مولود بن زادي: كوفيد-19: مخاطر مأساة صحية غير مسبوقة تلوح في سماء الجزائر!

 

 

مولود بن زادي

في 24 فبراير/ شباط، سجلت الجزائر أول حالة لفيروس كورونا. الحالة الأولى هذه أثارت اهتمام المسؤولين الجزائريين أكثر من المواطنين المنشغلين بالحراك الشعبي والوضع السياسي وشؤونهم اليومية.

الإغلاق يشل الجزائر

وفي يوم 17 مارس/آذار – أسابيع بعد ظهور أول حالة لكوفيد-19 – أعلنت الحكومة الجزائرية إغلاقا كاملا للحدود ووقف الرحلات الجوية الخارجية والمظاهرات والتجمعات. قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون آنذاك مبررا هذا القرار: “الحكومة الجزائرية كانت تتابع الوباء منذ بدايته، وكنا السباقين لإجلاء رعايانا من مدينة ووهان الصينية التي انتشر فيها الفيروس.” الرئيس الجديد سارع إلى طمأنة الجماهير بتحكم الدولة في الأمور قائلا: “منذ بروز أول حالة ورجال الدولة ناجحون في إبقاء الوضع في مستويات دنيا، والوضع تحت السيطرة.”

وتوالت الإجراءات الوقائية بعد ذلك حيث أعلنت الحكومة الجزائرية يوم 19 مارس/آذار تدابير جديدة تضمنت غلق المقاهي والمطاعم، وتعليق الرحلات، ووقف وسائل النقل الجماعي العمومية والخاصة داخل المدن وبين الولايات، وأيضا حركة القطارات. الإجراءات الجديدة تضمنت أيضا تسريح الموظفين والاحتفاظ فقط بمستخدمي المصالح الحيوية الضرورية على أن يحتفظوا برواتبهم، فضلا عن تسريح النساء العاملات اللواتي لهن أطفال صغار. أتى هذا الإجراء في أعقاب إغلاق مماثل بادرت إلى اتخاذه حكومات أخرى للحد من انتشار الوباء على منوال الحكومة الفرنسية التي أعلنت ذلك في يوم 14 مارس/آذار.

قلة الوعي الاجتماعي

ما ميّز الإغلاق الجزائري منذ بدايته مقارنة مع دول مجاورة مثل فرنسا انتهاكات يومية خطيرة لإجراءات الوقاية والحذر التي أصدرتها وزارة الصحة الجزائرية لا سيما إجراء التباعد الاجتماعي الضروري للحد من انتشار كوفيد-19. أحداث صادمة يومية شهدتها ولايات الوطن منذ صدور القرار، تتناقلها بالصور والفيديو مواقع التواصل الاجتماعي. أطفال وشباب ينتهكون إجراء حظر التجول، يهرعون إلى منازلهم بمجرد مشاهدتهم رجال الأمن الساهرين على تطبيق الحظر الليلي، ليخرجوا بعد ذلك ويتجمعون في سلوك أشبه ب”لعبة القط والفار”. المشاهد الصادمة أظهرت أيضا مخالفة التجار تعليمات الحكومة  بمواصلة نشاطهم اليومي سرا. تجار الألبسة والأحذية والأقمشة والـمنسوجات وأصاحب المقاهي يتورطون في البيع خفية، يعجّل بعضهم بإدخال فوج من الزبائن خفية. وخلف الأبواب المغلقة يتزاحم الزبائن لاقتناء ما يحتاجونه قبل المغادرة، ليُسمح بعد ذلك بدخول أفواج أخرى والتسوق بكل حرية في أماكن ضيقة مغلقة في اختراق صارخ لقواعد الإغلاق وتهديد خطير للصحة العامة! يضاف إلى ذلك الزحام الشديد الذي تعرفه الشوارع والأماكن العامة مع بداية شهر رمضان. مشاهد أخرى مرعبة تتولى من كل ولايات القطر عن زبائن يتدافعون للحصول على مواد ضرورية كأكياس الحليب والدقيق، وأخرى كمالية مثل حلويات الزلابية والقلب اللوز وأطعمة رمضانية أخرى! الصور الصادمة تُظهر بجلاء ازدحام الأحياء والمحلات وانشغال الزبائن والباعة في عمليات البيع والشراء دون مراعاة التباعد الاجتماعي أو ارتداء كمامات أو قفازات وقائية في مدن ما برحت تشهد ارتفاعا في حالات الإصابة بالفيروس القاتل!  شهادات حية أخرى من الجزائر تقرع ناقوس الخطر بالإشارة إلى عدم احترام الحجر الصحي المنزلي بمغادرة مصابين بيوتهم قبل انتهاء المدة المحددة واحتكاكهم ببقية المجتمع! يرتكب جزائريون أخطر تجاوزات صحية في وقت يلتزم مواطنو الأمم الأخرى بالإغلاق الأكثر صرامة في تاريخهم أدّى إلى خلاء شوارع أكبر المدن في العالم!

