ميس القناوي: صناعة الرأي العام العربي: عقود من الاستحمار!

ميس القناوي

في الغرب يتكفل الإعلام بصناعة رأي عام موحد حيال قضية ما من خلال الترويج القائم في أغلب الأحيان على التلفيق والتبسيط واختلاق الروايات والتحليلات الساذجة لتتماشى مع ثقافة الجماهير الغفيرة أو رجل الشارع. لكن دائمًا وباستمرار فإن الحقيقة موجودة للباحث المثقف، وحتى للرجل متوسط الثقافة القارئ للصحف المرموقة والكتب والدوريات. أما عندنا في الشرق العربي فإنّ الرأي العام السياسي يخلقه رجل الشارع ضعيف الثقافة السياسية والعامة ويردده كل طبقات المجتمع من أقلهم ثقافة إلى أستاذ الجامعة المتخصص في علوم السياسة والتاريخ وعلم الاجتماع.

ولعل أصدق الدلائل على هذا الأمر ما يقال عن صواريخ “صدام حسين” الـ39 التي ضربها على “إسرائيل” متحديًا أي زعيم أو بلد عربي آخر أن يضرب الصاروخ رقم 40.. ويستخدم هذا المثال للتدليل على وطنيته في الدفاع عن فلسطين ورغبته في تحريرها وعدائه لإسرائيل وجرأة الرجل بمواجهتها وتحديه زعماء العرب أن يكونوا بجرأته وشجاعته.. والحقيقة أنّه ضرب 42 صاروخاً تم اعتراض معظمها وكانت آثارها التدميرية قليلة. والحقيقة الأخرى أن الرجل الذي أساء التقدير لم يكن هدفه من اطلاق الصواريخ صوب إسرائيل إلا أن يستدعي ردًا إسرائيليًا حتى يبدو وكأن المعركة عربية-إسرائيلية فيحرج بذلك الدول العربية والإسلامية المشاركة بالتحالف ضده والتي ستبدو وكأنها تحارب في صف “اسرائيل” ودفاعًا عنها مما يضطرّها إلى ترك التحالف والانسحاب منه. كما أراد أيضًا أنّ يضغط على أمريكا التي تشن الحرب ضده من خلال ضرب أهم أو أعز حلفائها في المنطقة لعلها تضطرّ لوقف الحرب أو التفاوض والمساومة.

فالرجل ضرب الصواريخ لأغراض سياسية لها علاقة مباشرة ووحيدة بالأزمة العراقية الناتجة عن مسألة احتلال الكويت، ولم يكن للصواريخ أي بُعد يختص بالصراع العربي-الإسرائيلي ومعركة تحرير فلسطين.. والرجل حينها كان يدرك أنه في مأمن من رد إسرائيلي مباشر، لأن أمريكا طلبت من “إسرائيل” عدم الرد حتى لا يؤثر ذلك على حجم التحالف وتكوينه، وإن قامت “إسرائيل” بالرد فبذلك يحقق صدام هدفه السياسي من زعزعة التحالف واكتساب رأي عام شعبي عربي واسع تعاطفًا مع الدولة العربية التي تحارب “إسرائيل” ويحاربها العالم لأنها تحارب إسرائيل. وفي كل الأحوال فالرجل لم يكن ذا حظ إلا في سوء تقديره واضطراب تفكيره وقصر نظره في كل مسألة من مسائل السياسة الدولية بداية من هجومه على إيران ثم احتلال الكويت وانتهاء باحتلال العراق وتدميره، ناهيك عن سياسته الداخلية التي لم تجلب له ولحزبه إلا العداء من كل أطياف المجتمع العراقي باستثناء التكريتيين والمنتفعين.

خلاصة الأمر: إن تكوين رأينا السياسي الشعبوي في أغلبه مغلوط لأنه صادر عن أقل الفئات المجتمعية ثقافة وإدراكا ووعيًا، لكن ذلك الرأي الشعبوي يجد طريقه إلى مقالات وأقلام واحاديث نخبة المجتمع والمتحدثين باسمه.. وهذا ما بدا جليًا في مسألة الاعتداء على إيران والرد الإيراني مؤخرًا.

– كاتبة وباحثة سياسية فلسطينية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. كانت الصواريخ الامريكيه والاسرائيليه تنطلق من اسرائيل وسواحلها باتجاه بغداد ولكن دون علن . وقبل ذلك كان هنالك اعتداء اسرائيلي على المفاعل النووي العراقي .
    فسبحان الله الزعيم العربي إن حارب اسرائيل أو ما حاربها كله واحد
    لا بل على العكس اللي ما بحاربها أحسن والأحسن منه اللي بصادقها .

