موقفه من النزعة الامازيغية.. والححت على بومدين معاملته كنزيل وليس كسجين: أحمد بن بلّه أول رئيس جزائري كما عرفته

ahmad bin billa.jpg55

الدكتور عثمان سعدي

(ألقيت هذه الكلمة في الملتقى الدولي الذي عقد بتلمسان يومي 4 و 5 ديسمبرـــ كانون أول2016

بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده)

   عرفت أحمد بن بلّه في القاهرة ، كنت طالبا بجامعة القاهرة رفقة المرحومين قاسم زدّور المعروف بقاسم زيدون، ومولود قاسم نايت بلقاسم، وكنا الثلاثة ننتمي سياسيا لحزب الشعب الجزائري، وربطنا علاقة وثيقة معه نحن الثلاثة.

    وصول أحمد بن بلّه للقاهرة سنة 1953:

   لم أنقطع أبدا عن التردد على مكتب المغرب العربي بالقاهرة، الذي انتقل من شارع صفية زغلول إلى شارع عبد الخالق ثروت، فقد وصل ممثلان جديدان لحزب الشعب هما ، محمد خيضر، وحسين آيت أحمد، وحل الأول محل الشاذلي مكي. ومن باب الانضباط الحزبي قبلنا قرار القيادة، لكن في قرارة أنفسنا تأسفنا للاستغناء عن خدمات الأستاذ الشاذلي، الذي عرفه الوطن العربي مشرقا ومغربا، بنضاله ونشاطه الهائل وفصاحته، فقد وصل القاهرة سنة 1945 هاربا من حكم الإعدام الذي أصدرته ضده محاكم الاستعمار الفرنسي، وشارك في تأسيس مكتب المغرب العربي بالقاهرة منذ 1947 ، ومثل حزب الشعب منذ ذلك التاريخ في هذا المكتب، وكوّن صداقات مع وزراء عرب وشخصيات عربية، مع عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية، وكان الصوت الفصيح والقوي للجزائر من 1945 وحتى سنة 1953 ، وهذا العزل دفعه إلى أن ينضم لمصّالي الحاج حوسب عليه من قيادة الثورة.

   وبعد أشهر وصل شاب وسيم طويل القامة، علم مناضلو حزب الشعب أنه أحمد بن بلّه، رئيس المنظمة الخاصة العسكرية الثورية التي كنت عضوا فيها قبل حلها سنة 1950 ، واتصلت به عدة مرات فوجدت فيه الشاب المهذب الدمث الأخلاق الصلب الإرادة، فتوثقت صلتي به منذ الأسابيع الأولى لوصوله، ووجدته يختلف عن زميليه اللذين سبقاه للقاهرة، فبالرغم من ضعفه في اللغة العربية لمست فيه حبا عفويا لكل ما هو عربي، واعتزازا بانتمائه العربي وحبه للغة الضاد، وهي صفة نادرة لدى الكثير من الجزائريين المتكونين بالفرنسية.

   كنا طلبة معظمهم بدون انتماءات سياسية، وكان البعض ينتمي لحزب البيان دون أن يجاهر به، والبعض الآخر ينتمي لحزب الشعب ويجاهر بذلك. وأكثرية تتعاطف مع هذا الأخير. لكن ما أن اندلعت حوادث المغرب وتونس حتى عم الشعور بين معظم الطلبة بأن حزب الشعب هو الذي ينادي بالصواب. وأن الاستعمار لا يخرج من الجزائر إلا بقوة السلاح. كان الجدال يدور بين الطلبة في الشقة، ويستمر طويلا حول السياسة، وبخاصة مساء الخميس، وليلة الجمعة، كانوا بعد أن يتناولوا العشاء يجتمعون في البهو أو في غرفة من الغرف، يغني كل واحد منهم أغاني ناحيته بالجزائر، كانوا يمثلون نواحيَ متعددة من بلاد الجزائر. أو يتساجلون بالشعر، وكان هذا السجال يدوم طويلا، لأن دراستنا كانت في أغلبها أدبية، كانوا موزعين على كليات اللغة العربية والشريعة وأصول الدين والفلسفة والتاريخ.

   وتوطدت العلاقة بيني وبين أحمد بن بلّه الذي كان يعمل في السر، لا يظهر اسمه في أي صحيفة، بل كان تردده على مكتب المغرب العربي قليلا. وعندما كنت أسأله : متى يا حميمد تندلع ثورتنا فأنت خير من يعرف، ألم تكن قائد المنظمة العسكرية الخاصة؟ كان يجيب: صبرا، ستكون الثورة، ينبغي علينا أن نستعد لها.

   اتصاله بجمال عبد الناصر:

