقصة.                                                    ويخطىء كثيرا  اعضاء مجلس النواب الاردنيون  كلما اعدوا مشروع قانون لالغاء اتفاق وادي عربة لكون اتفاق وادي  عربة  قانونيا ودستوريا غير موجود اصلا ، ولايعترف بوجوده او بشرعيته احد     (غير اسرائيل)   لكونه قام استنادا على  قرار لم تكتمل اصلا مشروعيته، فهو يعتبر ايضا غير موجود  ومنعدم تماما. ولا استبعد ابدا ان  الملك حسين كان فعلا يفكر في الاقدام  على  الغائه.    غير ان المرض ثم المنية قد وافته بعد سنوات، فتعذر ذلك عليه.

والواقع   ان عملية فك الارتباط غير المكتملة،   شكلت   بكل وضوح  عملية كشف للنوايا الاسرائيلية السيئة.  فبعد ان كان يفترض  بهم الانسحاب الى ما وراء حدود 1967   استجابة لقرار مجلس الامن رقم 242 ،  ركب الطمع  بل والجشع   هذا الشعب الذي لا يشبع. فبعد ان كانوا ا يكتفون لاسرائيل بما مساحته 52 بالمائة من الاراضي الفلسطينية كمما اقرها قرار التقسيم الصادر عام 1947 ، باتوا الآن غير مكتفين ب 88 بالمائة من الاراضي الفلسطينية،  بل ويضغطون على الفلسينيين  من أحل الانسحاب   والتخلي عن مزيد  منها بذريعة مقتضيات الاستيطان وغيره. فمكافأة   لهم على جشعهم هذا الذي لا يعرف حدودا، يجد الاردن نفسه  اخيرا مضطرا لاستخدام حقه  في التذكير ببقاء الوحدة الفلسطينية قائمة،  وقرار 242  لم يزل قائما وساري المفعول، وكون كل الاراضي التي احتلت عام 1967 لم تزل اراض محتلة  ومن حق اصحابها  الشرعيين استردادها.

والمطلوب الآن وقد طرح هذا الامر مجددا، أن يبدا الاردن باستشاراته الصامتة مع روسيا ودول  الآستانة  للتمهيد للحصول على تأييد فرنسا ورئيسها ماكرون الذي يبدو اكثر تعقلا من رؤساء دول اوروبا ( وكذلك المانيا ذات التاريخ الطويل من المعاناة مع اسرائيل وجشعها)… ومع عدد  من الدول الاخرى التي طال انتظارها لحل هذه القضية  نظرا للتعنت الاسرائيلي الذي يريد مماطلة  الحل مع الفلسطينينيين لاعوام واعوام قد تصل   لمائة عام دون جدوى   كما يتبجح  الاسرائيليون احيانا.

فتفجير زلزال بقاء الارتباط الاردني الفلسطيني قائما، هي الخطوة الوحيدة  والجبارة والمزلزلة التي ينبغي ان تنجز  بتفاهم فلسطيني اردني سري  او علني، لكون الطرفين بحاجة اليه لانقاذ الموقف وتلقين الاسرائيليين درسا قد لا ينسوه ابدا. فهم ليسوا وحدهم الاذكياء على  هذه الارض،  وليسوا الاقوياء حتى لو آزرتهم الولايات المتحدة. فلكل شيء حدود  حتى وان وقف جارد كوشنر الى جانبهم.

فقيام الاردن بالتراجع  في عام 1988 بخطوة ناقصة غير مكتملة  لفك الوحدة بين الطرفين   مع ابقاء تعغليقها قانونيا… قرار لم يعد موجودا لانه قرار لم تكتمل اجراءاته القانونية وبالتالي فان الوحدة قائمة وغير  ملغاة  وبالتالي فان كافة  الاضي التي احتلت عام 1967 هي اراض محتلة   وينبغي الشروع من جديد في دراسةالانسحاب منها باسرع وقت ممكن.

من المتوقع بطبيعة الحال ان يثور ضجيج اسرائيلي  مقابل  وكبير  من فقهاء السياسة والقانون في اسرائيل وفي الولايات المتحدة ايضا في محاولة للتغطية على هذه المطالبة. وهذا امر طبيعي وضجة   متوقعة،   وقد ينتهي الامر بمجلس تحكيم   دولي   ارجح شخصيا انه سينصف الاردن لعدالة قضيته  واستنادها للقوانين الدولية، والتي اثبتت اسرائيل  بالمقابل انها  تعمل على مدى نصف  قرن، على تجنب العدالة،  بل تسعى لتحقيق مصالحها الانانية   بعيدا تماما عن مراعاة القوانين الدولية. فالمطالبة الفجائية هذه   قد تهز بعض أركان الخوف لدى اسرائيل التى  لا تخاف لكونها مدعومة من أميركا. وستضطر بعد   الزلزال  لان  تبد أ بالخوف ولو قليلا.

خطوة  جريئة  تستند الى الحق والقانون، واتمنى أن يبادر الأردن الى اطلاقها بالتفاهم مع الفلسطينيين. وأكثر ما اتمناه ان يصل مقالي هذا الى جلالة الملك عبد الله الثاني،  فانا اعتقد أن القيود التي يفرضها المكتب الصحفي في الديوان  الملكي لا تسهل وصول المقالات الى جلالته.

ولكن بما ان هذا المقال  يتعلق بالاردن بالذات، بل وبمصلحة عربية  عليا، فاني آمل أن يتم ايصاله الى جلالته ،  اضافة الى ضرورة التنويه بأن المقال قال بعض ما يمكن قوله، وهناك الكثير الذي لم يقل بعد  وقد يمكن مراجعة احتمالاته الكثيرة  الكثيرة  مع بعض المستشارين.

كاتب وباحث

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here