مولود بن زادي: “بائع الحليب” لآنا بيرنز: تصوير صادق للصراع الطائفي في إيرلندا الشمالية

مولود بن زادي

الفوز بالجوائز الأدبية الكبيرة لا يصحبه شعورٌ بالمسرّة والإثارة فحسب، بل أيضا شعور بالحيرة والصدمة أحيانا. كانت تلك حال الكاتبة الإيرلندية (آنا بيرنز) بعد فوزها بالجائزة العالمية مان بوكر للرواية في 16 تشرين الأول /أكتوبر 2018، برواية “بائع الحليب” The milkman لتكون أول روائية من إيرلندا الشمالية تتوج بهذه الجائزة منذ تأسيسها سنة 1969. عبّرت عن شعورها في لقاء صحفي فقالت: “أعتقد أنّ أثر الصدمة لم يزُل بعد.. فأنا لست متعوّدة على الفوز بجائزة بوكر. ليس هذا من طبيعتي. لكنه رائع للغاية.. إنه هدية رائعة!”

الرواية الأكثر تحدياً

اللافت في هذا العمل هو عدم تحديد أسماء الشخصيات التي تؤدي أدوارها في مسرح الرواية، ولا حتى اسم البطل نفسه “بائع الحليب”.

أسماء الأماكن هي الأخرى تبقى مجهولة، مع أنّ ذلك لا يمنعنا مطلقا من التعرف على المكان الذي تقع فيه الأحداث وهو المقاطعة نفسها التي نشأت فيها الكاتبة آنا بيرنز، إيرلندا الشمالية، قبل رحيلها عنها إلى لندن سنة 1987.

الرواية ترحل بنا إلى سبعينات القرن الماضي وبالتحديد إلى عاصمة المقاطعة، بلفاست، في أوج سنوات الصراع الطائفي بين الكاثوليك المؤيدين لاستقلال المقاطعة عن بريطانيا وإلحاقها بجمهورية إيرلندا والبروتستانت المساندين للبقاء في التاج البريطاني.

غياب الأسماء في هذه الرواية نلمسه انطلاقا من العنوان نفسه، وهو عتبة النص وفاتحته. فالعنوان Milkman (بمعنى بائع الحليب) يدخلنا في حيرة من أمرنا ونحن نسعى لاستكشاف دلالاته وفك رموزه. فهو لشخصية تبقى مجهولة الاسم إلى آخر الرواية المؤلفة من 368 صفحة. وما يزيدنا حيرة هو اكتشافنا في مطلع الراوية أنّ “بائع الحليب” لم يكن يبيع الحليب، ولم تكن له في الواقع أي صلة بالحليب! إذ تقول عنه: “لم يكن يأخذ أوامر الحليب. ولم يكن يوزّع الحليب. ولم يكن يقود شاحنة حليب، بل كان يقود سيارات مختلفة.”! وقد أشارت صحفٌ ناطقة باللغة الإنجليزية مثل (الجارديان) البريطانية إلى هذا الغموض الذي يكتنف الرواية، ووصفتها صحيفة (الواشنطن بوست) الأمريكية ب: “الرواية الأكثر تحديا.”

وقائع تتعدّى حدود إيرلندا وبريطانيا

دلالات العنوان تتضح شيئاً ما على لسان الرَاوِية وهي فتاة في الثامنة عشر من عمرها، مجهولة الاسم أيضا. تصوّر لنا هذه الفتاة “بائع الحليب” على أنّه رجل كبير في السن، في الواحدة والأربعين من عمره، ومتزوج، يسعى للتقرب منها. وتتضح لنا ردة فعلها على ملاحقته لها منذ البداية في قولها: “لم يعجبني بائع الحليب، وقد شعرت بالخوف والارتباك بسبب ملاحقته ومحاولته إقامة علاقة غرامية معي.”

ما يسترعي الانتباه في هذه الرواية أيضاً اكتشافنا النهايةَ الدرامية لهذه القصة في الصفحة الأولى وهي مقتل البطل، بائع الحليب، في قولها: “قتل رميا بالرصاص على أيدي إحدى فرق الاغتيال التابعة للدولة.” وفي مطلع الرواية أيضاً، نتعرّف على ردة فعلها عند سماعها بمقتل هذا الرجل الذي كان يلاحقها، في قولها: “أنا لم أبالِ بمقتله.”

عدم تحديد المكان في هذه الرواية له ما يبرّره بكل تأكيد، إذ يُرجّح أن يكون لأجل إضفاء طابع إنساني وعالمي شامل على هذا العمل. فمع أنّ الأحداث وقعت في إيرلندا الشمالية وبالتحديد في عاصمة المقاطعة بلفاست، إلاَّ أنها تكتسي أبعادا إنسانية تتجاوز حدود إيرلندا والجزر البريطانية ككل. فالصراعات العرقية والدينية ظاهرة تلازم الإنسان منذ قديم الزمان، ولا تقتصر على مكان دون آخر. والأعمال الإرهابية اليوم، التي لا تحدّها حدود، تضرب أقطاراً، وتهلك بشراً في سائر أنحاء الدنيا.

