موفق هاشم عبيد: نظرية النظم في النص القرآني قراءة موجزة في سيرورتها وأهميتها

موفق هاشم عبيد

منذ أن تُلي النص القرآني على العرب الجاهليين انبهر به جهابذة العربية في الشعر والنثر والخطابة، وأُعجِبوا بألفاظه وتراكيبه وأسلوبه الذي لم يُسمع بمثله, حتى صدر ذلك الإعجاب والانبهار من أعتى عدو للدين الجديد! ذلك هو الوليد بن عقبة أحد بلغاء العرب المعروفين, الذي صرّح لوجوه المشركين بصدمته مما سمعه من ترتيل قرآني! مبينا أنه لم يُعهَد له أن سمع بمثله! وأن ما سمعه لا يمكن أن يكون من كلام البشر! وهذه شهادة في حق كتاب الله ونبيه من خبير متضلّع في اللغة العربية وبلاغتها, مع كونه عدوا للنبي والقرآن الذي أتى به, فخير الفضل ما شهد به الأعداء, إلا أن الوليد بعد أن لامه وجوه المشركين على ما صرح به, ومدى خطورة ذلك في صالح الخطاب القرآني وما يترتب عليه من ترجيح لكفة الدين الجديد ورسوله, عاد الى غيّه وشيطنته وعناده, فاتهم النبي (ص) بالسحر! وهي تهمة تستبطن كذلك اعترافا بقوة لغة القرآن وجاذبيتها التي سحرت الجميع وأسرتهم, حتى الجن أبهرتهم وسحرت ألبابهم {فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا} الجن/1. واستمر ذلك الانبهار يسير مع القرون والأزمان الى يومنا هذا, كل ذلك راجع الى نظم النص القرآني المعجز, بأصواته وصرف ألفاظه وتراكيبه السامية.

ويٌعد أبو عمرو الجاحظ (ت255هـ) أول من استعمل لفظة (النظم), مطلقا على أحد كتبه اسم (نظم القرآن), مفرقا به بين نظم نص القرآن ونظم سائر النصوص الكلامية الأخرى, ويحدثنا الجاحظ في كتاب آخر له وهو (البيان والتبيين) عن اختلاف النظم القرآني عن جميع نظم الكلام الآخر, الموزون والمقفى وغيره, ذاهبا الى أن نظم القرآن برهان عظيم وحجة كبرى[1]. أتى بعده العلامة الرماني (ت384هـ) وتحدث عن الإعجاز القرآني ووجوهه في كتابه (النكت في إعجاز القرآن), وذهب الى أن البلاغة ثلاث طبقات, الطبقة الأعلى هي المعجز, وهي طبقة الإعجاز البلاغي التي تفرد بها القرآن وحده, وطبقة وسط وأخرى أدنى, وهما طبقتا البلغاء والفصحاء من الناس, وعدّ الرماني (البلاغة) أحد وجوه الإعجاز القرآني, لذلك هو لم يُشغل نفسه بعلاقة النظم بالنحو, أو ربما هو غفل عن ذلك, وحدد الرماني ما يرتبط بالنظم وتفصيلاته, ممثلا له ومفيضا عليه, وربما كان يُعنى بالجانب النطقي أكثر من اهتمامه بالجانب التطبيقي[2]. كما قسّم الرماني البلاغة الى عشرة أقسام, وهي: ((الإيجاز والتشبيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل والتجانس, التصريف, التضمين, المبالغة وحسن البيان))[3].

وتناول الخطابي (ت388هـ) مسألة النظم القرآني, وهو كمعاصره الرماني لمح الى علاقة النظم بمسألة الإعجاز البياني للقرآن الكريم[4], يقول في ذلك: ((وإذا تأملت القرآن […] لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه, ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه […] وإنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ, في أحسن نظوم التأليف, مضمنا أصح المعاني))[5], وهو بفهمه هذا يقترب من فهم الجرجاني (ت471هـ) للنظم؛ لأنه يرى النظم ((صورة للفظ المتفاعل مع المعنى للتعبير عن التجربة الفنية))[6], بيد أنه يعير اللفظ بعض الأهمية التي أعارها السابقون في دراساتهم, وهذا ما حدا ببعض الدارسين أن يرى فرقا شاسعا بين الخطابي والجرجاني في نظرتهما لمفهوم النظم, فالأول يرى أن عمود البلاغة هو وضع كل نوع من الألفاظ موضعه, أي إعمال النظر في الألفاظ المتشابهة وإدراك الفروق الدقيقة بينها, وهذا خلاف مقصود النظم الذي يريده الجرجاني, فالنظم عنده توخي معاني النحو بين الكلم[7].

