مولود بن زادي: المدن الذكية: تشترك في حاجتها إلى التكنولوجيا وتختلف في احتياجاتها وطموحاتها

مولود بن زادي

 في عالم يتسم بالنمو الديمغرافي السريع وكثرة الازدحام المروري وزيادة الضغط على الخدمات العامة، ظهر مفهوم “المدينة الذكية” وظهرت معه الحاجة إلى إنشاء مدن راقية تعتمد على استخدام الحلول التكنولوجية لتحسين الخدمات، وتعزيز الكفاءة، وتقليص التكلفة، وتحقيق الازدهار الاقتصادي، ورفع مستوى المعيشة، وتحسين نمط حياة المواطنين، وضمان سلامتهم وأمنهم ورفاهيتهم.

تقرير (استراتيجيات المدينة الذكية – مراجعة شاملة 2017)

وقد رحبت مدن العالم بهذا المفهوم، ومضت في طريق تصميم استراتيجيات ووضع مشاريع، لكنها بعد ذلك اصطدمت بواقع صعب. فطريق بناء المدينة الذكية بدا طويلاً وشائكاً نتيجة التحولات التي يتطلبها لتجسيد ذلك في الواقع.

وإن اشتركت هذه المدن في رغبتها في أن تصير مدناً ذكية، وحاجتها إلى استخدام حلول تكنولوجية لتحقيق ذلك، فقد اختلفت استراتيجياتها وطموحاتها مثلما نرى في تقرير استراتيجيات المدينة الذكية – مراجعة شاملة 2017، المؤلَّفِ من 44 صفحة، والذي يذهب أبعد من ذلك ليشرح لنا تطور المدينة الذكية، وسبل إنشاء استراتيجياتها، وطرق تنفيذها، إضافة إلى عرض توصيات بشأنها، وهي كلها مواضيع واسعة يطول الحديث عنها. فما هي طموحات استراتيجيات المدينة الذكية؟ وما الذي تحتاجه مدننا العربية أساساً لتحقيق ذلك؟

تطور مفهوم المدينة الذكية

لاستراتيجيات المدينة الذكية طموحات واسعة تشمل مجالات متعددة مثل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والبيئة. وقد انتقلت هذه الطموحات مع مر الزمن من تحقيق كفاءة في تقديم الخدمات إلى تحسين جودة الحياة للمواطنين، وإشراك الجماهير، وتوفير سلامة المواطنين وأمنهم. وهكذا تطور مفهوم المدينة الذكية من استراتيجية تقودها التكنولوجيا إلى استراتيجية محورها المواطن، يشارك فيها باقتراحاته بشأن تحويل الخدمات وإرساء البنية التحتية لأجل تحسين حياة المواطنين.

 التكنولوجيا عامل لتحسين الخدمات وخلق الكفاءة

يرى كثير من المدن الحلول التكنولوجية عاملاً لتحقيق أهداف مثل تحسين الخدمات والكفاءة وتقليص التكاليف في وقت يتسم بالنمو الديمغرافي السريع، والازدحام، والضغط على الخدمات العمومية. من هذه المدن برلين الألمانية التي تعرف زيادة ديمغرافية لم تشهدها من قبل، ومدينة ووهان الصينية التي تراهن على استخدام التكنولوجيا لحل مشكلة الازدحام المروري.

تحقيق طموحات اجتماعية

وتتمثل في استخدام الحلول التكنولوجية للحد من الجريمة، ونشر الأمن، وتحسين مستوى المعيشة، وإشراك المواطن، وزيادة النمو الاقتصادي، على منوال مدينة مانشستر البريطانية التي يعاني بعض أحيائها من الحرمان الذي أفرزته الثورة الصناعية، حيث تسعى السلطات لتحسين الإنتاجية والخدمات الصحية وتحقيق الرفاهية. مدينة هلسنكي الفنلندية، من جهتها، تسعى لإشراك المواطن في عمليات البناء والتجديد. أما برشلونة الإسبانية فقد اعتمدت في البداية على التنمية الاقتصادية.