   بعد أسابيع قليلة قصد رئاسة الجمهورية المصرية وقدم نفسه على أنه يمثل المعدّين للثورة الجزائرية، تأثر الكاتب الذي استقبله وأخبر عبد الناصر أنه شاب يختلف عن الزعماء الذين اعتدنا استقبالهم، فحدد له عبد الناصر موعدا واستقبله فأخبره بن بلّه أنه يمثل مجموعة من الشبان الثوار الجزائريين الذين قرروا تفجير الثورة وتحرير الجزائر من الاستعمار، وأننا معتمدون عليك وعلى مصر مساعدتنا بالسلاح، فشعر عبد الناصر أنه أمام شخص صادق فقال له : “لتقم الثورة الجزائرية ونحن مستعدون لدعمها” ، ثم كلف ضابطا بربط صلة به. وقد سبق أن سألني بن بلّه عن المسؤول الذي يمكن أن نعتمد عليه كثوار جزائريين، فقلت له هو جمال عبد الناصر، لأن كسب ثقته معناه الحصول على الدعم من الوطن العربي كله. بعد فترة قصد الضابط بالرئاسة وطلب مقابلة الرئيس لتبليغه بخبر هام، فاستقبله عبد الناصر ، قال بن بلّه : ” أعلم سيادتكم بأن قيادة الثورة الجزائية قررت نهاية أكتوبرــ تشرين الأول 1954 تاريخ انداع الثورة ، مع رجائي أن يبقى هذا سرا بيني وبينكم تجنبا لاطلاع العدو الفرنسي عليه، لأننا قررنا أن يكون التاريخ سرا يعرفه عدد قليل من القادة”. فكان جواب عبد الناصر : “ليكن الله في عونكم وستكون كمية من السلاح أولية تحت تصرفكم”، واتفق مع بن بلّه بأن السلاح يوجه إلى ليبيا ومنها يدخل للجزائر. وتم ذلك فأرسلت سنة 1954 قبل اندلاع الثورة أول شحنة استقبلها بن بله في ليبيا. ثم أمر عبد الناصر الأجهزة المصرية بالتحري دون أن يخبر أحدا بتاريخ اندلاع الثورة. وجرى الاتصال بممثل حزب البيان الجزائري أحمد بيوض قائلين له “نظرا لقيام أحداث مسلحة في تونس والمغرب، علمنا بأن ثورة جزائرية ستعلن قريبا، فكان جوابه النفي المطلق خوفا من تكرار أحداث شبيهة بمجزرة ثماني مايوــ أيار 1945 ، كما سئل عناصرُ من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وبعض الطلبة الجزائريين  فكانوا خاليي الذهن. واندلعت الثورة في الموعد فاستقبل عبد الناصر بن بلّه وهنأه وأخبره بأنه أعطى أمرا بإعداد كمية ثانية من السلاح تحت تصرفكم”، وراح بن بلّه يقدم بيانات مفصلة عن نوع السلاح المطلوب. كما صدرت التعليمات لأجهزة الإعلام بدعم الثورة، وتقرر أن تخصص إذاعة صوت العرب حصة يومية للثورة الجزائرية، وبتوجيه من بن بلّه كُلفت أنا فجمعت مجموعة من الطلبة تحرر يوميا كلمة الجزائر تبث عبر صوت العرب، وكنت أنا أول من بث بصوته هذه الكلمة. وبعد شهرين من أول نوفمبر تم الاتصال بملكة الأردن دينا وطُلب منها أن يكون يختها الذي يحمل اسمها ناقلا للسلاح للثوار الجزائريين، تجنبا لرصد يخت ملكي من الجواسيس الفرنسيين، فاستجابت الملكة معبرة عن فخرها بالمساهمة في الثورة الجزائربة التي انتشرت سمعتها بسرعة في انحاء الوطن العربي. وفي ينايرــ كانون الثاني 1955 تحرك اليخت دينا وبه مجموعة من الطلبة وعلى رأسهم محمد بوخروبة الذي حمل اسم الهواري بومدين، حيث وصلت بسلام وأنزل السلاح ووضع في أيدي الثور. ومن القصص الرائعة، أنه عندما أطلق على ابن بن بلّه رصاص ولم يصبه من مسدس كاتم للصوت بشارع قصر النيل بالقاهرة بتدبير من سفارة فرنسا، استدعاه عبد الناصر وقال له:”أمرت بأن تخصص لك فيلاّ تقيم بها بعد محاولة اغتيالك من طرف الجواسيس الفرنسيين، إقامتك بغرفة لدى عائلة في الطابق السادس في شارع 26 يوليو خطر على حياتك”. فكان جواب بن بلّه : “مصاريف الفيلاّ تخصص لسلاح لأن المجاهدين الجزائريين احترقت أصابعهم من بارود بنادق الصيد، إذا مت اختفى جزائري من بين الملايين، قررت الاستمرار في الإقامة بغرفة. فأجابه عبد الناصر أن ذلك سيكلفنا تخصيص حراسة لك بهذه الشقة “. وزادت قيمة بن بلّه ارتفاعا في نفس عبد الناصر.

   أول وفد طلابي يمثل الثورة بالعالم:

 وبعد أشهر من قيام الثورة استدعيت من بن بلّه وناقشني في ضرورة المشاركة في مهرجان دولي وكلفني بإعداد وفد أرأسه لتمثيل جبهة التحرير الوطني في أول مناسبة دولية. وألفت الوفد لتمثيل جبهة التحرير الوطني بالمهرجان الدولي للشباب الذي أقيم في فارسوفيا عاصمة بولونيا في أغسطس ـــ آب 1955 ، سافر الوفد رفقة الوفد المصري والوفد الطلابي الفلسطيني برئاسة ياسر عرفات على باخرة حطت بنا في ميناء برنديزي الإيطالي، ومنه انتقلنا بالقطار عبر شمال إيطاليا والنمسا إلى فرسوفيا. وُجهت من قيادة المؤتمر البولونية لمقر البعثة الجزائرية، حيث وجدت بعثة متكونة من 220 شابا وطالبا قدموا من الجزائر وفرنسا يمثلون الشباب الجزائري، منهم فرنسيون ويهود أقدام سوداء… قابلت رئيس البعثة الجزائرية مصطفى كاتب الذي كان برفقة مصطفى الأشرف الذي حضر كأستاذ في التعليم الثانوي بباريس، عرضت عليه العلم الجزائري وكتيّبا بعدة لغات سبق أن وزع باسم جبهة التحرير بمؤتمر باندونغ قبل أشهر، زودني به حسين آيت أحمد في القاهرة الذي كان ضمن الوفد الجزائري بباندونغ، وطلب مصطفى كاتب مني إمهاله للاطلاع على الكتيب ، وبعد ساعات استدعاني مصطفى كاتب ليقول لي ما يلي:

