ميساء ابو زيدان: ما بين الأداء والحراك الدبلوماسي دروب

 

 

ميساء ابو زيدان

 

دأب المتابعون للشأن الفلسطيني على تقييم وتوصيف توجهات وأداء القيادة الفلسطينية الذي جاء رداً على إعلان الإدارة الأميركية الحالية لرؤيتها الخاصة بحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي في محاولةٍ منهم للتأكيد على فاعليتها من عدمه، ويبدو أنهم بمجموعهم (سياسيين ومتابعين) حددوا ردود أفعالهم بسقف الراهن من المواقف في استمرارٍ مُقلق لاجتزاء الأحداث من سياقها الأشمل الأمر الذي يتنافى ومنهجية العمل السياسي الفلسطيني المتعارف عليه وبالإطار الدبلوماسي  الذي اعتُمد كأحد الخيارات  الاستراتيجية.

ويأتي هذا الخيار استمراراً لمنهج أساسي لطالما تبناه الفلسطينييون منذ البدايات بهدف إبراز عدالة قضيتهم لكسب التأييد العربي والدولي الذي حققوه وعلى مستوى العالم بإطار النضال الوطني من خلال منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، لتحصد اعترافاً دولياً بكونها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وافتتحت مكاتب تمثيل لها في العديد من الدول فور تأسيسها بستينيّات القرن الماضي كان أولها في الجزائر والذي ترأسه الراحل سعيد نمر السبع، لتصبح الدبلوماسية إحدى وسائل تعزيز الكفاح الوطني من خلال توفير الدعم الشامل له عبر حراكٍ تنامى للحد الذي دفع الموساد الإسرائيلي لوضع كافة الكوادر الفلسطينية المنخرطة في ذلك المسار بدائرة الاستهداف إذ أن أداءهم  قد مكّنهم من تسجيل العديد من الانتصارات القاسمة بالنسبة لإسرائيل على المستوى الدولي والتي مكنتهم من تجاوز محاولات تصفية القضية، فأصبحوا أمام ضرورة إحداث تحولات جوهرية في خياراتهم ليصبح النضال السياسي هو الركيزة الأساسية والتي تتطلب أداة فاعلة تجسدت من خلال العمل الدبلوماسي.

وإذا أردنا هنا أن نتناول واقع العمل الدبلوماسي الفلسطيني فإنه لا بدّ من الإشارة أولاً لخطورة الإنجرار وراء السياسات التي تتبعها حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل المُستندة لدعم الإدارة الأمريكية بهدف خلق البيئة المُحَجِّمة لأية آفاق سياسية تُمكّن من ترسيخ الحل العادل للصراع وبالتالي إيغال قوى اليمين الإسرائيلي في انتهاك الأعراف الدولية. وللتحديد أكثر فإن خطة الرئيس الأمريكي ترامب التي صِيغَت إسرائيلياً هي مشروع سياسي الهدف منه إعادة الصراع لمربعه الأول وفرض وقائع ومعادلات على الأرض تكريساً لنموذج أبرتهايد (إسرائيلي) يقوم على العنصرية والتمييز العرقي لصالح الإسرائيليين على حساب الشعب الفلسطيني لإسقاط حقوقه الوطنية وإنهاء قضيته.

لذلك فإن العمل السياسي هو المسار الأساس الذي تقتضيه معطيات الواقع الراهن ومن بديهياته أن يتم التعاطي مع الواقع بالخيارات الممكنة التي يمكن الاعتماد والاستناد عليها لمواصلة العمل على ماتم مراكمته من انجازات، وهنا يبرز التساؤل الأهم حول ماهية المبدأ الذي يقوم عليه العمل السياسي وطبيعة مقوماته لنصل إلى قناعة كاملة بضرورة الخروج من دائرة رد الفعل التي يُحاصر فيها  الفلسطينييون باتجاه العودة لسياسة إِحداث الفعل القادر على تفادي ما تنشده حكومة نتنياهو والتي تقوم سياستها على الاستنزاف وكسب عامل الوقت.

وعليه فإن الأداء السياسي الفاعل اليوم يتطلب توفير مجموعة من الأدوات أهمها هو العمل الدبلوماسي الذي يعاني بالحالة الفلسطينية من ظاهرة تضعنا أمام مسارين متوازيين هما: الحراك الدبلوماسي والأداء الدبلوماسي حيث الحراك يعتمد على استنفار القيادة السياسية لإمكاناتها المتاحة، النهج الذي يُدلل على الضعف الذي يشوب الأداء الدبلوماسي كونه باتَ وظيفة ترتهن لمنظومة فشلت في ضمان مَقدِرة الفلسطينيين واستمراريتها بهذا المضمار بل ودثرت صفحات في مجلد تاريخهم المُعاصر دون الإغفال هنا عن الإشادة بتلك القدرات الفردية التي تميّزت بمستوى وفعالية أدائها، هذه الصفحات التي سُطّرت بأثمانٍ غالية ومكَّنت الفلسطينيين من تثبيتِ حقوقهم التاريخية وفرض مكانتهم بالمجتمع الدولي تستوجب إعادة الاعتبار للمنظومة الدبلوماسية وإطارها المتخصص بالدرجة الأولى بحيث تعود مهامها وطنية المرتكز والأداء.

كاتبة فلسطينية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here