وممن درس نظم النص القرآني أيضا العلامة الباقلّاني (ت403هـ), الذي جعل النظم واحد من ثلاثة وجوه لإعجاز القرآن المجيد, متحدثا عن بديع نظمه وتأليفه, وبلاغته التي لا تُجارى من فحول العرب في العربية والبلاغة, ويوجه الباقلاني عنايته واهتمامه الى النظم ليؤكد على أن القرآن معجز بنظمه وتأليفه العجيب[8], ويحصر إعجاز النظم القرآني بأنواع عدة: إعجاز يعود الى القرآن بجملته, وآخر يعود الى أساليبه, وثالث متعلق بمفرداته, ورابع يرجع الى نظم حروفه[9]. يطل علينا لاحقا عبد الجبار المعتزلي (ت415هـ), الذي كان أكثر وضوحا من سابقيه في مسألة النظم القرآني, وأكثر قربا من عبد القاهر الجرجاني في رؤيته للنظم, إذ كان يرى أن الفصاحة لا تتعلق بمفردات الكلام, وإنما في ضم المفردات بعضها الى بعض, ومراعاة الإعراب والتقديم والتأخير[10].

يبدو من خلال ما سبق أن جلّ الدارسين لمسألة النظم كانت منطلقاتهم وليدة الاهتمام بالمعجز القرآني, وأكثر من أبدع في ذلك هو الشيخ عبد القاهر الجرجاني, إمام الشافعية ومتكلم الأشعرية في جرجان, العالم النحرير في اللغة العربية وآدابها, الذي استنفر قواه للدفاع عن القرآن المجيد وبيان إعجازه, بعد أن انتشر أهل الزندقة والإلحاد في العصر العباسي, الذين أثاروا الشبهات ضد النصوص القرآنية, فجدّ الجرجاني في الدفاع عن الإسلام ودستوره بما يفرضه عليه واجبه الشرعي, مصنفا كتاب (دلائل الإعجاز)، مبينا فيه إعجاز القرآن الكريم عن طريق النظم[11].

وقد أنكر الجرجاني على أولئك الذين كانوا يتجاذبون الجدال بين تقديم اللفظ أو تقديم المعنى في نظم النصوص, ورأى أن الفصل بينهما لا يخدم قضية الإعجاز القرآني, التي كانت بالنسبة للجرجاني شغله الشاغل, وكان ممن قبله يفصل بين اللفظ والمعنى, فالنقاد العرب والبلاغيون كانوا آنذاك يجعلون للألفاظ صفاتا وللمعاني صفاتا أيضا, وكان بعضهم ينصح الشعراء بمراعاة اللفظ وتقديمه على المعنى, بينما البعض الآخر منهم كان يدعو الى مراعاة المعنى أولا, الى أن جاء الجرجاني فعاب عليهم ذلك المسلك, ولم يقتنع بمذهب من ((وقفوا عند حدود المعنى في عمومه, ليحكموا به على جمال الموضوع أو قبحه, مغفلين شأن الصياغة))[12], وربما أمست أشعرية الجرجاني توحي للبعض أن الجرجاني منحاز للمعنى, يقول أحدهم في ذلك: ((تناول عبد القاهر الجرجاني هذه المشكلة أي اللفظ والمعنى من زاوية أخرى ألا وهي: لمن السيادة للشكل أم المعنى؟ ولقد جعلها للمعنى فهو المتصرف في نظم الألفاظ وطريقة تواليها بعضها مع بعض))[13], لكنه رغم ذاك لم يكن كذلك, نعم كان منجذبا للمعنى بمعناه الشعري لا بمعناه المنطقي العقلي, إضافة الى اهتمامه بالصياغة, والألفاظ عنده خدم للمعنى وقوالب له, وهي تتبعها في الحسن والجمال والقبح والرداءة[14]. ويقول في هذا السياق: ((غلط من قدم الشعر بمعناه, وأقل الاحتفاظ باللفظ وجعل لا يعطيه من المزية ان هو أعطى إلا ما فضل عن المعنى يقول: “ما في اللفظ لولا المعنى؟ وهل الكلام إلا بمعناه؟”, فأنت تراه لا يقدم شعرا حتى يكون قد أودع حكما أو أدبا, واشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر))[15], ويعلل الجرجاني لذلك بالقول: ((إن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة, وإن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه, كالفضة والذهب يصاغ منها خاتم وسوار, فكما تنظر الى الفضة الحاملة لتلك الصورة, أو الذهب الذي وقع فيه ذلك العمل وتلك الصنعة, كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام, أن تنظر في مجرد معناه))[16], وهذا الكلام يُستشف منه ميل الجرجاني نحو اللفظ! وهكذا فإن هنالك من كان يرى الرجل من أنصار المعنى, وآخرون يرونه من أنصار اللفظ!