   ـ اطلعت رئاسة البعثة على ما قدمه الوفد الطلابي الجزائري الآتي من القاهرة، وقررت : أولا : لا تستطتيع البعثة التظاهر في افتتاح المهرجان بالعلم الذي أحضره الوفد لأنه غير متفق عليه، فهو يمثل علم حزب الشعب الجزائري، بينما العلم الذي يؤمن به حزب البيان، والعلم الذي يؤمن به الحزب الشيوعي الجزائري يختلفان عنه. أما المنشور أو الكتيّب الذي أحضره الوفد فرأي رئاسة البعثة أنه غير لائق لكي توزعه البعثة.

   وعندما قلت له أن الذي يقود الثورة الآن هم عناصر حزب الشعب في إطار جبهة التحرير التي تضم كل المواطنين، وأن العلم المرفوع فوق الجبال هو هذا العلم ، وأن الكتيّب وزعه في مؤتمر باندونغ الوفد الذي كان يمثل الثورة ، أجاب مصطفى كاتب :

   ـ يوجد الحزب الشيوعي الجزائري بالأصنام يرفع العلم الشيوعي وليس هذا العلم. وفي هذه الفترة هرب ضابطان فرنسيان شيوعيان من الجيش الفرنسي هما النقيب لوبان والملازم مايو بشاحنة أسلحة في جبال الأصنام، والتحق بهما مناضلون شيوعيون، اختاروا منطقة قريبة من البحر، هدفهم تلقّي المتطوعين والسلاح من العالم الشيوعي، والسيطرة على الثورة الجزارية، لكن جيش التحرير الوطني رفض التعامل معهم، فحاصرتهم القوات الفرنسية وقضت عليهم في أشهر. وقتلت الضابطين الفرنسيين الشيوعيين.

   وأدركت أن الذي يحدثني شيوعي، وأن جل أعضاء البعثة شيوعيون، وأنهم عائدون للجزائر ويخشون المحاسبة من السلطات الفرنسية إن هم تظاهروا بالعلم ، أو وزعوا كتيب ( ? Wat is Algeria  ، ما هي الجزائر؟ ) ، وأن البعثة تضم عناصر تمثل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كالشيخ محمد الصالح رمضان، وعناصر تمثل حزب الشعب كمحمد عبد اللاّوي ومصطفى الأشرف… وهم يمثلون أقلية من البعثة. واضطررت لتوزيع الكتيب عن طريق البعثة الفلسطينية والبعثة المصرية، أما العلم فقد سارت البعثة الجزائرية براية من المخمل حمراء مكتوب عليها بالفرنسية (الشباب الجزائري)، بينما استعرض الطلبة الفلسطينيون برئاسة الطالب ياسر عرفات بالعلم الفلسطيني. وعندما عدت للقاهرة قدمت تقريرا لابن بلّه.

   والخلاصة أنه بعد أشهر من اندلاع الثورة لا زال العديد مقتنعا من أن الثورة تحوط بها علامة استفهام النجاح، لم تضرب جذورها بعدُ في الأرض. وبعد أشهر  وفي مايوـ أيار 1956 أي بعد ثمانية عشر شهرا من اندلاع الثورة، تأكدوا من نجاحها فقاموا بالإضراب الطلابي المشهور الذي توقف فيه الطلاب الجزائريون بالمدارس والجامعات الفرنسية عن الدراسة والالتحاق بالثورة، بينما نجد طلاب المدارس الشعبية العربية والزيتونة والقرويين وحفظة القرآن وعلى رأسهم طلبة جمعية العلماء ومعهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة، قد التحقوا بجيش التحرير الوطني منذ انطلاق الثورة وكونوا إطاراته الذي كان جنوده من الفلاحين . وتشاء ألأقدار أن يلتحق بالقاهرة هؤلاء الطلبة المضربون الذين وُجد بعضهم في المهرجان المذكور أعلاه وأن يترأسوا اتحاد الطلبة الجزائريين ، ويكوّنوا إطارات الحكومة المؤقتة .

   الأمين الدائم لمكتب جيش التحرير بالقاهرة:

   كنت طالبا بقسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وقبل تخرجي من الدراسة تدربت على السلاح  سنة 1955 بنية الدخول كجندي في جيش التحرير. لكن القائد أحمد بن بلّه الذي كان المسؤول الأول العسكري بالخارج، قال لي:

    ـ من يحمل السلاح كثير، لقد أعطاك الله قلما جيدا، تبقى معي هنا بالقاهرة، الجزائر في حاجة إليك هنا بالعالم العربي… ـــ وكان ذلك حفظ حياتي لأرعى أسرة دمرتها الحرب، فوالدتي أنجبت ستة ولدين وأربع بنات، أحد الولدين سليمان مات شهيدا سنة 1959 ، وبنتان من الأربع أرملتا شهيدين تركا لهما 12 يتيما كان لي الشرف  برعايتهما بعد الاستقلال ـــ

