ميادة خضر الرنتيسي: أشباح ما قبل الحبر الأزرق

 

 

ميادة خضر الرنتيسي

ماذا يعني لك التاريخ؟ تدوين لما فاتك من أحداث؟ أم ترسيخ لصراعات جرت و لم تكن في خِضَم معاركها ؟ أم هو مجرد مادة كانت قد ترجمها المؤلف من عدسته هو, أم ضحك علينا الفقهاء بمنهج هم من دونوه, هناك براهين على كل ما كتب أليس كذلك؟ و لكن هل راودك الشك ربما بأن هناك تاريخاً آخر ليس مكانه العلن,قدروا له مكانة في اطار زجاجي في إحدى متاحف النسيان , لا يزوره إلا من يبحث عن موعد معه, من يركد إلى الحقيقة رغم تلونها و رغم تعدد ألسنتها الممتدة إلى غير الحقيقة, الكل يريد أن يؤرخه كتاب, و لكن ماذا عن تاريخنا نحن؟

في العصور المتأخرة و ما قبلها أي ما يعود قرابة  بين عام 1250 و  1500 كانت هذه الفترة محصورة بيد الدين, الذي يحتكر كل ما يمكن للشعب ان يفتح له آذانه و أعينه على الحقيقة, هو فقط مهمته أن يتبع ما يمليه ختم الدين حتى لو كان ذلك على حسابه هو, فليس من مصلحة اليد العليا أن تمد يدها و تبسطها إلى من تظنه حامل الفأس, هو فعلاً حامل لفأس الشقاء المظلم الذي جرده من أبسط حقوقه , في هذه الحقبة الظلماء لم يكن من حق الشعوب أن تمسك بكتاب , فالعلم هو فقط للصفوة كما جميعنا نعلم, الاحتكار من فرضه برأيك؟ فرضته السلطة العليا التي لم تقرر في هذه الحقبة أن تفتح صنوبر المعرفة لمن يستحقه, بل فضلت أن يبقى مقفلاً لأنها كانت تعلم بما ينتظرها , و لكن من الذي راهن على شعبه؟ من راهن على اسكاته و قمعه؟ في النهاية لن يبقى الصنوبر مجنزراً بالصمت فهو مهمته أن يغدق بالماء على العامة.

هذه الحقبة دفعت الثمن ,فلا شيء يبقى على حاله و محتاله, ليس من صفة الدنيا أن تدوم و أن لا تدور على مسار, كل شيء بترتيب مسبق.

كل هذه المقدمة التي تعتبر موجزة إلى حد كبير و لكن الآتي أعتبره هو الأهم لأنه محور مقالي هذا .

بعد موت الامبراطورية الرومانية بدأت حقبة جديدة بالنمو في اوروبا التي كانت متعطشة للازدهار و جائعة جوع المطارد لما هو جديد.

أبرز علامات نهضتها هي اكتشاف لمناطق جغرافية  اوروبية جديدة ,و بالرغم أن الجهل مازال متفشياً في شعوبها و انحدار اقتصادها بشكل كبير الا أن الوضع الثقافي و العلمي قرر الانتفاضة رغم هذا التأزم و كانت الولادة لثقافة غير مسبوقة.

هنا مربط الفرس و زبدة المقال, بين عام 1410 و 1430 خُلِق واحد و عشرين كرتاً  و واحد.

بطاقات التي أسميها كروت التوراة التي حولها  العرافين إلى بطاقات التاروت, صحيح أن من أحرفها ما يدعوك إلى الاثارة لتستكشف ماذا تعني , للمرة الأولى تراها تشبه الطلاسم أو الشيفرة التي للآن لم يعرف إلى أي نسب تنسب, شجرة عائلتها مازال مجهولاً و الكثير من تكهن  وحاول ان يضع بصمته في إرجاعها إلى عصره و جذره,منهم من نسبها إلى مصر في عهد الفراعنة حيث كانت الكهانة هي الداء المسيطر على الجميع و على فرعون نفسه, و يعود البعض في أصلها إلى الهند القديمة و حتى أوصلوها إلى دجلة العراق, و لكن فضولي الذي لم يقتنع بكل هذا دفعني إلى البحث عن حقيقة هذه البطاقات الساحرة في تركيزها على أدق تفصيلة.

نعود إلى العصور الوسطى , إلى عائلة فيسكونتي النبيلة التي ترجع في اصولها الى ميلان,شمال ايطاليا , هنا اصل التاروت و أصل معناها أيضاً , إن كان لديك الفضول في معرفة كيف ظهرت هذه البطاقات و تريد ان تعود إلى أكثر من 1442 سنة من التاريخ, فعائلة فيسكونتي هي أول من خلق هذا النمط من العلم و ليس العرافة, لابد هنا أن نتطرق على الفرق , كيف كانت هذه الكروت و لأي سبب ابتكرت و كيف هي وضعها الآن و تحديداً في المنطقة العربية على الأخص .