وكان مدلول النظم عند الأشاعرة مختلفا عن مدلول النظم المتبنى من قبل المعتزلة, ويبدو أن الخلاف المذهبي في العقيدة قد اجتُر الى هذا المفصل المهم من القرآن الكريم, فالمعتزلة ينطلقون في مسألة النظم من الدال الى المدلول, أي من الملفوظ أو المكتوب الى المحكي عنه خارجا, وهذا تقديم للفظ على المعنى, في حين نجد أن الأشاعرة ينطلقون من المدلول الى الدال, أي من المعنى أو المحكي عنه في الخارج الى اللفظ أو المكتوب, أي أنهم يقدمون المعنى على اللفظ[17]. والطرفان ـ أي المعتزلة والأشاعرة ـ تناولا قضية النظم من أجل القرآن الكريم وإثبات إعجازه, فالجاحظ وهو معتزلي رأى أن المعنى كبقية المعتزلة هو المعنى العقلي المنطقي, ولم يقتنع بأن هذا المعنى يصنع شعرا, وبالتالي رجح اللفظ في ذلك, واللفظ لا يعني فقط أصواتا فقط, وإنما هو المعنى الشعري الذي يقابل المعنى العقلي[18]. فالجاحظ يذهب الى أن ((المعاني القائمة في صدور العباد, المتصورة في أذهانهم, والمختلجة في نفوسهم, والمتصلة بخواطرهم, والحادثة في فكرهم, مستورة خفية, وبعيدة وحشية, ومحجوبة مكنونة, وموجودة في معنى معدومة […] وإنما تحيا تلك المعاني في ذكرهم لها, وإخبارهم عنها واستعمالهم إياها))[19], فالمعاني في الأذهان لابد لها من ذكر وكلام حتى يُستدل عليها. وهو بهذا يقترب بعض الشيء من الجرجاني في عدم تهميش اللفظ[20].

ويرى الجرجاني أن النظم يتعلق بموقع اللفظة في التركيب, ولا جمال لصوت المفردة من حيث سمعها, وتوالي حروفها وتناسقها فيما بينها, بل لما بين معاني الألفاظ من اتساق عجيب, ويأتي لنا بمثل فيقول: ((وهل تشك إذا فكرت في قوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} هود/44, فتجلى لك منها الإعجاز, وبهرك الذي ترى وتسمع, إنك لم تجد ما وجدت من المزية الظاهرة, والفضيلة القاهرة إلا لأمر يرجع الى ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض, وإن لم يعرض لها الحسن والشرف إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية, والثالثة بالرابعة وهكذا […] وإن شككت فتأمل: هل ترى لفظة منها بحيث لو أُخذت من بين أخواتها وأُفردت, لأدت من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية))[21], ويوضح الجرجاني بأن الذي يبهر في هذه الآية هو التلاؤم المعنوي للفظ المفرد مع معنى المفردة التي تليها, مبينا أن لا قيمة للألفاظ بمعزل عن المعاني, ففي الآية المباركة التي سلف ذكرها يرى الجرجاني ((أن مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض ثم أُمرت, ثم في أن كان النداء بـ “يا” دون “أي” نحو “يا أيتها الأرض”, ثم إضافة “الماء” الى “الكاف”, دون أن يقال: “ابلعي الماء”, ثم ان اتبع نداء الأرض وأمرها بما هو من شأنها, نداء السماء, وأمرها بما يخصها, ثم إن قيل: “وغيض الماء” فجاء الفعل على صيغة “فعل”…))[22]. ومبدأ العظمة الذي تبناه العلامة الجرجاني هنا يعتمد على معاني النحو أو النظم النحوي فحسب, في حين فاته أن فضل الألفاظ التي انتُقت واختيرت بدقة وعناية معجزة هي الأخرى أيضا في هذه الآية المباركة, وهذا الاختيار يسبق النظم والتأليف بهذا النسق السامي, ولا شك من وجود ألفاظ أخرى كان لها أن تؤدي المعنى المراد, لكن الاختيار وقع منه تعالى على لفظ دون آخر, فاختار ((لفظ البلع دون الشرب, وكلمة أقلعي دون امنعي, وفعل قُضي المبني للمجهول دون نفذ المبني للمجهول أيضا, واستوت على الجودي دون استقرت, كل ذلك مما يرتفع بالآية الى الإعجاز, وهو في صميمه راجع الى ما يرجع إليه الى اللفظ دون الإسناد))[23].