   وعينني أمينا دائما لمكتب جيش التحرير بالقاهرة ـ الذي كان المدير المباشر له المرحوم الدكتور التيجيني هدام وكان بن بلّه يشرف على المكاتب العسكريةـ كان المكتب يقع في شقة بعمارة وهبة في قلب القاهرة، وكانت له صفة السريّة يقع تحت حماية المخابرات المصرية، يشرف على التكوين السياسي والفكري للشباب الآتي من الجزائر والخارج للتدرب في المعسكرات المصرية على السلاح. وأذكر أنني استقبلت ابن أحمد المعروف بعبد الغني ، ويحيى رحال ومجموعة من الشباب من المدارس الفرنسية بالجزائر حضروا للقاهرة وتدربوا على سلاح الضفادع البشرية ثم على الطيران العسكري فيما بعد، كما استقبلت مجموعة من الشبان تدربوا على السلاح في الكلية العسكرية في العراق وهم العقيد مصطفى الهشماوي، والرائد بلال حفراد، ومحمود الباي، وأحمد الكفيف (شهيد)، وعبد الله الوزاني (شهيد)، وأحمد سليماني (شهيد)، وسهلت لهم المرور إلى الجزائر.

   واندلع العدوان الثلاثي على مصر من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل ، ففرنسا أرسلت قوات عسكرية للقضاء على الثورة الجزائرية في القاهرة كما تزعم. وانضممت ورفاقي الجزائريون في المكتب إلى كتائب المتطوعين المصرية لمقاومة العدوان…وفي خريف نفس السنة التي وقع فيها العدوان ـ سنة 1956 ـ اعتقل بن بلّه في حادث اختطاف الطائرة المشهور .

وبقيت في هذا المنصب حتى سنة 1957 . وجاء من خلف بن بلّه على رأس المكتب العسكري، فتخلص مني ومن سائر الذين عملوا مع بن بلّه واستمروا أوفياء له…

   استدعيت من العقيد المسؤول على المكتب الذي طلب مني كتابة تقرير عن بن بلّه، وفهمت أن التقرير المطلوب سيستغل ضد بن بلّه  فأجبت:

   ـ التقرير المطلوب سوف لا يفيدكم لأنني لم أعرف في بن بلّه سوى الصفات الحسنة…

فما كان من العقيد إلا أن قال لي ـ لا أريد أن أراك في المكتب فأنت مطرود.. وأمر بوقف مرتبي، وبعد ثلاثة أيام استدعيت إلى رئاسة الجمهورية المصرية حيث استقبلني ضابط ليقول لي:

ـ الرئيس جمال عبد الناصر علم بموقفك النبيل من القائد أحمد بن بلّه وأمر بأن يخصص لك مرتب كلاجئ سياسي، تقيم بالقاهرة إلى أن تستقل الجزائر

أجبت :

ـ بلغ سيادة الرئيس شكري ، فأنا حاصل على شهادة جامعية بفضل منحة قدمتها لي مصر تمكنني من كسب قوتي، وقد عرض علي صديق كويتي أن ألتحق بالكويت كمعلم وأساهم في نشاط التعريف بالثورة الجزائرية هناك.

ـ علمنا أنهم أوقفوا مرتبك، هل تحتاج لشيء

ـ عندي وفورات تمكنني من شراء التذكرة للالتحاق بالكويت

ـ غريب أمرك يا سيد عثمان لأول مرة نعرض على عربي اللجوء السياسي ويرفض، أنت رجل نبيل.

  وفي الكويت ساهمت في تأسيس (لجنة جمع التبرعات لمجاهدي الثورة الجزائرية) وكنت مستشارها، كما ترأست حملة إعلامية بالكويت، واعترفت بي الحكومة المؤقتة فعينتني ممثلا لها ، وعندما جاء فرحات عباس رئيس الحكومة للكويت في زيارة رسمية سنة 1959 انضممت للوفد كعضو فيه، ثم قام وفد برئاسة أحمد فرنسيس وعضوية إبراهيم مزهودي وعلي كافي وأنا في زيارة لإمارات الخليج العربي، تعريفا بالثورة وطلب الدعم لها.

  احمد بن بلّه والتعريب:

   قضى بن بلّه سنتين في الحكم فعرب السنة أولى والسنة الثانية ابتدائي. طلب من عبد الناصر مد الجزائر بالمعلمين، فامر عبد الناصر بإرسال معلمين مصريين دون مرافقة عائلاتهم لهم حتى لا يكلفوا الحكومة الجزائرية مشكلة السكن، وأن تصرف لهم مرتباتهم بمصر حتى تعيل هذه العائلات. وساهمت الدول العربية في أرسال المعلمين في عملية تعريب للمدرسة الجزائرية.