خلق مدينة عادلة وشاملة

من جملة ذلك ضمان استفادة الشريحة المعوزة في المجتمع من الحلول الرقمية، وتجنب الإقصاء الرقمي وما يحمله من آثار سلبية، وضمان استفادة كل المواطنين من المشاريع الممولة. من هذه المدن جوهانسبرج الأفريقية التي تسعى لاستخدام التكنولوجيا لتحقيق مجتمع مزدهر، منصف، وعادل، متحرر من التعصب العنصري والجنسي. ذلك أيضاً من انشغالات مدن أمريكية مثل شيكاغو ونيويورك التي تعتبر تحقيق العدل والمساواة أولوية حيث أثبتت التقارير أن 45 بالمائة من السكان في خانة الفقر أو ما يقارب ذلك.

 إشراك المواطن والشفافية

يولي عدد متزايد من المدن في العالم اهتماما خاصا بمشاركة المواطن في القرار السياسي من خلال الإنترنت، بإبداء آراء لحل مشاكل تخص مدينتهم، لتتولى بعدها الأقسامُ المختصة اختيارَ الأفكار المناسبة وتنفيذها بينما يتابع المواطن تقدُّمَ تنفيذ الأفكار.

وتعتبر المبادرات الذكية، التي تدعو إلى استخدام البيانات المفتوحة، أفضل سبيل لتعزيز الشفافية في التعاملات وتقليص فرص الفساد. في كينيا تجتهد الحكومة لإدخال خدمات الدفع الإلكتروني مثل دفع فواتير المياه والكهرباء للحد من خطر الفساد وتحقيق الشفافية. دول أمريكا اللاتينية أيضا تسعى للاستفادة من الحلول التكنولوجية لتعزيز الشفافية.

طموحات بيئية

 يعد الحفاظ على البيئة من الأهداف الأساسية لاستراتيجية المدينة الذكية في مدن مثل هلسنكي وسيدني وطوكيو. فقد أكد مدير وحدة الابتكار لهلسنكي روبي ريتفوس أنّ الهدف الأساسي لاستراتيجية المدينة الذكية هو تخفيض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون.

تحسين البنية التحتية الأساسية

 يعتبر تحسين البنية التحتية الأساسية مثل الصحة العامة وصرف المياه محور طموحات برنامج المدينة الذكية بالنسبة لمدن مثل بيون الهندية وهي مدينة تشهد اليوم تطورا سريعا في بنيتها التحتية، وتجتهد لجعل الأحياء جميلة، نظيفة، خضراء، صالحة للحياة.

ضمان أمن المواطنين والزوار

يعد ضمان أمن المواطن والسائح من أسس استراتيجية المدينة الذكية لعدد من المدن في العالم على منوال مدينة نيويورك الأمريكية التي تعتبر ذلك الهدف الرئيس للسلطات.

الترويج وجذب الاستثمار

بعض المدن والسياسيين يستخدم مفهوم المدينة الذكية للدلالة على وجود عمليات تحول وتجديد وابتكار على منوال مدن في الهند وأمريكا الجنوبية. وبعض المدن – بما في ذلك مدن أوربية – يلتحق بمشاريع المدينة الذكية رغبةً في الحصول على تمويل البحوث من الاتحاد الأوروبي مثل مدينة برلين، وبعضها لأجل جذب الاستثمار الخاص، وهذا ما أكده مدير برنامج المدينة الذكية لدبلن عاصمة إيرلندا جيمي كادن الذي ألح على ضرورة التواصل مع المستثمرين في قطاع الصناعة، والعمل عن قرب مع المؤسسات لإبراز الفرص المتوفرة في منطقة دبلن.

استراتيجيات وفق الاحتياجات

يستنتج هذا التقرير أنّ المدينة الذكية لابد أن تصمم وفق الاحتياجات المحلية بشكل خاص، وبدرجة أقل الاحتياجات الوطنية، مع إشراك المواطن، وتحسين مستويات الوعي والشفافية والمصداقية. وتصمّم المدينة الذكية أيضا لتلبي احتياجات المواطنين، وتحقق نتائج أفضل لأولئك الذين يعيشون ويشتغلون في المدينة.

