موسى إبراهيم أبو رياش: الاردن: لا وطن بلا معلم

 

 

موسى إبراهيم أبو رياش

آه لو تعلمون قدر المعلم، وأهمية المعلم، وقيمة المعلم، وضرورة المعلم، وآلام المعلم، ومعاناة المعلم، لبكيتم كثيرًا، وندمتم طويلًا، وعضضتم أصابعكم وشددكم شعوركم ندمًا؛ فلا نهضة ولا مستقبل ولا وجود للوطن دون معلم، ولا استقلال ولا وعي ولا اعتدال دون معلم، ولا أخلاق ولا قيم ولا إنسانية بلا معلم، وكل من مسك القلم، أو حصل على شهادة أو توظف أو استلم منصبًا وصار شيئًا مذكورًا، فالفضل أولًا للمعلم، فالمعلم هو أساس الوطن وعموده الأكبر، ووطن بلا معلم، لا وجود له ولا قيمة له، وطن ميت.

والمعلم الذي أقصده هو معلم الطبشورة، معلم الصف، أو من ترك الطبشورة بعد أن ناء عليه الدهر بكلكله وأحنى ظهره، لأن معلم الطبشورة هو جندي المشاة، الذي يقاتل في الصفوف الأمامية على خط النار، خط المواجهة الأول للجهل والتخلف والأمية والتعصب، بينما من وضُعوا لخدمته ودعمه وتسهيل مهمته، ركنوا إلى مكاتبهم الفارهة، ومقاعدهم الهزازة، يتأمرون عليه ويأمرونه، ويتفننون في تعذيبه والتنكيل به وإشغاله بكل غث.

المعلم، هو الموظف الوحيد في الدولة الذي يشتري الأقلام والأوراق والدفاتر على حسابه، ويطبع الامتحانات ويصورها على حسابه، ويشتري الهدايا للطلبة على حسابه، ويطبع الجداول الإلكترونية على حسابه، ويتنقل من بيته إلى مدرسته دون بدل تنقلات أسوة بجميع موظفي الدولة، ولا تعامل مهنته بأنها شاقة، مع أنها أشق المهن وأصعبها وأكثرها خطورة وأهمية وحساسية، فهو يتعامل مع 200 طالب يوميًا، لكلٍ شخصيته وكيانه ونزواته وأخلاقياته وقدراته، وهو مطالب أن يراعيهم جميعًا، ويتابعهم جميعًا، ويدعمهم جميعًا، ويسجل ملاحظاته عنهم جميعًا، ويحفظ ظروف كل منهم، بينما يهرب الأب من ابنين أو ثلاثة، ولا يتحملهم إلا لحظات ثم يطردهم، ولا يطيق أن يجيب عن أسئلتهم، ولا يتردد بضربهم ووتعنيفهم لأقل خطأ أو هفوة، ولكن المعلم يُحرم عليه أن يضرب أو يعنف أو يسيء ولو بكلمة أو إيماءة، وهو الذي يعاني كل أخطائهم وضعفهم الدراسي وسلوكهم الذي لا يسر، ومشاكلهم البينية والأسرية واختلافاتهم الكبيرة.

يحسدون المعلم على عطلة الشتاء والصيف، ولكنهم لا يعلمون أنها عطلة للطلبة، أما المعلم فيبقى برسم الدوام وتحت الطلب في أي لحظة، ويكفي أنه ربما الموظف الوحيد الذي يحمل عمله إلى بيته من تحضير وإعداد أوراق عمل وامتحانات وتصحيح وجداول وعلامات وغيرها، فلا يستطيع أن يقوم بمهماته الورقية في المدرسة مع نصاب 25 حصة أسبوعيًا. ولو قارنا العمل الفعلي للمعلم مع أي موظف آخر، لكان المعلم الأكثر عملًا ولا يوازيه إلا موظفي وزارة الصحة في المستشفيات، ثم ما قيمة عطلة إجبارية لا رأي له فيها، ولا يستطيع أن يأخذ يومًا إجازة إلا لظرف طارئ أسوة بأي موظف آخر، ويوم إجازة بمزاج أفضل من عطلة أسبوع إجبارية!!

نعم، يوجد تقصير عند بعض المعلمين، ولكنه تقصير لا يتحملون وزره، فهم وضعوا في ظروف صعبة، دون وجود بيئة دراسية مناسبة، فالأعداد مكتظة، والمقاعد تئن، والمرافق غير مهيئة جيدًا أو معدومة أو بحالة مزرية، والوسائل التعليمية شحيحة، والواجبات لا تنتهي وخاصة الورقية العبثية، والدورات الفارغة تطاردهم في كل فصل، والاستجوابات تترصدهم في كل لحظة، والأهالي لا يرحمون، والإدارات لا  تراعي، والمديريات لا ترى المعلم، والوزارة لا تتعامل معه إلا أنه عبد مأمور، لا رأي له، ولا حق له. ناهيك أن المعلم لا يجد –في الغالب- مكتبًا مناسبًا أو كرسيًا يجلس عليه، أو كأس شاي يتناوله في استراحته، ويؤمر بالإشغال في حصة فراغه، فمن كان هذا حاله لا يتهم بالتقصير، بل من وضعه في مثل هذه الظروف هو المقصر والمجرم:

ألْقاه في اليم مكتوفًا وقال له/// إياك إياك أن تبتل بالماء

ذات يوم، حضرت حصة عند معلم في صف ثانوي عدد طلبته 71، فسألني بعد الحصة عن أدائه، فقلت له: يكفي أنك نجحت في إدارة وضبط الصف، وهذا إنجاز أعجز عنه أنا، وأتحدى وزير التربية أن يقوم بمثله، والتحدي ما زال قائمًا، وهذا الميدان يا حميدان!!