وهنا ربما يثور إشكال في ذهن البعض حول نظرية النظم المعجز, فحواها أن الإنسان العربي هو من وضع اللغة وصنعها, فهو من اختار الألفاظ للمعاني, وهو من ابتكر الإسناد وتوافق عليه مع أقرانه الآخرين, وهو أيضا من اعتبر الآليات التي توصل الى المعاني والمقاصد, وبالتالي فإن أي نص أو كلام عربي يستطيع ابن اللغة العربية العارف بوضعها أن يلج أي مستوى من مستويات الرقي فيها, لأن المفردات المعجمية والترتيب النحوي من وضعه وصناعته، فكيف وهذا الحال لا يستطيع العربي الحاذق الخبير بلغته أن يأتي بمثل النص القرآني الذي نزل وفاقا للغته العربية وأساليبها الكلامية؟! وهذا الإشكال على ما أظن هو من دفع بعض الباحثين في علوم القرآن الى القول بـ (نظرية الصرفة) في الإعجاز القرآني, وتقرر هذه النظرية بأن الله تعالى يصرف البشر عن أن يأتوا بمثل القرآن, لا بسبب بلاغته وسمو تعابيره, التي هي ـ بحسب الاعتبار الديني الإسلامي ـ فوق مستوى قدرة الإنسان وطاقته, وإنما لأنه سبحانه يصرف الناس عن معارضة كتابه ونصوصه بإرادته تعالى الحاكم فوق عباده, المتصرف بهم والمتحكم بأفعالهم؛ حفظا للنبوة ووقاية لحمى الرسالة[24], أي أن العارف بالعربية لو تُرك وطبعه ـ بحسب ذلك ـ لاستطاع أن يأتي بمثل القرآن! لكن الله جل ذكره يصرفه عن فعل ذلك, فإمكانية المعارضة عند الإنسان موجوده, ولكان لها أن تكون على أرض الواقع لولا الصرف والمنع الإلهي!

وبناء على نظرية الصرفة يكون كلام القرآن كأي كلام بشري, لا مزية له على غيره من حيث الإعجاز والسمو والرفعة, نعم هو معجز بسبب عدم قدرة البشر على القيام بمعارضته عن طريق الصرف الرباني لا عن طريق العجز البلاغي والأسلوبي, وهذا مذهب فاسد يتهادى أمام آيات التحدي التي بينت العلة في عجز البشر عن ذلك, قال تعالى: {فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أُنزل بعلم الله} هود/ 14. فالقرآن نزل بعلم الله  لا كلاما تقوّل به النبي صلى الله عليه وآله, ولكونه كلام صادر منه تعالى العالم بدقائق الأمور والقضايا والمغيبات, والبشر مهما ارتفعوا بدرجاتهم فهم لا يحيطون تلك المعاني بتمامها, وهم غير قادرين تكوينا لا صرفا, أي أن الإعجاز مرتبط بالمعاني التي لا تُدرك بحقيقتها على ما هي عليه, فكيف الإتيان إذا بألفاظ تلائم تلك المعاني وتستوعبها وتعبر عنها مع عدم القدرة على معرفة تلك المعاني؟! فالإنسان قاصر عن ادراك الكمالات وطرق وصولها, هذا إن لم نقل إن القول بقدرة الإنسان على الإتيان بمثل القرآن لولا الصرفة يؤدي الى نتيجة باطلة, وهي أن الناس سينظرون الى القرآن بمستواه اللغوي كمستوى كلام البشر, وبالتالي سيشكل المعاند ويقول: كيف تثبتون أن هذا الكلام ليس من كلام البشر؟!