  2. اضيف شيئا وهو ان صناعة الرأي والاستحمار في الغرب اشد وأقوى في رايي من العربي خذوا مثالا اولا لن ترى مواطنا أمريكيا او اوربيا يستطيع القول بشكل جاد ان اسرائيل دولة محتلة ومجرمة ويجب ازالتها ومن يقول ذلك فسيتم إعدامه معنويا اذا كان مؤثرا واذا لم يتمكنوا من إعدامه معنويا فسوف يقتل في حادث طبيعي وخذوا مثالا ثانيا انك لو سالت اي مواطن امريكي او أوربي عن سوريا فهو فورا يذكر لك ما يقوله إعلامه وستجده مصدقا ان بشارا يقتل شعبه وانه يضربهم بالكيمياوي الى اخر هذه الخزعبلات خذوا مثالا ثالثا هل ياترى يعلم المواطن الاوربي والأمريكي ان حزب الله والحشد الشعبي دافع عنه ضد الإرهاب وانه لو لا حزب الله والحشد الشعبي لكان مواطنو الغرب الان يقتلون ويغتصبون يوميا من قبل داعش هل سمعتم ان حكومة أوربية او مثقفا اوربيا فكر ان يقدم الشكر لهؤلاء الذين دافعوا عنه الجواب انه سيكرر بشكل ببغائي وغبي جداً رأي حكومته الخلاصة صناعة الرأي في اوربا وامريكا والاستحمار فيهما وصل الى حد ان الشعوب في اوربا وامريكا اصبحت شريكة في جرائم حكوماتهم وهي فرحة بما يفعله حكامها طبعا بالمناسبة هناك كثير من المواطنين الامريكان والاوربيين لو سألتهم عن اليمن او عن سوريا وما يفعله حكامهم في هذين البلدين فانهم سيسكتون ويفتحون أفواههم ببلاهة منقطعة النظير لأنهم ببساطة لا يعرفون اين هي اليمن او اين هي سوريا. يا سادة ان الاستحمار في اوربا وامريكا وصل الى حد تطبيع الجريمة وجعلها قانونا يلتزم به المواطن. وتحية من عراق المقاومة الى كل ام فلسطينية قادمون يا امي رغم الاستحمار العربي والاستحمار الغربي

  3. سيدتي، لعله فاتك ان تذكري وان نفعت الذكرى، ان نظام حزب البعث العراقي، التي كان يرأسه احمد حسن البكر يومها، بينما كان الحاكم الفعلي في بغداد صدام حسين التكريتي، كان النظام العربي الوحيد الذي لم يتقيد بقرار الدول العربية المنتجة للنفط بوقف امدادات النفط الى الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة، المؤيدة لاسرائيل خلال حرب اكتوبر 73، بل على العكس من ذلك تماما، زاد العراق يومها من استخراج النفط وشحنه الى الدول الغربية التي تعرضت للمقاطعة العربية، في سبيل تعويضها النقص الحاد في امداداتها النفطية.

  4. مقال رشيد وعميق ويظهر الحقائق المجردة، ويا ليت قومي يعلمون؟!
    قيام الدولة الفلسطينية المستقلة لا يحتاج الى الحروب بالسلاح،
    الحروب فاشلة وظالمة منذ فجر التاريخ. فما هو الحل اذا؟؟؟
    لو كانت الدول العربية متفقة ولو بالمستوى المقبول عروبيا قوميا ودينيا وإنسانيا وتخطيطا وفهما للمستقبل
    لنجحت بحل المشكل الفلسطيني بغير حروب ومنذ ستوات طويلة. إسرائيل تعتمد كليا على الدعم السياسي
    والاقتصادي والدفاعيعلى الولايات المتحدة خاصة والدول الغربية عامة. والدول الغربية لها مصالح في كل مضمار
    وغير محدودة في الوطن العربي. ولو عملت الانظمة العربية بصدق وامانة وبإرادة مخلصة على استغلال أوراق
    الضغط الكثيرة لأنجزت حلا مقبولا مرحليا للمساءلة الفاسطينية. وهذا يعني تحجيم إسرائيل قدرة ومساحة وخسران
    الدعم الغربي مع قادم السنوات لحاجة الغرب الى الوطن العربي سواء للثروات الطبيعية ولسوق اقتصادي لدولهم.
    وهذا ما سيوءدي الى اضمحلال دولة إسرائيل بدون حرب وسيبلعهم اجتماعيا وثقافيا ألمد العربي الديموغرافي
    وعمق الحضارة العربية الاسلامية. وما دامت الشعوب العربية متخلفة فكريا وسياسيا واجتماعياً فسوف تتكرر
    ماءساة نكبة عرب فلسطين في اوطان أخرى في دنيا العرب. الدول تكون على مستوى رقي وقيم وثقافة المجتمعات.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here