   تكليفي بمهمة في الكويت:

   عندما قرر بن بلّه القيام بأول خطوة لتأميم المحروقات والمتمثلة في تأميم بناء الأنبوب الثالث الناقل للنفط من حوض الحمراء إلى أرزيو، استدعاني في مايو 1963 وقال لي : “الجزائر في حاجة لتمويل الأنبوب وليس لنا مال وقد سبق أن قلت لي بأن الكويت تكون مستعدة لهذا التمويل، ولهذا فقد قررت أرسالك للكويت كرئيس للبعثة الديبلوماسية الجزائرية لمهمة معينة وهي ضمان تمويل الأنبوب، ومدنا بقرض عاجل لأن الفرنسيين خرجوا وتركوا الخزينة فارغة، فأنا لا أجد ما أدفع به مرتبات الموظفين في الأشهر المقبلة، سياستهم مدنا بالمال الذي نستحقه بالتقتير والضغط علينا، أريد بهذا القرض أن أضغط عليهم أنا مبينا لهم أننا قادرون على الحصول على المال، وخير من يعرف الكويتيين هو أنت”. وتوجهت للكويت واستجاب الكويتيون ومولوا بقرض سائر تكاليف الأنبوب التي بلغت سبعة وثلاثين مليون جنيه استرليني، كما قدموا صكا يخمسة عشر مليون دولار عاجلا كهدية للدولة الجزائرية الفتية ، وحضر ولي العهد الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح ـــ الذي صار أمير الكويت فيما بعد ـــ في زيارة رسمية رافق بن بلّه لوضع الحجر الأساس لانطلاق الأنبوب في حوض الحمراء.

   أحمد بن بلّه والقضية الفلسطينية:

  بعد أن قدمت أوراق اعتمادي بالكويت  قررت التوجه للجزائر . وزارني ياسر عرفات رفقة بعض زملائه من قيادة فتح، وكان يعمل مهندسا في وزارة الأشغال الكويتية، فسلمني خمسمائة دولار لخليل الوزير [أبي جهاد] مدير المكتب الفلسطيني في الجزائر.

   وصلت للجزائر في شهر أغسطس ـ آب  1963 ، حدد لي بن بلّه موعدا أتناول فيه معه العشاء في فيلاّ جولي حيث يقيم. استقبلت في نفس اليوم في فندق أليتي حيث أقيم خليلَ الوزير وسلمته المبلغ الذي أرسله ياسر عرفات فما كان منه إلا أن قال لي :

   ـ لا فائدة من ذلك فقد أغلقت السلطات بالجزائر مكتب فلسطين، وسلمت لي تذكرة سفر لمغادرة الجزائر غدا على الساعة السابعة صباحا.

   ـ من حسن الحظ أنني على موعد مع الرئيس هذا المساء وسأثير معه مسألة المكتب.

   وتناولت العشاء مع الرئيس، وبعد الحديث في شؤون العلاقة مع الكويت قلت له:

   ـ لكن سيدي الرئيس ما قصة مكتب فلسطين ولماذا أغلقتموه؟ لقد قابلت مدير المكتب وسلمت له مبلغا من المال مصاريف للمكتب أحضرته من رئيس التنظيم ياسر عرفات بالكويت، فأخبرني بقراركم غلقه.

   ـ قال لي الإخوة المصريون بأن عرفات وزملاءه مشبوهون بأنهم مخابرات إنجليزية.

   ـ الله أكبر، إنهم مناضلون شرفاء ، أعرفهم جيدا، طلبوا مني تنظيم جبهة التحرير الوطني فأعطيته لهم قبل سنوات، هم يعتبرون الثورة الجزائرية مثلهم الأعلى ، قرروا التخلص من وصاية الحكومات العربية، واستلام قضيتهم بأنفسهم أسوة بالجزائر، هم يصدرون مجلة عنوانها [فلسطيننا] تطبع في قبرص وتوزع سريا على الفلسطينيين، شاركت فيها شخصيا باسم مستعار، تحرض الفلسطينين على محاربة تبعية قضيتهم للدول العربية، ولهذا فالحكومة المصرية التي تعودت السيطرة على القضية الفلسطيينية تحارب هؤلاء الشبان، فسفير مصر بالجزائر المخابراتي علي خشبة يردد في الأوساط الساسية عبارة [بلا فتح ولا غلق] ، وفتح هو الاسم المختصر لـ [حركة تحرير فلسطين] ، اسم مستمد من جبهة التحرير الجزائرية. لي عتاب سيدي الرئيس لماذا تأخذ كلام علي خشبة مسلما به ، لماذا لا تستشير الذين تعرفهم كعثمان سعدي؟

   ـ أنت تعرفهم إذا وتضمنهم

   ـ أضمنهم بقطع الرقبة

   ـ قبل عودتك للكويت اكتب تقريرا بما تعرف عن هؤلاء الشبان الفلسطينيين

   طلب بالهاتف أمامي وكانت الساعة الحادية عشرة ليلا الوزير عبد الرحمن الشريف ، وأصدر له تعليمات بإعادة فتح المكتب.

   وفي الغد اتصل بي خليل الوزير فطلبته للفندق ، فأخبرني بأن الوزير عبد الرحمن الشريف اتصل به الساعة الثانية صباح هذا اليوم وطلب منه إلغاء سفره، والتوجه للمكتب للعمل به فقد أصدر الرئيس أوامره بإلغاء سائر التحفظات. وهكذا كنت السبب في تجنب الجزائر لارتكاب خطأ في حق الفلسطينيين . كما أن هذه القصة جعلت بن بلّه يأخذ حذره من السفير المصري علي خشبة ويطلب فيما بعد من الرئيس عبد الناصر سحبه نظرا لتدخله فيما لا يعنيه بالجزائر. وأثر التقرير الذي كتبته عن فتح فكانت نتيجته أن أمر بن بلّه بإرسال أسلحة لمنظمة فتح محمولة بطائرتين عسكريتين حطتا بمطار المزة بدمشق في مارس 1965 ، وكانت شحنة الأسلحة العربية الأولى تقدم للفلسطينيين.