سرد واقعي

تحرص الكاتبة منذ الصفحات الأولى للرواية على تصوير واقع المرأة في سبعينات القرن الماضي ومعاناتها من هيمنة الرجل والتمييز الجنسي. فالمجتمع لا يتسامح مع المرأة التي “لا تعترف بتفوق الذكور”، كما تقول. وتنتقد القيود المحاطة بالمرأة والحدود القائمة بين الذكر والأنثى، وما من حق الأنثى أن تقوله وما لا يجوز لها مطلقا أن تقوله. هكذا أحسنت المؤلفة تصوير واقع المرأة في مجتمعٍ مزّقه الخلاف والعنف من خلال سرد واقعي دقيق نشعر فيه أن الكاتبة حاضرة في هذا المكان، وهو ما أكدته آنا بيرنز لاحقاً حيث اعترفت في مقابلة أنّ الرواية مقتبسة من تجربة شخصية مؤكدة أن الأحداث مرتبطة بالبيئة التي عاشت فيها: “لقد نشأتُ في مكان يتسم بكثرة العنف وانعدام الثقة… يعج بأفراد يسعون كل مسعى للمضي في طريقهم والبقاء على قيد الحياة في ذلك العالم.”

وليس من شك في أنّ اختيار المؤلفة السرد بضمير المتكلم أعانها على التوغل إلى أعماق الفتاة صاحبة الضمير، والتعبير عن أدقّ مشاعرها، وأخفى أفكارها، ووصف تجاربها، وتصوير الأحداث المحيطة بها، في بيئتها، بطريقة مونولوجية استذكارية واعترافية، ونقلها بطريقة طبيعية تلقائية لا تُشعر أحدا بالتكلف.

مناخ سياسي اجتماعي مضطرب

اللافت في هذه الرواية أيضا تسليط الأضواء على الواقع السياسي الاجتماعي المتأزم الذي كانت تعيشه إيرلندا الشمالية أثناء الحرب. إنها الحرب الأهلية التي فرقت شمل المجتمع وأشعلت نار الفتنة بين أسره وأفراده. هذا الواقع خلق “أجواء سياسية ونفسية خاضعة لأنظمة الولاء والهوية القبلية وما يجوز وما لا يجوز.”

الصراع والانقسام في هذا المجتمع، مثلما توضّح المؤلفة، بلغا حد الحديث عن: “أسمائهم وأسمائنا”، “عنا وعنهم”، عن “مجموعتنا ومجموعتهم”… ولم يتوقف الخلاف عند ذلك الحد، بل امتد إلى حد النشاطات الترفيهية والبرامج التلفزيونية. صار هناك برامج حيادية يستطيع أن يشاهدها الجميع “في هذه الجهة من الطريق” وفي “تلك الجهة من الطريق” دون أن تؤثر في الولاء لأية مجموعة. وثمة برامج لا تنظر إليها طائفةٌ على أنها خيانة لكنها تثير الكراهية والحقد في الجهة المقابلة للطريق. “وكان ثمة مفتشو رخصة التلفزيون ومدنيون وموظفو القطاع العام، تتعامل معهم مجموعةٌ بتسامح بينما يسقطون رميا بالرصاص إذا وطأت أقدامهم تراب المجموعة الأخرى.” وكان الانقسام بارزا أيضا في نوع المدرسة والمحل التجاري والطعام والشراب. حتى الشاي لم يسلم من ذلك فقُسِّم إلى “شاي الولاء” و”شاي الخيانة”!…

معاناة الفرد والأسرة

هذا الواقع تميزه أيضا معاناة نفسية ومشاكل أسرية على منوال هذا الوالد الذي كان يهتم بالسياسة وينسى أسرته، فتقول عنه: “يمضي ساعات أطول مما ينبغي في قراءة الجرائد، ومشاهدة الأخبار، والاستماع إلى الإذاعات، والتحدث في الشارع عن آخر صراع سياسي، مع جيران يشتركون معه في التفكير.”

وهذا الواقع يتميز أيضا بالاعتداءات والظلم وحتى السكوت على الظلم والمعاناة في صمت بسبب الأوضاع المتأزمة وقلة الثقة: “عندما كان والدي على قيد الحياة، نادرا ما كان يتحدث معنا، وبينما كان في فراش الموت، كان آخر ما قاله لي، وربما آخر ما تلفّض به في حياته: (تعرضتُ للاغتصاب مرات كثيرة وأنا صبي، هل سبق أن أخبرتك بذلك؟) عندئذ، لم يخطر ببالي إلا جواب واحد (لا).”

مع أنّ أحداث رواية “بائع الحليب” تقع في سبعينات القرن الماضي، في بلفاست، إلاَّ أنها تنطبق على واقعنا هذا الذي لا يخلو من أعمال العنف والإرهاب والخوف وانعدام الثقة، فضلا عن معاناة المرأة من هيمنة الرجل والتحرش الجنسي وسوء المعاملة في المجتمع.

رواية “بائع الحليب” لا تصوّر معاناة فتاة فحسب، وإنما مجتمع برمته مزقت شرايينه خناجرُ صراع دموي عنيف في فترة من فترات تاريخه. وإن كانت الحرب قد وضعت أوزارها بتوقيع اتفاق الجمعة العظيمة في سنة 1998، فإنّ آثار هذا الانقسام مستمرة، والأخطار قائمة إلى يومنا. وما مقتل الصحفية ليرا ماكي في كريجان في ديري/ لندنديري يوم الخميس 18 أبريل بنيران “الجيش الجمهوري الإيرلندي الجديد” إلاَّ مثال بسيط على استمرار الصراع في هذه المقاطعة.. إنه وضع متأزّم مرير، كان وما زال قائما إلى يومنا هذا، أحسنت آنا بيرنز تصويره من خلال هذا العمل الواقعي المتوّج بالجائزة العالمية.

طيور مهاجرة حرة – بريطانيا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here