موسى حوامدة: جمال ناجي يغسل يديه من طين الرواية

موسى حوامدة

سأضيف لهذا الليل ليلا

وأقول يا جمال:

خذ ما تبقى لك من ضياء

ولا تتعجل الرحيلا

خذ ما تبقى لك من حلم

واشرب معنا الكأس الأخير

خذ ما تبقى لك

من زهو وصَبابة

خذ وصايا أمك

منديلَها الأبيض لتكتب في مأواك الجديد

ما لم تقله في الكتابة.

توقف قبل أن تغمض عينيك عنا

تأمل صورة المشهد الروائي البعيد

اعلُ في قبرك

نشيداً حراً

لا يمل من الأمل

ولا يفقد بوصلة الطريق.

تعثرنا في سهو أجدادنا وطيبتهم

فتحنا للعناء مجده القديم

باعدت بيننا الخطى ومساقط النور

حملنا أوراقنا النازفة

حملنا قبور أجدادنا في صدورنا

وما خفنا من الموت

ولا ارتعشت قلوبنا من حملها الثقيل.

تلفتْ

قبل أن ترتدي بياض قلبك قميصاً ناصعاً..

تلفت وابتسم

كعادتك الحلوة في دهشة الطفل فيك

وفي تفريغ الحقد من مراميه.

تلفتْ وابتسم

ولن أطلب منك تلويحة الوداع الأخير

فلا تليق بصحبتنا المباهاة

ولا يليق بروحك التقليد.

كنت أهمس لك وأنا فوق لحدك العميق

بلِّغ سلامي للذين تحبهم هناك

ولا تتلكأ في رحلة العودة

ننتظر هنا

أو تنتظرنا هناك

ستكتمل الرواية

ومن حقك أن تترك النهايات قابلة للتجديد.

هذه هي القصيدة الثانية التي أكتبها بعد رحيل أحد الأصدقاء من الكتاب، كانت الأولى حين مات محمد طمليه، وكان عنوانها “حين يأتي الموت”، وهي منشورة في مجموعتي “موتى يجرون السماء” التي صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب- سلسلة ابداع عربي عام 2013، جلست وجمال ناجي ليلة رحيل محمد طمليه، صامتين نحتسي شيئاً من الشراب، نظر جمال للبعيد، دمدم شاتماً ..ثم قال: (يلعن …هذا ماااات)، كانت الجملة بسيطة ومختصرة، لكنها كانت من السخرية والعمق بحيث طوت سيرة شقاء طمليه، وصراعه مع الحياة قبل المرض، وإن كانت تستنكر الموت الذي خطف محمداً مبكراً.

مضت سنوات، لم نعد للحديث بعدها عن موت طمليه، بل كنا نستذكر بعض قصص الراحل، وعالمه الذي صاغه من البيئة الفقيرة والمسحوقة التي عاشها محمد في مخيم الحسين في عمان.

وها هو الموت، يجيء جمالاً هذه المرة، بلا مقدمات، وبلا مرض عضال، أو معاناة طويلة، سبق أن أجرى بعض العمليات الخفيفة للقلب، ووضع عدة شبكيات، ولكن دفعة واحدة، يضعف القلب، حين تأتيه الجلطة، فلا يتحمل قلبه، ويموت في الطوارئ، قبل أن أصل إليه حياً في مستشفى الأمير حمزة.

 صار الخبر حقيقية، فقد رحل جمال أيضاً، وشكل رحيله  السريع، صدمة لكل من عرفه، فقد مات شقيقه جمعة  قبل أقل من شهرين، وطلب مني شخصياً أن يقيم له حفل تأبين في رابطة الكتاب، وكان له ما أراد، وقد قال لعدد من الأصدقاء، أشعر أنني لن أعيش طويلاً بعد رحيل جمعة.

 في عزاء شقيقه، التصق بي كثيراً، وظل يهاتفني كل يوم أو يومين، دون ان أفطن إلى شبهة التوديع في صوته، وذكرني في آخر مرة أنه يريد قصيدة جديدة لمجلة أفكار، ولم أكن اعرف أو يعرف أنها ستكون عنه.