      أحمد بن بلّه والنزعة البربرة:

   في 1996 وبتوجيه من الأكاديمية البربرية في باريس، قرر الكونجرس العالمي للبربرية ((CIB عقد مؤتمر في باتنة يهدف إلى جذب الشاوية للقبائل في النزعة البربرية Berberisme، اقتناعا منهم بأن بقاء هذه النزعة محصورة ببلاد القبائل مصيرها التلاشي. واجتمع المجلس التاريخي للولاية الأولى للثورة أوراس ـــ اللمامشة وأصدر لائحة معارضا عقد هذا المؤتمر الذي يهدف لزعزعة الوحدة الوطنية، واتصل بأحمد بن بلّه فأصدر في 28 أفريل 1996 بيانا أيد فيه المجلس وهاجم ما يسمى بالمؤتمر العالمي للأمازيغية، واعتبر ـــ وهو ذو الأصل الأمازيغي ـــ النزعة البربرية تيارا مشبوها هدفه تدمير الوحدة الوطنية صنعه الاستعمار الفرنسي منذ الأربعينيات داخل حزب الشعب الجزائري، معتبرا “ألا وحدة وطنية بلا وحدة لغوية، وأن الأمم الحية المتقدمة تعتمد على قاعدة لاوحدة وطنية بلا وحدة لغوية وأن تعدد اللغات يعني تعدد الأمم”. ونشر البيان في الصحافة فأثار ضجة كبيرة حيث شنت عليه الصحافة الفرنكو بربرية هجوما كبيرا . وقد نشر البيان في كتابي (الأمازيغ ـــ البربر ـــ عرب عاربة) صفحة 179 . وأصدر اليمين زروال قرارا بمنع عقد المؤتمر.

    قصيدة عن اخطاف الطائرة:

   رأيت أن أختم هذه العجالة عن حياة هذا القائد الكبير، بقصيدة عن اختطاف الطائرة التي كان فيها مع رفاقه سنة 1956 . إن العمل التاريخي والأدبي والثوري الذي أعتز به هو جمعي للشعر الذي قيل في ثورة نوفمبر من أقطار عربية ثلاثه وهي العراق وسورية والسودان، حيث جمعت 468 قصيدة أنشدها 181 شاعر وشاعرة. نشرت في عدة طبعات، آخرها في ثلاث مجلدات بعنوان (الثورة الجزائرية في الشعر العربي ــ العراق ــ سورية ــ السودان) نشرتها وزارة الثقافة سنة 2014 طبع دار الأمة.

   القصيدة عنوانها (جزر المغرب) للشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، ألقاها سنة 1956 في أكبر ساحة لدمشق أمام الآلاف من الدمشقيين اجتمعوا في مسيرة احتجاج على قرصنة اخطاف الطائرة. عبارة جزر المغرب أي الجزائر، وأنا أورد جزءا مهما من أبياتها:

       جزرُ المغرب يا أسطــــــــــــــورةً     تُلبس الأهوالَ لونا مُمتِعا

       الأذى تدفع عنه بالــــــــــــــرَّدى      طاب أسلوبا لها مُبتَدعـا

       تَصنع الثورةَ في أُتّونهــــــــــــــــــا     فكرةً تأنف أن تُصْطَنَعـــــــــا

       من نفوس ذُبن في حُبِّ الحِمى    فتساقطن عليه قِطعـــــــــــــا

       تَكتب التارخَ لا تدري لِمَــــــــــــــــا     غيرِ أسفار الضحايا مرجِعا

       وقع الموت عليها فــــــــــــــــــــــرأى     “هَوْلةً”أخشنَ منه موقـــــــعا

       الهُداةُ الغُرُّ من لون الـدمـــــــــى      فجروا للشمس منها مطلعا

       أمةٌ سوف تري خالقهــــــــــــــــــــا       أنها قد خلقت كي تُبدعــــــــا

                                 *   *  *

       خمسةٌ إن بطونا حملـــــــــــــــــــت       مثلهم مع عُقمت أن تضعا

       حَمُق الغدرُ أيُثني ساعــــــــــــدا        عن كفاحٍ فَقدُ كفٍّ إصبعـــا

       خمسةٌ غصّت.. فرنسا بِهِــــــمُ       نعم عُقْبى خِسَّةٍ مُرتجَعـــــــــــا

       جهِل الصنعة نِكْسٌ أبلـــــــــــــــهٌ       سرق الباب وعاف المصنعا

       لم أجد أروع من مصطرعِ الــــ        ــخير والشرّ إذا ما اصطرعا

       أرأيتَ الدهرَ ضَيْما دفعــــــــــــــــــا        أم بغيرِ الدّمِ حقّا رجعـــــــــا ؟

   هذه القصيدة مثبتة في كتابي الثورة الجزائرية في الشعر العربي صفحة 879

الخلاصة:

أولا: كان أحمد بن بلّه قائدا استطاع أن يكسب ثقة جمال عبد الناصر فيحصل على السلاح والدعم من العرب، الذين كانوا الداعمين لثورتنا التي اعتبرت أعظم ثورة عرفها العرب في العصر الحديث، والتي ألهمت العرب والمسلمين والأفارقة بل وشعوب العالم أن تهب للتخلص من الاستعمار المباشر.

 ثانيا: كان بن بلّه مخلصا للعنصرين المرجعيين لحزب الشعب الجزائري وهما العروبة والإسلام، اللذين يرى فيهما أساس الوحدة الوطنية للدولة الجزائرية، كان مؤمنا باللغة العربية التي يرى فيها العنصر الموحد للجزائريين.