القرار المبكر

في مثل هذه الظروف، صدر قرار الحكومة الجزائرية تخفيف إجراءات الإغلاق حيث جاء في بيان رئاسة الحكومة يوم 25 أبريل/نيسان: “أصدر الوزير الأول، عبد العزيز جراد، اليوم السبت تعليمات إلى الدوائر الوزارية الـمعنية، وكذا إلى ولاة الجمهورية، من أجل توسيع قطاعات النشاط وفتح محلات تجارية، بغرض الحد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية للأزمة الصحية”.

القرار تضمن فتح قاعات الحلاقة، والمرطبات والحلويات، والـملابس والأحذية، ومحلات بيع الأجهزة الكهرومنزلية، وأواني الـمطبخ، وتجارة الأقمشة والخياطة والـمنسوجات، وتجارة الـمجوهرات والساعات، ومحلات بيع مستحضرات التجميل والعطور، وتجارة الأثاث والأثاث الـمكتبي، والـمكتبات ومحلات بيع اللوازم الـمدرسية، وتجارة الجملة والتجزئة لمواد البناء والأشغال العمومية وغيرها.

وقد تزامن قرار تخفيف الإغلاق الجزائري مع قرارات مماثلة اتخذتها دول متطورة على غرار فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، مع اختلاف كبير هو اتجاه الدول المتقدمة نحو احتواء الوباء بعد أسابيع طويلة من الإغلاق الصارم الذي ميّزه احترام المواطنين التعليمات الصحية، واتجاه الوضع نحو التفاقم والانفلات في الجزائر التي خالف مواطنوها تعليمات وزارة الصحة وقواعد الإغلاق. التقارير والأرقام الغربية أكدت بلوغ هذه الدول أدنى نسبة من الإصابات، وهو ما يدعم قراراتها تخفيف الإغلاق. وعكس ذلك تماما، تؤكد التقارير ارتفاع نسبة الإصابة بكوفيد-19 في الجزائر إلى 4,006 حالة، وزيادة عدد الوفيات إلى 450 وفاة، وهو ما يدعونا إلى التساؤل عن جدوى قرار التخفيف في مثل هذه الظروف الخطيرة قبل إجراء اختبارات واسعة على مستوى الوطن لمعرفة نسبة المصابين وعزلهم للحد من العدوى وإعداد خريطة طريق منظمة ووضع الترتيبات اللازمة لضمان التباعد الاجتماعي والتعايش الحذر مع الفيروس.

التجربة الإسبانية

 الإجراء الجديد يدعونا أيضا إلى التساؤل عن سبب عدم سعي الجزائر للاستفادة من تجارب نماذج عالمية ناجحة استطاعت التغلب على الوباء مثل كوريا الجنوبية ونيوزيلندا، أو ربما الدول السائرة في طريق قهر هذا الوباء مثل إسبانيا، وبريطانيا.

فقد تغلبت كوريا على الوباء بفضل استراتيجية الفحص والمتابعة والعزل حتى أنها أعلنت عدم تسجيل إصابات جديدة. وإسبانيا، رغم ما حققته من نتائج إيجابية في حربها على الوباء حيث بلغت نسبة الوفيات والعدوى أدنى درجاتها، إلا أنها توخت الحذر في مسألة تخفيف الإجراءات. ففي يوم 27 أبريل/نيسان أصدرت الحكومة خريطة طريق حذرة مكونة من 4 مراحل كاملة إلى غاية شهر يونيو/حزيران، مؤكدة على ضرورة تطبيق التباعد الاجتماعي وارتداء كمامات تجنبا للعدوى. ومن الشروط التي فرضتها إسبانيا على مواطنيها ضمن إجراءات التخفيف السماح لهم بالخروج للمشي وممارسة الرياضة من 6.00 إلى 10.00 ومن 20.00 إلى 23.00 مع منع اختلاط الأطفال والبالغين. وأكدت الحكومة أيضا أن التخفيف يخضع لمراقبة مستمرة وأنه قابل للمراجعة والتعديل وحتى الإلغاء في حالة تفشي الوباء مجددا. الإجراءات الصارمة أتت بثمارها 74 وفاة (24 مايو/أيار) مقارنة ب 913 وفاة (30 مارس/آذار).

