موسى حوامدة: المريضة بنَقصِ التَّذكر

موسى حوامدة

سأتجنبُ اللظى والنعمة

العافيةَ ودعواتِ النسوة الجالسات على قارعة النسيان

سأتجنب الحديث عن المرأة

ولهاث الوطن تحت غبار الفكرة.

اليومُ الذي تكبرُ فيه الرزايا

ليس منسوجًا على منوال الجبل

النسوةُ كمَّمْنَ أفواه الربيع

وفي كل جنازة تعبر القرن الأفريقي

يتلكأ صبيٌ أسمرُ

عند نبع الموسيقى.

دَلِّلي مهدَك

مجِّدي عفة الخيال

اعصري الملح في قبضة لوط.

تكبرُ الفجيعة

ترفع رأسَها نحوَ شرفة النعاس

يقترب شعراءٌ مخصيون من ظلال عَدْن.

النوقُ تدلقُ حليبَها على مرآى الرماة فوق جبل أحد

الغبارُ يلف قافلةَ الحجيج إلى مكة

قافلة العبيد

يجلدهم نخاسٌ أعور

إلى سفينة التاجر الأبيض

تموت إرادة السهوب

تعزف المتاهة لحن الفراق.

لن نشتمَ الجلّادين

لن نبيعَهم طحينَ الصبرِ وكمثرى المرح

لن نغبطهم على بحبوحة الألم

سنعطيهم مزيدًا

مزيدًا من الوقت

ليحزّوا رقابَنا أكثر.

دليلاً تحتاجه السماء

لتقلع عن لهاثها نحو الطين

برهانًا لا تحتاج الكواكب

لتصبَّ كنوز نرجسها في يد الحمقى

يتلونون في كلِّ معصية

يقيمون صلاةَ الموتى

احترامًا للفراغ الواقف خلف الأرملة

تمتدُّ الأيدي لنقل رفاة الزمن

تتحشرجُ ألسنةُ السخام

تتفتق قشورُ الخطيئة

تخترعُ الحيواناتُ مجازًا جديدًا لربطُ اللجام برأس الحكمة

ترحلُ الطيورُ نحو الفجر

تعودُ من رحلتها المدينة

قاهرةً عدوَّها اللدود

خليفَتها المكروهة

بنتَ السعادة.

تأبى الحاجة للنهار

تسدُّ رغبةَ الغريب

تدقُّ ساعة النوم

فرس الدير.

يعزُّ علينا أن يرحل

بابا السرمدية(1)

ملاذُ الطريدة الهاربة

حاملًا تاريخ الأسى

وكبرياء الوردة.

تكسرت سيوف الغازين

فوق رقاب الضحايا

تمزَّق شمل النفاق الوطني

تناثر جيش الكَذَبة

انحرفنا عن كنيسة القيامة

نسينا وجه المهد

وصليب التلحمي.

يا حزنُ

علِّلْ سبب النار في “باب الواد”(2)

علل سبب الحقدِ في قلب الغراب

حاول أن تقنع الأرض بزيف الروايات

خرافة العبور

ورماد الهيكل.

الوهمُ سربالُ العقول

المريضةِ بنقص التذكر

وفحوى الورق القديم.

سنفتح لبلقيس طريقاً للشام

ونعطيها قبة الصخرة لتزفها الى مأرب

نرشُّ الفضاءَ بصُفرة الهدهد

حاملاً بلاط الخطيئة

إلى خالق الندوب.

طوقْ أحلامَنا بالرضا

واعتقْ مرارة الزيتون

فارقْ موتى شطط الأسطورة

واحمل لبذور الدم سمادَ الرعب.

حَوِّمْ فوق قبة الندى

اعفُ عن خطيئة الزهر

الزمانُ عدوُكَ السري فلا تتوهم عدوك المنظور

ستحتكم لشمعدان النسيان

وتذرو خيانة المطر

ثم تكشف عري السماء

وصلاة البغي.

جلنار ينسجُ بيتَ العنكبوت

طحالبُ تتسيَّدُ مشهد الوليمة

عفنٌ يحرسُ الميتم

شيمة الزمهرير هطولٌ مرير

تحرير رقبة

أو قطعها بسيف الشفقة

يتسلى السرطان بأمعاء الحليب

تذرف الخنافس دموع الغبطة

على قبر الخضرة

تصلي الديدانُ شكرًا للجثث

شكرًا لنعمة الخلق….