**

بدأت معرفتي بجمال رحمه الله، منذ بداية الثمانينات، كنت أتردد على رابطة الكتاب الأردنيين، حينما كان مقرها في شارع ابراهيم طوقان في جبل اللويبدة، بينما كنت لا أزال طالباً في الجامعة الأردنية، وكانت الرابطة تقدم الشاي والقهوة مجاناً، فكنت أجلس في البوفيه، عند أبي حسين الذي كان كريماً وطيباً، وفي إحدى المرات خرج المرحوم عبدالرحيم عمر متوتراً غاضباً، من اجتماع للهيئة الإدارية، ولما وجدني أمسك بي وقال راح يجلطني هال-جمال،  عبدالرحيم هو أيضا أبو جمال، لكنه كان يقصد جمال ناجي، فقد كان عبدالرحيم رئيسا للهيئة الإدارية بينما كان جمال عضوا فيها.

ضحكت يومها، وقلت لأبي حسين يبدو أن جمال ناجي عنيد، وليس إمعة فهو يناقش ويحاور، تمنيت لو كنت داخل الهيئة الادراية لأرى كيف يقوم جمال، باستنزاف الرئيس واجباره على الخروج من الاجتماع وهو يمسح حبات العرق النازفة على جبينه.

  قرأت أول رواية لجمال ناجي وهي “الطريق إلى بلحارث”، شدَّني الغلاف أولا على بساطته، وتأكدت وأنا أقرأ الرواية أن هذا الكاتب ليس عادياً فهو روائي مكتمل.

لم أقل له ذلك، لم نتعود أن نقول لبعضنا، أحببت كتابك هذا أو نصك أو قصتك، ولكن حين لا يعجبنا شيء لا نسكت.

أغلقت رابطة الكتاب الأردنيين نهاية الثمانينات، وكان جمال يعمل في أحد المصارف، وينشط في نقابتها، وما أن عادت الرابطة حتى عاد جمال لنشاطه الانتخابي فيها، ثم أسس التجمع الثقافي الديمقراطي مع عدد من الزملاء، ولأن جمالاً كان قريباً من كثير من الأعضاء، ويملك نفساً طويلاً، وأعصاباً قوية، نجح التجمع في جمع العديد من الأعضاء، وفي ترسيخ شكل ما لتيار ثقافي ديمقراطي، في انتخابات الرابطة.

وبالرغم من كل الملاحظات على التجمع، استطاع أن يدير شؤون الرابطة في أكثر من دورة حتى تشكل تيار القدس، وصار التنافس بينه وبين التجمع قوياً وفاعلاً.

ظل جمال في التجمع حتى لاحظ أنه خرج عن فكرته الأولى فآثر الانسحاب بهدوء دون أن يثير ضجيجاً او يفتعل انقساماً فيه، وحين ترشحت في الانتخابات الاخيرة، كان يتصل مشجعاً على الاستمرار، رغم أني في تيار القدس المنافس التاريخي للتجمع.

**

في عام 2000م، رفعت ضدي قضية الردة، بسبب مجموعتي الشعرية “شجري أعلى”، ورفضت الهيئة الإدارية القائمة في تلك السنة التضامن معي، أو تبني الموضوع، لأسباب من بينها ان رئيس الهيئة ليس مسلماً، ولا يريد أن يحسب عليه ذلك التدخل في قضايا دينية.

وبعد سنتين من المحاكمات الشرعية الماراثونية، نجحت هيئة إدارية جديدة عام 2001 وجاء جمال ناجي رئيسا لها، وكانت قضيتي من أولى القضايا التي تبناها، وذهب للمحكمة الشرعية، وعقد اتفاق هدنة مع المشايخ، وقد طلب مني فقط، أن ألتزم بعدم مهاجمة القضاة الشرعيين، لحين صدور قرار الحكم النهائي، وحين صدر القرار كان يتضمن براءتي من تهمة الردة، وحمل قرار محكمة الإستثناف الشرعية مفهوماً عظيماً حيث جاء فيه “أن الإيمان والكفر في الضمير والضمير لا يكفر”، وكان جمال سعيدا بانتهاء القضية وبهذا القرار. وقد أصدر وقتها بياناً، نسب فيه الفضل للرابطة، ولم اعترض، رغم دورالرابطة المتأخر، لكني كنت مرتاحاً لهذه النهاية، ولأن الرابطة أعلنت موقفاً ولو بعد أكثر من سنة.