سنتعرج لاحقاً في بحثنا هذا عن التحويل الذي قامت به الأيادي العربية و الفكر السطحي في استخدامها.

فيسكونتي هي عائلة نبيلة من نبلاء ايطاليا كما ذكرنا , حبها للمعرفة و عشقها لخباياه دفعها لأن تبحث عن العلم  ببطاقات ليس الهدف منها السحر و الشعوذة و التنبؤ بالغيب , أي ليست لغايات بعيدة عن الدين الكنسي, فكيف يدّعون أن التاروت هو توقع المستقبل و كانت هذه العائلة تابعة بالفكر و الدين للكنيسة؟

أليس غريب أن يسمح في ذلك الوقت بأمور العرافة و في العائلات النبيلة !

أي أن الغرض منها لم يكن كما ظننّا, بل تجسيد العلم و الفكر برسوم و رموز وألوان محددة الغرض, المتعمق فيها هو الذي يستطيع أن يعرف إلام تشير بمعانيها.

إن لاحظت في الواحد و العشرين بطاقة , بطاقة المجنون كما يدعونه, كل بطاقة منها لها قصة و حكاية, و الأهم لها حكمة تريد أن تخبرك إياها, ليس كل ما يحكى منطوق وإنما اللذة في أن تكتشفها أنت في بصيرتك .

جسدوا ما أحسوا به و أرادوا أن يرتقوا بتفكيرهم من خلال الرسم و الفن, عليك أنت أن تفك رسائلهم الفكرية و لا تشوهها في غاية التكهن و التبصير.

انظر إلى كنز عائلة فيسكونتي و قارن بينها و بين الحاضر منها.

ألم تلاحظ أن فيها رائحة التاريخ الأندلسي! ألم تلاحظ أيضاً الشبه في نقوشها و رسومها بالرسومات الموجودة على المساجد الاسلامية, كيف أثرت حضارة بني الأحمر و ما قبلها من حضارات حتى بعد سقوطها و خروجها منها على النهضة الاوربية, الذكاء هنا أن تستفيد من ما قدمه لك السلف و لو كان غريباً.

بعد عائلة فيسكونتي و انتشار هذه البطاقات , ظهرت في فرنسا عن طريق كروت مارسيل, انظر إلى بطاقاته , مازالت محافظة على المعنى الأصلي لها قبل ما تشوهها الاغراض التجارية.

 إن لاحظت في بطاقة المجنون , هذه البطاقة تصف شخص عشريني يتمتع بالعفوية و النشاط , حكايته السفر مع كلبه الأنيس, لا يخشى الوقوع أو الانهيار, فهو يتكل على الله في كل بداية له في حياته إلى أن يصل إلى النهاية أي تكملة البطاقات الأخرى, فهي حكاية تبدأ منه و ينتهي مشواره إلى بطاقة العالم.

الامبراطور رابع بطاقة, رقم أربعة هو  رمز الاتزان و الاستقرار, القوة و الحكمة و الصلابة و أهمها الأمان الممزوج بالنفوذ, كيف يمكن للامبراطور أن يفصح عن قوته بهذه البطاقة يا ترى؟

دقق في  النسر الفارد بأجنحته و المسيطر على عرش امبراطوره , هنا أنت في مأمن .

في نهاية هذه المجموعة التي أراها شفافة إلى حد كبير في حفاظها على المعاني الرئيسية للتاروت, قبل أن ينتقل إلى يد رايدر ويت الامريكي  الذي حول مفهومها إلى خط مختلف تماماً عما هي في الأصل, حيث نقل صورته  في حركته المعروفة بالفجر الذهبي التي تؤمن بالسحر و الشعوذة , اختلفت صورة التاروت كلياً و حولها برؤته هو, بإيمانه بالسحر و هدف إلى تغيير مفهومها و خروجها عن الهدف الأساسي من وجودها و هو العلم إلى الكشف في عالم الغيبيات و الدجل و الخداع.

كيف انتقل التاروت إلى الشرق و كيف استخدم؟

انتقل عن طريق رايدر ويت ولا يوجد دليل أو إثبات بأن الفراعنة قد استخدموه من قبل,

أصبح الآن أكثر من عشرة آلاف قناة تاروت على اليوتيوب مختصة بقراءة الطالع و الأبراج و معرفة أسرار الحبيب و الكشف عن نواياه و خطواته القادمة و ما مصير العلاقة و إلخ..