استراتيجيات عربية مختلفة

واعتمادا على استنتاج التقرير الدولي، فإنّ تصميم استراتيجية المدينة الذكية العربية لابد أن يخضع لاحتياجات المدن العربية بشكل خاص، والأوطان العربية بشكل عام.

وفي وطن عربي فسيح يمتد من الخليج إلى المحيط، فإنّ احتياجات المدن ستختلف حتما. فاستراتيجية مدينة القاهرة التي تصدرت قائمة أكثر مدن العالم تلوثا، حسب دراسة نشرها موقع فوربس، ستختلف حتما عن استراتيجية مدينة إفران المغربية التي احتلت المركز العاشر عالميا نظافةً وحفاظاً على البيئة، حيث بلغت نسبة نقاء الماء والهواء فيها 100 بالمائة.

وبينما تحتاج مدن عربية كثيرة إلى تحسين بنيتها التحتية، والخدمات، وتقليص التكلفة، وتحقيق الرقي الاقتصادي، ورفع مستوى المعيشة، وتحسين نمط حياة المواطنين، فإنّ مدينة دبي، السياحية، المتطورة، والتي حققت الكثير من التطور والرفاهية، تحتاج بلا ريب إلى التركيز على مواجهة مشكلة الازدحام حيث أنها تحتل حاليا المرتبة 85 في قائمة المدن الأكثر ازدحاما في العالم.

احتياجات مشتركة..

ورغم اختلاف استراتيجيات المدن العربية باختلاف مشاكلها، وظروفها، واحتياجات مواطنيها، فإنّها تشترك في حاجتها إلى مواجهة مسائل ثقافية وحضارية مشتركة كافتقارها إلى المكتبات، وقلة الاهتمام بالكتاب والقراءة، ونقص الوعي. فهذه العوامل لا تخدم استراتيجيات المدينة الذكية التي تتطلب وعي المواطنين، وإدراكهم مفهوم المدينة الذكية، وفهمهم متطلباتها، ومشاركتهم في تشييدها. لقد انطلق مفهوم المدينة الذكية من مبدأ وضع استراتيجيات لمعالجة المشاكل التي تعاني منها المدينة والمواطن. ومسائل القراءة والتعلم والوعي لا تطرح في المدن الغربية حتى تضمها إلى استراتيجياتها، عكس المجتمعات العربية التي ما زالت تعاني منها. فمدينة لندن البريطانية، التي لا يكاد يخلو حي من أحيائها من مكتبة عمومية، ويقرأ أطفالها إلى غاية 50 كتابا في السنة، لن تضع ضمن استراتيجيتها فتح مكتبات، وتوفير الكتاب، ونشر ثقافة القراءة. أحياء لندن ومدن غربية أخرى تنتشر فيها المكتبات، تقابلها أحياء مدن عربية ممتلئة بأماكن العبادة، تختلط أحياناً أصوات المؤذنين المتعالية منها، لكثرتها. وبينما تبقى الروايات والكتب العلمية الأكثر مبيعا في المدن الغربية، تظل كتب الدين والميتافيزيقيا وتفسير الأحلام والطبخ الأكثر رواجا في المدن العربية.

 مفهوم المدينة الذكية في الأوطان العربية لن يكتمل إلاَّ بنشر الوعي بين مواطنيها وترسيخ الإيمان بالتفتّح والتقدم والحضارة وتقبل الآخر والتعاون معه خدمة للبشر والإنسانية. ولن يتحقق هذا المفهوم في الوطن العربي دون إدراك المواطن العربي معنى المدينة الذكية وشعوره بالوعي والمسؤولية والقابلية للانفتاح والتعاون والمشاركة في بناء صرح مدينة ذكية متحضرة متقبلة لأفكار وثقافات غيره. فذكاء الفرد يسبق ذكاء المدينة. وذكاء الإنسان يعني – فيما يعنيه – قدرته على التحليل، والتخطيط، وحل المشاكل، وتقبل التطور الحضاري، والتأقلم مع متطلبات العصر، وأيضاً تفهم أفكار الآخرين، ومراعاة مشاعرهم.

  طيور مهاجرة حرة – بريطانيا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here