 وربما يشكل البعض ويقول: بقولكم: (إن القرآن عبّر بأسمى الألفاظ عن أتم المعاني” ألا يعني أن القرآن بتعبيراته المختلفة عن المعنى الواحد يستلزم أن بينها تركيبا معجزا واحدا؟) فقد يرد المعنى بتعبيرات عديدة وتراكيب مختلفة, واحد منها يبلغ الإعجاز والتمام, أما الأخر فهي دونه وأقل منه, كما في قصص بعض الأمم وبعض الأنبياء, فهل كل تلك التعبيرات المختلفة للمعنى الواحد تتصف بالإعجاز رغم تفاوتها الذي يستلزم كمالا ونقصانا؟ والجواب على ذلك أن المعنى الواحد يمكن التعبير عنه ببيانات مختلفة, لكنها في الوقت نفسه تكون جميعا إعجازية, ومعاني القرآن أفضل وأعمق المعاني, وهي تطابق الواقع الخارجي عين التطابق وتمامه, والقرآن هو الكتاب التدويني الذي ترجم لنا ما هو موجود في الكتاب التكويني (العالم الخارجي) على ما هو عليه, وبما إن الواقع الخارجي متفاوت في الرتب, فبعضه مشهود بإدراكنا له وبعضه الآخر محجوب عن الإدراك, فكذلك القرآن مصوّر العالم الخارجي, سيكون تدوينه ذا مراتب متفاوتة أيضا, منها ما هو ظاهر ومنها ما هو باطن, ولا تزاحم بين الظاهر والباطن, فالكل يقع تحت إرادة إلهية واحدة طولية تشمل الجميع, والقصور يكون من المستقبِل لا من المنظِم والمؤلِف.

وقد ربط الجرجاني ـ كما أشرنا سلفا ـ مفهوم نظرية النظم بالنحو العربي, أي اتباع القواعد التي بُني عليها علم النحو, وما يتضمنه من قوانين في التقديم والتأخير والفصل والوصل والحذف وما سوى ذلك من قواعد وأسس ينبغي على المؤلف أو الكاتب أن يتبعها؛ ليكون تأليفه محكما, والجرجاني بهذا يكون قد قارب مفهوم (السبك) عند (دي بوجراند), والسبك ((يتحقق بواسطة الرابط الرصفي القائم على النحو في بنيته السطحية, حيث المساحة للجمل والتراكيب والتكرار والإحالات والحذف والروابط))[25].

والنظم عند الجرجاني ((تعليق الكلم بعضها ببعض, وجعل بعضها بسبب من بعض […] والكلم ثلاث: اسم, وفعل, وحرف, والتعليق فيما بينهما طرق معلومة, وهو لا يعدو ثلاثة أقسام: تعلق اسم باسم, وتعلق اسم بفعل, وتعلق حرف بهما))[26], ويستطرد في شرح كيفية التعليق بين أقسام الكلم بأسلوب نحوي مطابق لما هو معتمد لدى النحويين.

وطرق تعلق الكلم بعضها ببعض، ورأى أنها تتمثل بمعاني النحو وقوانينه وأحكامه وأغراضه, يقول الجرجاني أيضا: ((لا معنى للنظم غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم))[27], ولابد للكلام عنده من مسند ومسند إليه, وبذلك يكون الجرجاني قد تعدى و((تجاوز مفهوم اللفظ (الوعاء) وأحل مكانه التركيب (المعنى), مؤكدا على وحدة عضوية بين معنى العبارة وبنيتها النحوية))[28], وهذا يعني أنه لم يتعدَ العبارة أو الجملة في تناوله لنظم القرآن, فترك دراسة السورة بتمامها فضلا عن القرآن ككل.