  ثالثا: لقد عرفته، وعرفت خليفته الهواري بومدين فـأسفت للخلاف الذي كان بينهما. وقد ألححت على بومدين أن يحفظ حياة بن بلّه وأن يعامله في سجنه كنزيل لا كسجين، وقد تم ذلك فحجز في فيلاّ كبيرة محاطة بمزرعة واسعة، تزوج وهو في إقامته الإجبارية وكانت عائلته تقيم معه.

Print Friendly, PDF & Email

15 تعليقات

  1. أنا أمازيغي وأفتخر بما أقدمه للجزائر الأمازيغية و بنسلي و أجدادي أكسيل يوغرطة يوبا ماسينيسا ديهيا طارق بن زياد شيخ المقراني شيخ الحداد فاطمة نسومر عبد الرحمان الثعالبي محمد بوقبرين ابن باديس مفدي زكريا كريم بلقاسم عبان رمضان أيت أحمد ديدوش مراد مصطفى بن بولعيد لعربي بن مهيدي … و الله القائمة طويييييييييييلة بزاف…..و أنتم العرب تنتامون الى أي فئة ؟ فئة أمازيغية معربة أوفئة عرب بنو هلال الوهابيين . ههههه ولاد بختة

  2. هوية الجزاءري عربية مسلمة … بخلاف ذلك هو تدليس ونفاق لفرنسا الإستعمارية الصليبية!

  3. تستطيع أن تنكر هويتك يا شيخ ، و لكن لا تستطيع فرض إنكارها على غيرك.

  4. شكرا استاذ وجعلك ذخرا للامة واطال الله عمرك وامدك بالصحة والعافية ارجو منكم سيدي ان تترجمو كل كتبكم ومقالاتكم الى اللغة الفرنسية لغة المخرب التي يقرأها الجزائريين الذين يمشون في مخطط فرنسا ويفهمو ان ان العربية تحصيل حاصل بعد الثورة لانه لم تكن دول امازيغية تعيننا في الابتعاد عن لغة المخرب الفرنسي بل وجدنا دول ذات اغلبية عربية الذين ساعدونا بالسلاح اقول هذا وانا من اصول امازيغية من بني ورتيلان.شكرا

  5. ـــــــــــــــــــــــــــــ… شكرا لك على هذه الصفحة الباهرة من تاريخنا . ..نرجو الكثير منك فلا تبخل علينا باطلالتك البهية ..

  6. الدكتور عثمان
    لم تكن ذات يوم غريبا عن اذهان بنى وطنك وامتك فتشبعك بروح الانتماء القومى واعتزازك بامجاد شعبك الذى كرست له شبابك وافنيت زهرة الشباب فى البحث عن احياء الامة والشعب وتخليصه مما يعانيه من طول تسلط الاستعمار عليه ومحاولاته فك ارتباطه بجذوره الحضارية . كان لك فى شان كبير يعد بالنسبة لنا دين فى رقابنا وامانة تستحق منا تاديتها بالاخلاص عشتم وطابت سريرتكم وجزاهم الله خير الجزاء

  7. شكرا أيها الأستاذ الفاضل على هذه الإضاءات التي تنير حول مرحلة مفصلية في تاريخ المنطقة، والتي شارك فيها الأحرار الذين جادت بهم بلداننا، وأسجل من بينهم سيدة وهي الملكة دينا ملكة الأردن وهو ما لم أكن أعرفه…

  8. أقول لدعاة الأمازيغة والمؤتمر العالمي المدفوع بكل قوة فرنسياً ثم النزعة البربرية المشبوهة كله يهدف ومازال حنى اليوم لتدمير الوحدة الوطنية الجزائرية التي لا تلتام وتتوحد إلا بوحدة الدين وتعاليمه ولغته “الاسلام والعربية” بهم ستكون جزاءر المستقبل إسلامياً عربياً … لا فرنسية ولا شيوعية … لا شرقية ولا غربية بل عربية مسلمة!

  9. الله يرحمه ويرحم جميع المسلمين لقد خدم الجزائر بإخلاص

  10. مضت عقود على اندلاع الثورة الجزائرية و انتصارها و نحن في العراق نراها فخر تاريخنا و نشكر الله تعالى اننا ساهمنا مادياً فيها على يد القائد الرئيس الشهيد عبدالكريم قاسم. عاشت الجزائر و شعبها العظيم و المجد و الخلود لشهداء امتنا العربية
    شكرا لك استاذ عثمان سعدي و بوركت.

  11. كاتب المقال نسي او تجاهل ان يشير الى ان الباخرة التي تحمل السلاح دينا رست في المغرب، و قام جيش التحرير المغربي بنقل السلاح للجزائر و ان محمد بوخروبة (الهواري بومدين اكبر عدو للمغرب) كان يتلقى الدعم بالمال و السلاح من المغاربة و كان مختبئا في مدينة ازغنغان المحاذية لمدينة الناظور، للاسف كل تضحيات اجدادنا لمساعدة الجزائر ضاعت هباءا

