موسى حوامدة: ستدفن في روحي وليس في تراب

موسى حوامدة

سيواري اليوم جثمانك الثرى في مقبرة “السموع” في الخليل، هناك إلى جانب والدك ووالدتك وشقيقينا الراحلين، ومن قبلهم جدك وأجدادك كلهم.

 لقد تركت لي هذه الرقم الثنائي المزدوج الحرج 2-2-20-20 يظل يحفر عميقأ في الروح، فما الذي تريد قوله باختيارك لهذا اليوم المثنى العجيب، لتموت فيه، هل تريد القول مات اثنان وبقي اثنان، وأنك واسطة العقد بين الموت والحياة، هل تريد الإشارة لموت أبيك وأمك في أقل من شهر واحد عام 2003 أم ماذا ؟؟ ام موت عمتيك في سنة واحدة؟

هل ستعيش عمرًا ثانيًا معي؟

اعلم أن ما قبل موتك ليس كما بعده

وأن الأيام التي تلي يوم رحيلك ليست مثل التي قبله

لا أعرف لم ولكن لموتك طعم ثنائي يحز القلب ويجرح الكلمات

لموتك طعم الحرق الذي يشتعل في حطب الروح الناشف

لفراقك طعم اللوعة والحرمان والأسى وفقد الوطن في لعبة الأمم

لموتك طعم الوطن الذي يتنمر العالم على تصفيته وتقطيعه ومحوه

لموتك طعم الأيام الأولى في طفولتنا

لموتك طعم الحزن والقهر والخيانة

لماذا أنت الثاني بعد شقيقنا “حسين”، وأنت الأصغر مني بثماني سنوات

ولم تموتون يا إخوتي صغارًا منذ موت شقيقنا الأول “اسماعيل” الذي تناسيناه كندبة في وشم الذاكرة، وموت حسين شابًا وموتك صغيرًا

ما الذي تريد أن تقوله لي

الحياة ليست مناسبة لتظل بضع سنوات فوقها بعد أن ماتت زوجتك وتركت ابنك وحيدًا ولا ثاني له

ما الذي تريد قوله لم تمت شهيدًا في الانتفاضة الأولى وسجنت بعد أن أخلصت لها، وفعلت ما يجب وما كان يمكن أن أفعله لو بقيت بينكم، وما يعوضني عن منفاي البعيد

اسمع لأول مرة سأقول لك: انا أحبك أكثر ما كنت تتخيل

أحبك أكثر من كل سكان المقبرة والبلدة

احبك لأنك كنت قطعة مني

منذ كنا ننام معًا في فراش واحد،

منذ كنت الفتى الأبيض الجميل والمحبوب

منذ كنت الحنون والطيب والمسامح

أحبك حتى بعد أن كبرنا وكبرت وصرت رجلًا وأبًا، بقيت أحبك ليس لأنك من رحم أمي وصلب أبي، بل لأنك كنت الأطيب والأكثر تسامحًا وحبًا وصلة رحم ورضا والدين

نم قرير العين واعلم أنك ستدفن في روحي وليس في تراب

ستنام مرتاحًا على سرير القلب وليس في وجع القبر

ستنام بين ضلوعي وسأحملك صليبًا على فؤادي

وقبرًا أخضر يحرس الموت والحياة من الزلل

نم يا اخي ولا تلتفت للوراء فالحياة لا تصلح للأنقياء مثلك

ولا تقلق فمحمدك لن يكون وحيدًا

نم ولا توجع قلبك فانت هش لا تحتمل المرض والألم والنكد والعذاب

نم مرتاحًا في سرير السلالة التي لم تبارح تلك الأرض من قبل الزمان والحروب والاحتلالات

ومن قبل الديانات والعداوات والمرويات

نم ولا تقلق فلم تفعل ما يعكر صفو نومك الأخير

بل كنت سهلًا سلسا عذبا وما أقل طيبتك وما أندر وفائك ومحبتك.

نم يا حبيبي

نم.

سأبكيك ما وسعني البكاء

وما منحتني الدموع من جود.

وفي أمان الله يا أخي……………………….

في أمان الله …

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. لله ما اعطى ولله ما اخذ وكل شيء عنده بمقدار.انا لله وانا اليه راجعون.احسن الله عزاءكم وعظم الله اجوركم.اللهم تغمده بواسع رحمتك واغفر له وادخله الفردوس الاعلى.
    حتى حزنك ادب راق…
    متعك الله بالصحة والسلامة والسعادة ابا عدي…

  2. أستاذ موسى كلماتكم في رثاء أخيكم أبكتني كثيراً وبحرقة في شتاتي البعيد هذا .. ؟؟ رحل الجمع تباعأً لم أستطع توديعهم أو حتى دفهنم أو الصلاة عليهم صليت عليهم أنا ووحدتي وغربتي ودموعي وأحزاني .؟
    قصتكم موجودة في كل بيت وفي كل دار فلسطينية … ؟؟
    عظم الله أجركم ورحم الله أخيكم والهمكم من بعده الصبر والسلوان وطول العمر وحسن البقاء لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل ولا أراكم الله مكروهاً في عزيز … البقاء لله ..

  3. لروحه الرحمة والمغفرة وانا لله وانا اليه راجعون ويكفيكم عزاء انه دفن في مقبرة ذويه واجداده وليس كحال معظم الشعب الفلسطيني المحروم من زيارة وطنه والمشرد خارج وطنه والذي يدفن في الغربة والشتات في كل مكان هنا وهناك!

  4. ما اروع هذه الكلمات في رثاء اخ لاخيه لا يستطيع الوصول ايه لتوديعه الوداع الاخير فيدفنه في روحه. حياك الله يا شاعرنا الحبيب واطال في عمرك واجزل عطاءك

  5. سيدي،
    عظم الله أجركم وخفف أحزانكم وألهمكم الصبر،

    إحزن، إبكى، لأن حزنك سيكتب شيئآ من مأساة اقتلاعنا من حاضرنا ومن ماضينا، ولتعرف الاجيال من نحن ليبقوا هم نحن.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here