واستند الجرجاني في تفسيره لإعجاز النظم عن طريق نسبه ((القرآن الى الكلام النفسي, ليتسنى له إثبات قدمه, والفرار من الاعتراض بخلق الورق والغلاف الذي كتب به المصحف, ثم قادته فكرة الكلام النفسي ذاتها إلى فكرة النظم, وهو نظم المعاني في النفس))[29], أي نظم المعاني النحوية في نفس المتكلم لا بناء الكلمات وضم الألفاظ لتكوّن عبارة أو جملة؛ لأن  ((الكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس))[30].

ومن الباحثين من وجد أن دراسة الجرجاني للنظم القرآني تقوم على أربع أسس متتالية: (النظم, البناء, الترتيب, والتعليق), والنظم كما ذكرنا نظم المعاني في الذهن, التي تقوم هي الأخرى كما بينا على تصور معاني النحو والعلاقات بينها, الأساس الثاني هو البناء, وهذا يخص المباني بحسب معاني النحو, ويتكفل الصرف باختيار المباني للتعبير عن المعاني النحوية, وبضم النظم إلى البناء نكون أمام قضية الارتباط بين المعنى والمبنى, أما الأساس الثالث فهو الترتيب, ويعني به الجرجاني ترتيب المعاني, أي وضع العلامات الملفوظة صوتا أو المكتوبة في السياق الاستعمالي حسب رتبة خاصة, ويُعد التعليق الأساس الرابع والأهم من بينها, عندما جعل الكلام لا يستقيم إلا به من خلال قوله (ليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض), ويضيف هذا الباحث أن التعليق لدى الجرجاني يعني انشاء علاقات بين المعاني النحوية عن طريق القرائن اللفظية والمعنوية والحالية التي تجعل من العبارة متماسكة نتيجة لتعلق معاني المفردات فيما بينها[31].

ويبدو أن الجرجاني بذلك المنجز قد سبق العالم الأمريكي المعاصر نئوم تشومسكي, عالم الرياضيات وزعيم اللسانيات الحديثة, إذ تتطابق منجزات هذا الرجل في التوليدية والتحويلية اللسانيتين مع ما قدمه الجرجاني في نظرية النظم قبل ألف عام!! والفارق بينهما الموضوع وبعض التفاصيل الجزئية والثانوية, فموضوع الجرجاني لغة القرآن المعجزة بنظمها, أما تشومسكي فكان ناظرا إلى نظم اللغة بشكلها العام, بغض النظر عن كونها عربية أو انكليزية أو فرنسية ..الخ, فالنظم النحوي للمعنى في الذهن يناظر فكرة التوليد اللساني ومفهوم البنية العميقة, أما البناء والترتيب والتعليق فإنها تكافئ الفكرة التحويلية للغة ومفهوم البنية السطحية, وهذا سبق هام يُحسب للجرجاني خاصة, وللعربية والمسلمين بشكل عام. بيد أن ذلك لا يمنعنا من نقد النظرية الجرجانية؛ لأنها أقصت الصوت وما يترتب عليه من إيقاع ووزن من دراستها للقرآن, فالصوت له علاقة كبيرة في انتاج المعاني والتأثير على السامعين والمتلقين, وهذا واضح في الآيات التي تفتن القلوب وتأسر الألباب[32], إضافة إلى عدم تجاوز الجرجاني بنظريته إلى ما بعد العبارة والجملة, فهو لم يتناول سورة من السور بمجال تطبيقاته وتحليلاته, بل اكتفى ببعض الآيات والجمل, وهذا بالتأكيد لا يعطي صورة تامة عن النظم الواقعي للغة القرآن, فلابد إذا من دراسة نظم القرآن بمستوياته الصوتية والصرفية (المفرداتية) والنحوية (التركيبية), والنظر في بنائها للكشف عما تحتويه من أسرار تبين مدى إعجاز كلام الله سبحانه.