  12. بسبب هذه الخطبة قام احمد بن بلة باعتقال الشيخ البشير الابراهيمي ووضع تحت الاقامة الجبرية
    مقولة او كلمة او خطبة الشيخ البشير الابراهي رحمه الله
    باسم الله الرحمان الرحيم
    كتب الله لي أن أعيش حتى استقلال الجزائر ويومئذ كنت أستطيع أن أواجه المنيّة مرتاح الضمير , اذ تراءى لي أني سلمت مشعل الجهاد في سبيل الدفاع عن الاسلام الحق والنهوض باللغة- ذلك الجهاد الذي كنت أعيش من أجله – الى الذين أخذوا زمام الحكم في الوطن ولذلك قررت أن ألتزم الصمت . غير أني أشعر أمام خطورة الساعة وفي هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الرابعة والعشرين لوفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس –رحمه الله – أنّه يجب عليّ أن أقطع الصمت , ان وطننا يتدحرج نحو حرب أهلية طاحنة ويتخبط في أزمة روحية لا نظير لها ويواجه مشاكل اقتصادية عسيرة الحل , ولكنّ المسؤولين فيما يبدو لا يدركون أن شعبنا يطمح قبل كل شيئ الى الوحدة والسلام والرفاهية وأن الأسس النظرية التي يقيمون عليها أعمالهم يجب أن تبعث من صميم جذورنا العربية والاسلامية لا من مذاهب أجنبيّة . لقد ان للمسؤولين أن يضربوا المثل في النزاهة وألاّ يقيموا وزنا الاّ للتضحية والكفاءة وأن تكون المصلحة العامة هي أساس الاعتبار عندهم , وقد ان أن يرجع الى كلمة الأخوة التي أبتذلت –معناها الحق – وأن نعود الى الشورى التي حرص عليها النبيّ صلىّ الله عليه وسلم , وقد ان أن يحتشد أبناء الجزائر كي يشيّدوا جميعا مدينة تسودها العدالة والحرية , مدينة تقوم على تقوى من الله ورضوان ..
    الجزائر في 16 أبريل – نيسان 1964 . توقيع : محمّد البشير الابراهيمي , ومع ان احمد بن بلةكان يؤمن بعروبة الجزائر الاّ أنّ بلة كان مهووسا بالفكر الاشتراكي اليساري وكان متحمسا لبعض التجارب التي كانت سائدة في البلاد الاشتراكية , وتحمسّه للفكر الاشتراكي واليساري جعله يصطدم بالرجل الثاني في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ البشير الابراهيمي الذي ورث خلافة الجمعية من الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي أدركته المنيّة قبل اندلاع الثورة الجزائرية , وفسرّ البعض ذلك الصدام بأنّه بداية الطلاق بين النظام الجزائري والخط الاسلامي الذي كانت تمثله جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقيادة الشيخ البشير الابراهيمي . وبدأ الطلاق عندما اتهم البشير الابراهيمي الرئيس أحمد بن بلّة بتغييب الاسلام عن معادلات القرار الجزائري وذكّر بن بلة بدور الاسلام في تحرير الجزائر والجزائريين من ربقة الاستعمار الفرنسي , وبسبب هذا التصادم وضع الشيخ البشير الابراهيمي تحت الاقامة الجبرية وقطع عنه الراتب الشهري وبقيّ كذلك بدون راتب وتحت الاقامة الجبرية الى أن وافته المنية في يوم الجمعة من 20 محرّم سنة 1375 هجرية الموافق ل 21 مايو –أيّار سسنة 1965 .
    ويقول بعض المؤرخين الجزائريين أنّ التصادم بين أحمد بن بلة والشيخ البشير الابراهيمي سببه البيان الذي أصدره الابراهيمي في 16 أبريل –نيسان سنة 1964 ,والنص في الاعلى وزيادة بيان سانقل لكم خطبة الشيخ البشير الابراهيم ابن الاحتلال الفرنسي التي من خلالها نعرف قدر وشهامة هذا الرجل الذي فقدنا مثله في هذا الزمان ، ولكن للاسف سرقت ثورتنا وهويتنا وديننا ومشايخنا ورجالنا من طرف ؟؟ الثورة يخطط لها الأذكياء وينجزها الشجعان ويقطف ثمارها الجبناء .

  13. شكرا أستاذ أفدتنا كثيرا وإن كنت أنت كذلك بطلا نفتخر بك من أبطال الأوراس الأشم.

  14. شكرًا مرة اخرى استاذنا الفاضل عثمان سعدي على هذا السرد لتاريخ رمز من رموز النضال والجهاد من اجل اعلاء كلمة الحق. اختلاف قادة ثورة التحرير منطقي وطبيعي ولكن تغلغل الخونة كان ومازال قائما لم يتغير !!!؟؟
    كجزائريين لا يجب ان ننكر الجميل الذي قدمته مصر والكويت وسوريا والعراق وكل الشعوب العربية لثورة نوفمبر الخالدة والجزاير لا تنسى أبدا خير الآخرين عليها وسنظل نحافظ على تلك المواقف النبيلة المساندة للحق والحريّة هكذا كان العرب في السابق وسبحان مغير الأحوال اليوم!!؟؟؟
    اما بالنسبة لمواقف بن بله فهو وطني وقومي وعروبيتها واسلامي وكان يؤمن بتحرير كل الشعوب من قبضة الاستعمار وكان يسعى لتكون الجزاىر قلعة للحرية وقدم المساعدات لكثير من الشعوب الافريقية والاسيوية وأمريكا الجنوبية التي كانت تأخذ بالثورة الجزاىرية نموذجا للحرية والقضاء على هيمنة الأقوياء على الضعفاء وكان رجل لا يحب الظلم بل يقف مع الحق ولا يخشى أبدا من اي رد فعل سلبي ازاء ذلك
    رحم الله شهداء الجزاىر وننتظر منك المزيد يا استاذ عثمان لكي تتضح الروية لمن يشككون في تاريخ هذا البلد العربي الاسلامي اسمه الجزاىر

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here