واهم من يظن أنه يمكن الاستغناء عن المعلم بالتعليم عن بعد، فلا يوجد بديل عن المعلم، ولن يكون؛ لأن التعليم الفعال يحتاج إلى معلم، حيث يتوفر التفاعل والتبادل ولغة الجسد والحوار المباشر ومراعاة الفروق الفردية، والاهتمام والرعاية والحنان والإرشاد والتواصل وغيرها من الأساسيات التي لا يمكن أن تتوافر إلا في المعلم، لأن التعليم المدرسي ليس مجرد ضخ وحقن معلومات، بل ثمة آليات ومهارات وسلوكيات وطرق لا يتقنها إلا المعلم، بالإضافة إلى أن التعليم يتطلب تمازج عقول، وتقارب قلوب، وتآلف أرواح، ولذا سيبقى المعلم واسطة عقد التربية والتعليم إلى الأبد، ولن يكون تعليم بدونه ولو تم حشد كل الوسائل والطرق الإلكترونية والرقمية والتي لم تخترع بعد.

الذين يقارنون عمل المعلم ودوامه وراتبه بغيره لا يعلمون، جاهلون، طمس الله على قلوبهم، لا يدركون حساسية مهنة التعليم وقدسيتها؛ المعلم إنسان له مشاعر وأحاسيس وآمال وأحلام ويعاني، وعنده أسرة وواجبات ومسؤوليات، وبحاجة إلى راتب مناسب يكفي حاجته، فالمعلم لا يستطيع أن يمارس أي عمل بعد الدوام، لأنه لا يعقل أن يعمل في بقالة أو مول يبيع لطلبته، أو سائق تكسي ينقلهم، أو في مطعم يخدمهم أو عاملًا مهنيًا يصلح أعطال بيوتهم، ولذا لا يجب أن يقارن المعلم بغيره، فمهنته لها خصوصية ويجب أن يُساعد ويدعم ليستغني ويستكفي بعيدًا عن العوز والاضطرار للعمل ليطعم أولاده، ودفع أجرة بيته.

المعلم هو من وضعنا مستقبلنا كله بين يديه، ونستأمنه على أولادنا وفلذات أكبادنا، بينما قد لا نستأمن جارنا أو صديقنا أو قريبنا، ويتحمل ما لا تتحمله الجبال من شقاوة أولادنا، وطلباتهم، وترهاتهم، ومشاكلهم، ومراجعات الآباء والأمهات، وأوامر الإدارات بمستوياتها المختلفة، ومن كان هذا شأنه، فالأصل أن يُبجل ويُحترم، وتكون له الصدارة والأولوية في كل مكان، وأكثر المعلمين تقصيرًا، يستحق التقدير والشكر، وجلهم مجاهدين وعظماء، تنحني لهم الهامات، وترفع لهم القبعات، وتفرش لهم الأرض ورودًا وسجادًا أحمر، ولو كنت صاحب قرار، لأمرت كل طالب أن يقبل يد معلمه كل صباح، وولي الأمر أن يقبل رأسه كلما راجعه أو رآه، ولكل موظف أو مسؤول أن يقوم عن كرسيه ويُجلسه، ويتابع بنفسه معاملاته، ولفرضت له راتبًا لا يقل عن راتب القضاة، فالمعلم مدرس وواعظ ومرب وآب وقاضٍ في كل لحظة، ولمنحته حصانة تحميه وترفع مكانته وقدره وشأنه، ولأكرمت تقاعده وشيخوخته.

المعلم، هو الجندي المجهول، ووريث الرسل، وولي خفي، شمعة في الظلام، ونجمة تتلألأ، وجمل محامل، وأمين ومستأمن، أصدق الموظفين وأكثرهم إخلاصًا، رقيبه ضميره، يحاسب نفسه قبل أن يُحاسب، هو الذي يصنع الحياة، ويشكل لبناتها الأولى، ويرويها ويرعاها إلى أن تستوي وتنضج، لا ينتظر منا إلا أن نعامله بإنسانية وكرامة وعدالة تليق برسالته ومهمته الصعبة، وحقه أن لا نقلب له ظهر المجن، ونعرف فضله ودوره الكبير العظيم، وأن نفيه ما يستحق، دون منّ أو أذى، فإن كان ثمة منّ، فهو الأحق بالمنِّ والفخر والتباهي!!

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

6 تعليقات

  1. ابدعت في وصفك للواقع المرير الذي يعيشه المعلم
    كل الحب والاحترام والتقدير للمعلمين ومربي الاجيال
    رغم كل الصعاب والبيئة الصفية الغير مناسبه بسبب نقص الامكانيات فحال المعلم العطاء فهو صانع ماهر له هدفه رغم تكالب كل المعوقات

  2. هذا وصف المعلم ايام زمان وليس حاليا للاسف !!!!!!!!

  3. صدقت بس هذا وصف المعلم ايام زمان لما كان في ضمير وما في مراكز تعليم خارج المدرسه تثقل كاهل اولياء الامور والطالب ينهي مرحلةالصف العاشر وما بعرف يفك الخط للاسف!!!!!!!!@

  4. لا وطن بلا معلم ، و لا معلم بلا وطن ، نقابة المعلمين في الاردن تسعى لتدمير و تخريب الوطن مما يؤدي أن يبقى لدينا معلمون دون وطن

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here