يمطرُ الربُّ سَنًا ومسرَّة

تشعل الجوقة نشيدَ الفوضى

تعالي إلى ترابي يا جثةَ الشهيد

سنسوي الطين بالدم

ونغرقُ العصيانَ برذاذ الكفن

نطفئ نار الشواء

ونملأ الفراغَ بتراتيل الأبدية.

الذنوبُ تؤوبُ من رحلة الجسد،

دون أن تؤذيَ عدوًا واحداً في خريف المعصية

تحمل قامة السنديان علامةً على المهانة

تحصي بيوضها الميتة

وتعود حاسرةً

بلا رفاق يقيمون وزناً لاعتبارات الدين.

نتلاعبُ بقدسية الموتى

نسردُ دموعًا ونفكرُ في بقيةِ النَّهار

نزجُّ بفضيلة الميت في حبات التمر

نرمي ذكرياتِه تحت درج التعازي

نحرصُ أن نُشيِّد شاهدةً تفي بالمزاعم الموهومة.

لا مرارةَ أبشعُ من سيدها

تنثر الزوابعُ رحمتَها فوق رؤوس الصِبية

تخفق السماء في وصف حزنها

تضحكُّ كلَّ مرة تطالها يد الغدر

خواءٌ يعقب الحديقة

بلاء يخبئ قميصه في معطف الزوال

والنصيحة حق الميت في السلام

وبثّ لواعجَ حارة تشي بالآخرة.

الدعاء يوحي بالطاعة الساكنة في أعماق القبور

والماءُ يذبلُ في جسدِ التراتيل.

تلك المنسيةُ بينَ سلاطة لسانها وفجورها

تمطُّ وجهَها المعدنيَّ باستنكار علامات الوداع

تمنح الموتَ سببًا وجيهًا للقسوة

ومن غيرتها على حائط الكآبة

تسمح للفئران بالعَدْوِ في أقبية اللعنة.

لن نسمي الأشياءَ بأسماء النجوم

لن نمازحَ القدرَ ونضربه على ظهر يده

لن نُسرِّح قطعان أفكارِنا في بريِّة الرسل

سيندم آدم الليلة

ويبكى حسرته بين يدي كليوبترا!

وستفرح امرأة العزيز للوشايات

ستحملُ عطرَ وصيفتها

وتسكب جبروتها في بئر الجدل

ستطعمُ الديدانَ حكاية الببغاء

وتُغرقُ الجنةَ بعطر التشهي

وثلاثة أرباع الندم.

لم تكن حكمةُ السلطان ورقَ بردي يلفُّ متاهة الراهب

أو حيرة الصوفي

وجهٌ أزرق يخرجُ من بالوعة الخراب

يبشر بغراب أبدي.

بناتُ آوى تعيد الإعتبار للحكاية

تغمسُ هلعَ الموتى

في عسلِ النُكران

وفيما تجلَّت نعمة النظر

تنضوي القلاع في كهف الضباب

تحت قوس الملك المهزوم.

لتحريرِ الدنسِ من بياض الرأفة

تتسع الأزقة

تمطرُ الحيرةُ فوقَ سهول الرضا

يشرب بيت الذكرى من دم الشرفات

يشتهي سيف العدل قطنًا للجَفاء

تسري الرعشة في عروق الدهشة

محملةً برفيف الغوايات

ترفرفُ الحمامات فوق سور القصيدة

تهدلُ بالسرِّ

لمرآى البياض

تخضرُّ الريح من لفح البحر

وتبيَّضُ العيون من عهن الوضاعة

تتبدلُ المحميات

بساتينُ الصدى

والعداوات تحملُ جريرتها بكامل الحبور.

السرابُ جسدٌ للنهار

السهو رسولُ الكلام

وتحتَ خدرِ النائماتِ في وَحْل الكسل

تموت العصافير

والشاهدُ يرفعُ إصبع الكناية

في وجه الجريمة

جنايةٌ كاملة.

(1)- البابا شنودة الثالث بابا الكنيسة القبطية رحل في 17/3/ 2013م.

(2) باب الواد في القدس وفيها وقعت معركة شهيرة عام 1948م انتصر فيها الجيش العربي واستطاع تحرير القدس مؤقتًا من اليهود.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here