ومن المناسب لدراسة النظم القرآني أن يُتّبع منهج التحليل اللغوي, إذ يدرس هذا المنهج اللغة لذاتها أولا وأخيرا, وربما يختلط الأمر على بعض الدارسين في أن هذا المنهج يسلكه الأسلوبيون والبنيويون, إذ إن هنالك التباسا يجعله لا يميز بين هذين المنهجين من جهة ومنهج التحليل اللغوي من جهة أخرى, فالأسلوبية طريقة لتحليل شكل النص مستفيدة ومعتمدة على نتائج علم اللغة ومعطياته, والبنيوية هي الأخرى تعتمد على معطيات علم اللغة في تحليل شكل النص ومضمونه, أما التحليل اللغوي فإنه يقارن بين لغة النص وقوانين اللغة, وهو ما يعني مقارنة بين طريقة الأديب في التعبير وطريقة أبناء اللغة عموما, فيتبين عن طريق ذلك درجة التمايز لدى صاحب النص, إضافة إلى تعامل هذا المنهج مع اللغة على أنها ذات وجهين مختلفين بيد أنهما في الوقت نفسه متكاملان, وهذان الوجهان أحدهما تجريدي في الذهن, والآخر مادي ملفوظ بالصوت أو الكتابة[33].

[1] ـ ينظر: البيان والتبيين, أبو عمر عثمان الجاحظ: ج1/ 393.

[2] ـ ينظر: إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة, سلطان منير: 75.

[3] ـ نظرية الإعجاز القرآني وأثرها في النقد العربي القديم, أحمد سيد محمد مختار: 132.

[4] ـ ينظر: النظرية النحوية عند الجرجاني وتطبيقاتها في المقررات التعليمية (رسالة ماجستير), أم الخير الصديق:16.

[5] ـ نظرية الإعجاز القرآني: 130 ـ 131.

[6] ـ المصدر نفسه: 136.

[7] ـ ينظر: المصدر نفسه: 137.

[8] ـ ينظر: النظرية النحوية عند عبد القاهر الجرجاني: 18.

[9] ـ ينظر: المباحث البلاغية في ضوء قضية الإعجاز القرآني, أحمد جمال العمري: 340.

[10] ـ ينظر: أثر النحاة في البحث البلاغي, عبد القادر حسين: 377 ـ 378.

[11] ـ ينظر: نظرية الإعجاز القرآني: 58.

[12] ـ النقد الأدبي الحديث, د. محمد غنيمي هلال:267.

[13] ـ الأنماط الشكلية, جلال شمس الدين: 38.

[14] ـ ينظر: دلائل الاعجاز, عبد القاهر الجرجاني: 95 ـ 97.

[15] ـ المصدر نفسه: 252.

[16] ـ المصدر نفسه: 254 ـ 255.

[17] ـ ينظر: دراسات لغوية تطبيقية في العلاقة بين البنية والدلالة, سعيد حسين بحيري: 223.

[18] ـ ينظر: نظرية المعنى في النقد العربي, د. مصطفى ناصف: 38.

[19] ـ البيان والتبيين: 1/ 77.

[20] ـ ينظر: الحيوان, الجاحظ: 1/ 131.

[21] ـ دلائل الإعجاز: 45.

[22] ـ المصدر نفسه: 46.

[23] ـ خطوات التفسير البياني، محمد رجب البيومي: 224.

[24] ـ ينظر: الميزان في تفسير القرآن, العلامة الطباطبائي: 1/ 71.

[25] ـ لسانيات النص نحو منهج لتحليل الخطاب الشعري, أحمد مداس: 83.

[26] ـ دلائل الإعجاز: 4.

[27] ـ المصدر نفسه: 370.

[28] ـ شكل القصيدة العربية في النقد العربي حتى القرن الثامن الهجري, د. جودت فخر الدين: 93.

[29] ـ الأصول (دراسة ابستمولوجية للفكر اللغوي عند العرب), تمام حسان:308.

[30] ـ دلائل الإعجاز: 56.

[31]  ينظر: اللغة العربية معناها ومبناها, تمام حسان: 186 ـ 188.

[32] ـ ينظر: قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث, د. محمد زكي العشماوي:329 و339.

[33] ـ ينظر: منهج التحليل اللغوي في النقد الأدبي (بحث في مجلة آداب المستنصرية ـ ع18 ـ لسنة 1988), د. سمير شريف استيتية: 239 ـ 240.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here