التجربة البريطانية

وفي المملكة المتحدة، انتظر البريطانيون طويلا تعافي رئيس الوزراء بوريس جونس من داء كورونا واستئناف نشاطه السياسي لمعرفة موعد تخفيف إجراءات الإغلاق التي كان لها بالغ الأثر في الاقتصاد الوطني ومعنويات البريطانيين. لكنّ رد بوريس جونسن كان مخيبا للآمال، إذ صاح قائلا: “أرفض التخلي عن تضحية الشعب البريطاني!” بوريس جونس أكد أنه يقدّر مخاوف البريطانيين من الأضرار الاقتصادية مضيفا: “ولكننا لن نخاطر بإنهاء الإغلاق في وقت مبكر جدًا.” هكذا كان رد الحكومة البريطانية على تساؤلات المواطنين المتعطشين إلى العودة إلى الحياة الطبيعية رغم تحسن الوضع في بريطانيا وهو ما أكده بوريس جونسن عندما قال: “لقد بدأنا الآن في قلب الموازين”. ما يقصده رئيس الوزراء هو انخفاض حالات دخول المستشفى وانخفاض نسبة الوفيات وحالات العدوى في بريطانيا، وهي كلها معطيات أثبتتها التقارير والأرقام. ففي يوم 27 مارس/آذار بلغت نسبة الوفيات في بريطانيا أعلى نسبة بتسجيل 980 حالة واليوم تقلصت إلى 121 حالة (25 مايو/أيار). وما زالت المحلات مغلقة إلى يومنا هذا.

 بريطانيا ودول غربية وأسيوية أدركت منذ البداية أن اختبارات الكشف عن الفيروس هي السبيل الوحيد لمعرفة مدى تفشي الوباء واحتوائه. وهو ما دعا إليه عالم الأوبئة تولبرت نينسوا، أستاذ جامعة جون هوبكنز الأمريكية عندما قال: “لا يمكنك معرفة التأثير الحقيقي للفيروس، أو اتخاذ الإجراء المناسب إذا كنت لا تعرف عدد الأشخاص المصابين”. وهكذا راحت بريطانيا تسابق الزمن محققة أكثر من 100 ألف فحص يومي وهي اليوم تسعى لبلوغ 200 ألف اختبار يومي مع نهاية الشهر الحالي. في المقابل تبقى هذه الاختبارات محتشمة في الجزائر (ما يناهز 400 فحصا في اليوم)، وهو ما لا يسمح مطلقا بمعرفة سعة انتشار الفايروس لاحتوائه.

تخفيف الإجراءات في أوج أزمة كورونا في مجتمع أثبت عدم امتثاله لتعليمات وزارة الصحة يوما بعد يوم رهانٌ خطر يفضي إلى زيادة النشاط الاجتماعي وتكثيف الحركة والاحتكاك لا سيما في الأحياء الشعبية التي عادة ما يتزاحم فيها المواطنون تأمينا لاحتياجاتهم اليومية من المواد الضرورية كالدقيق والحليب. يضاف إلى ذلك نقص الوعي وقلة الشعور بالمسؤولية من جانب المواطن بل عدم اكتراثه في بعض الأحيان، ما يؤكده اكتظاظ الأرصفة والمحلات واستمرار الحياة بشكل الطبيعي كما لو أنّ الفيروس لم يوجد، وهو ما يزيد الوضع خطورة.

أي خروج من الإغلاق يجب أن يتم عبر مراحل مدروسة، وفق خارطة طريق متوازنة، ومع فرض شروط لضمان التباعد الاجتماعي ومراقبتها. ولا تُخفف الإجراءات إلاَّ بعد التأكد من انخفاض عدد الوفيات وحالات العدوى واحتواء الوضع. ولا سبيل إلى ذلك إلاَّ بتكثيف اختبارات الكشف اليومية لتبلغ عشرات الآلاف، وهذه هي الاستراتيجية المثمرة التي اتبعتها دول أخرى في آسيا وأوروبا للتغلب على كوفيد-19. وفي غياب كل ذلك، فإن تخفيف إجراءات الإغلاق  ينذر باحتمال تفشي الوباء مجددا في أنحاء المدن وانفلات الوضع وحلول أكبر كارثة صحية في تاريخ هذا البلد الشمال إفريقي قد تتجاوز الأرقام المأسوية التي بلغتها دول متطورة كانت السباقة لفرض إجراءات صارمة، تفاعل معها مواطنوها إيجابيا.

طيور مهاجرة حرة – بريطانيا

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. الجزائر دولة عربية، وكان على الكاتب مقارنة وضعها مع مثيلاتها في المغرب الغربي كتونس والمغرب اللتين تحققان النجاحات تلو الأخرى لقهر هذه الجائزة.
    مصطفى العربي

  2. لا مخاطر ولا هم يحزنون كل يوم اقل من 10موتى و في غرف الانعاش يوجد أقل من 26 مصاب ، لا يجب التهويل.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here