 بعد ثلاثة أشهر، طلبتني المحكمة المدنية، فقد تبين أن وزارة الاعلام ممثلة بدائرة المطبوعات والنشر،  قد رفعت قضية جديدة ضدي، بحجة تغيير العنوان، وبعد عدة جلسات أصدر القاضي وليد كناكريه قرارا براءتي من التهمة، لكن الادعاء العام، رفض الحكم بعد أيام، وتمت إعادتي إلى المحكمة من جديد، وخلال المحاكمة، تم سؤالي عن قصائد جديدة، وحين قدمت أسماء نقاد وخبراء لكي تستعين بهم المحكمة لتقديم شهادات نقدية حول مرامي بعض القصائد، اختار القاضي جمال ناجي لتقديم شهادة، وفي الجلسة التي حضرها جمال سأله القاضي عن معاني ومرامي بعض القصائد، فقال جمال بهدوء، لا يمكن الحكم على القصائد بهذه السرعة، علي ان أقرأ المجموعة كاملة، واضطر القاضي أن يوافق على طلبه، ويعطيه النسخة الوحيدة الموجودة لديه، بضمان إعادتها، وبعد أن خرجنا من الجلسة قال لي ضاحكاً: اسمع الآن مصيرك بين يدي، قلت: بامكانك ان تسجنني، قال: حاولتَ أن أكسب الوقت، وسأكتب تقريراً رسمياً، وبالفعل كتب تقريراً لصالحي، وقبلته المحكمة، لكنها في النهاية صادرت المجموعة وحكمت علي بالحبس ثلاثة أشهر.

لكن المرحوم قام بالدور المطلوب منه كمثقف وكرئيس للرابطة، وبعد ذلك جرت انتخابات جديدة لم يتقدم فيها المرحوم للترشح ثانية، وظل أميناً للتجمع الثقافي، حتى غادر التجمع في وقت لاحق.

**

كثيراً ما كنا نلتقي في بيته، أو في بيتي، أو في مناسبات متعددة، وفي إحدى المرات دعا سميح القاسم وسهرنا في بيته، وقام بعض الأصدقاء بأهداء سميح بعض كتبتهم التي تركها سميح في بيت جمال، وغادر دون أن يأخذها، فغضب المهدون، حتى تدخل جمال وقال: هو طلب مني أن أوصلها له في الفندق غداً، فقد وعدته بأهدائه بعض كتبي.

**

كثيرة هي القصص والحكايات التي يمكن أن تروى عن جمال، وحبه لأصدقائه وللحياة، وعن هدوئه واتزانه، وكان حين يبلور فكرة الرواية لديه، يسر لبعض الأصدقاء بالخطوط العريضة، ويبدأ الكتابة، ويفضل لو اختار مكانا منعزلاً، خاصة في عجلون، في فندق سلطي التل، ويبقى عدة ليالي حتى ينهي الرواية.

**

جمال كان روائياً بالفطرة، فهو صانع ماهر حين ينجز عمله، أتخيله يغسل يديه من طين الرواية التي أنجزها، ولا يترك أثر أصابع عليها، وربما لم يكتب كل ما يريد، فقد كان يفضل مسايرة الحياة، وكان متصالحاً مع المكان، وأخص بالذكر عمان التي كان يحبها، وكان معنياً بتحليل الحياة فيها وخاصة الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

**

هذه كتابة سريعة، لا تفي الراحل حقه، ولكنها تجيء كنوع من التعزية للنفس، على فقدان صديق عزيز كان له حضور فاعل، وقوي، ففي كل المواقع التي عمل فيها، ترك بصمة واضحة، وأثراً جلياً.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. الأستاذ موسى الحوامدة .. لقد استفزت كلماتك كل مشاعري .. لدرجة أنها أطلقت دموعي كحمم البركان . أعرف أن الراحل جمال كان وسيبقى ملازما لوجدانك وعقلك وقلبك ، فهو جزء لافت من فسيفساء الابداع والفكر والثقافة والانسانية .. دمت أخي موسى .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here