كيف تحول العلم إلى جهل هدفه المادة و الربح التجاري, و كيف أثبت نفسه عند العقول العربية خاصة بأن ما يقال و ما يتنبئ به هو صحيح؟

هل فعلاً عند بعض الممارسون لهذا الفكر لديهم البصيرة؟ أم كما يقولون أن الطاقة هي التي تريهم المستقبل سواء كانت عاطفي أم سؤال اجتماعي؟

هل هذا هو ما فهمناه من بطاقات التاروت الفكرية في أصلها التي تدعوك إلى التفكر و التمحيص في العالم الداخلي فيك قبل العالم الخارجي؟, في إحدى القنوات هناك سيدة أخذت منحى مخالف تماماً لما هو سائد الآن, كانت قد بدأت بتحفيز العقل العربي ليتعلم من التاروت تحليل شخصيته و التعمق فيها, فأخذت تشرح معاني البطاقات مرتكزة على قواميس و معاجم تاريخية في أغلبها لفك الطلاسم و العودة إلى التاريخ.

مدام (ر) حاولت تنشيط الفكر العربي الملوث بالسحر لترتقي به إلى مستوى أعلى و مختلف تماماً عما يصوره البعض, عادت إلى التاريخ و إلى الصوفية في البحث عن الحقيقة , ترجمت الرموز بمصداقية و أخذت في قناتها إرجاع نسب التاروت إلى الحضارة الاسلامة ففي وجهة نظرها بأن العهد الاسلامي عندما كان في اوروبا أبدع في فكره و تصوره , فمثل ما قامت المسيحية بتبني التاروت و نصرنته, لابد للإسلام بأسلمته هو أيضاً, ليس بالتنبؤ بل بالتفكر و التعمق .

في البطاقة رقم ثلاثة عشر تدعى بطاقة الموت, و هي في الحقيقة بطاقة الولادة بعد الموت , تميت في داخلك كل ما مضى و تدفعك إلى الأمام لتبدأ من جديد.

تقول مدام (ر) بطاقة الموت هي موت من أجل الولادة, هناك أشياء في داخلنا علينا أن نقتلها كي نتحرر و نصل للذات الحقيقية, و بما أنني مقتنعة تماماً بأن مهمة التارو ليس لكشف الغيب و لكن في كتاب مرسوم بدلالات رمزية و دعوة من اجل التأمل و الدخول بعالم الملكوت و الوصول للإنسان الكامل, في رؤيتي لهذا العلم الذي تلاعب به مشجعو الكهانة و تم نقله بشكل خاطئ كليا للمجتمع العربي و بعيدا كل البعد عن مضمونه الحقيقي.

تقول مدام (ر) أيضاً , خسرت عملي و مالي و اكتشفت مع رؤيتي في التارو تقديم الدعم النفسي و مواجهة الأنا و القسوة عليها بالحديث مع الناس و النظر في مشاكلهم هو المنجد الوحيد لي و فعلا حققت حلمي على أرض الواقع ها أنا في مشروعي التجاري أقوده بتوفيق من الله, قرأت ما يفوق العشرين كتاباً خلال السبعة الشهور الماضية فهل تمتلك أنت أيضاً هذه القوة لتضحي بأشياء متعلق بها و لكنها تعوقك على التقدم؟

نظرة إلى أقدم أنواع التارو المكتشف في فلورنسا إيطاليا..

كاتبة اردنية

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. مهارات وكتابات لا تفيد احد
    وآمل أن يفيد اعتذاري عما سلف

  2. الأخت ميادة ،
    تحية طيبة لك وبارك الله باسم عاءلتك الموقرة
    مقالة ذكية جدا تدل على كاتبة مرموقة تجيد
    استخدام القلم لتظهر للناس انه كلما تعلمنا
    وجدنا اننا كم كنا جهلاء
    شكرا على مقالتك ونحن بانتظار ماسيخطه قلمك
    الراءع

  3. إن الأحبار اكثر وزن في الكون من الكون نفسه ، انه ليس بجماد بل حي وهو يسكب ، إنه يمثل روح من يكتب ، ممتليء بالمشاعر والإحساس، ممتليء بالفكر والأفكار يري ويسمع والأهم من ذلك هو أنه حي يرزق .
    في يد من يمسك القلم .

  4. .د. مازن
    سيّدتي رائع جداً ما كتبت
    فالتارو أصلاً هو دعوة للتأمّل بداخل الشخص وهو فقط لتحريض أناه الباطنيّة بإلغاء ما يُحيط به من إنشغالات، أي دخول الإنسان في لحظة تأمّل داخليّة بحته وإستجلاء من يكون .
    د. مازن

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here