مواكب المفتي الهباش واعراسه الباذخة.. و”تسريب” البيوت في القدس وسماسرتها

 نادية عصام حرحش

منذ أيام والشعب مشغول ما بين رام الله والقدس بقضيتين: تشحيط واغلاق الشوارع بسبب فرح ابن قاضي قضاة فلسطين، مستشار الرئيس الفلسطيني، محمود الهباش، وتسريب بيوت جديدة من الصوانة الى سلوان.

بين القضيتين تفاصيل بها قضايا مرتبطة كثيرة، ينتهي تحليلها وفهمها في عبارة واحد: السيادة لقيادة تغيّب (مع تشديد الياء) القانون وتكرسه لمصالح عوائلها واعوانها

الحقيقة انه لا يمكن تجاوز ما تم تداوله من مقاطع لموكب فرح ابن الهباش، لأن المشهد كان بالفعل مرعب، لم يعبر المشهد عن فرحة بقدر ما عبر عن “عربدة” وكأننا في ثمانينات الافلام الهوليوودية بتصوير في مانهاتين. ما كان ينقص بالمشهد هو مغني راب يلبس المجوهرات المرصعة يقفز فوق السيارات ، ولكن لم يكن هناك داعي ففي سهرة العريس التي كانت بالفضاء العام كذلك، قدم المغني عرضا مشوقا في “التسحيج” للعائلة السلطوية العظيمة من الاب الى الابناء.

عائلة الهباش تملأ الساحة الشرعية والقانونية، فبيد الاب زمام الفتاوى، وهناك ابنة قاضية تشرعن اذا ما تمت الحاجة لها وابن في النيابة. الحقيقة، لا اعرف كيف تصور عقل شرطي ان يداهم منزل ابن العائلة السيادية… المسكين يظن انه يعيش في مسلسل تركي.

لا أظن أن هناك حتى داعي لإثارة الموضوع، فلن يجري تحقيق ولن يتغير أي شيء. سيعاقب من تجرأ على المساس بالسيادة العليا. واشكاليات الهباش منذ مواكبه الشخصية التي تغلق الشوارع صباحا ومساء اثناء عبوره وقضية العفش الذي اشتراه قبل سنوات لبيته بدلا من وزارته وبدلاته الفاخرة وساعته المرصعة وتسريبات الحوالات البنكية لم تؤد الا تقربه اكثر من السيادة الاعلى. فالفاسد في هذا البلد يعلى شأنه اذا ما تم كشف امره، وتتم ترقيته اذا ما فضح. وليست قصة الهباش الا قصة واحدة ضمن قصص كثيرة تعيد نفسها وتتكرر بأسماء جدد لوزراء واصحاب مناصب وتعيد نفسها تحت مسميات التنظيم والولاءات والتسحيجات التي تسمح للمواطن العادي ان يقرر اغلاق شارع من اجل فرح او حفل لشخص يرى نفسه بحجم الوطن.

وفي القدس بالمقابل، معارك اخرى تنهي معالم المدينة المعهودة، نحو واقع جديد مؤسرل ومهود، بأيدي فلسطينية بالخفاء وتنديد شعبي بالعلن. وشعب يردد بانفعال مع او ضد على حسب الحالة.

بينما كان موكب ابن الهباش يشحط، وانشغلت الشرطة وقوى الامن واستنفذ الحكومة باخراج بيان، كانت قوات الشرطة الاسرائيلية تقتحم بيوتا في القدس بصحبة مستوطنين يحملون اوراق ملكية لعقارات جديدة.

وكما انشغلنا في رام الله بتشحيط السيارة، وغبطنا لاصدار رئيس الوزراء منعا للتشحيط المستقبلي، انشغلنا بالقدس بصاحب العقار المسرب الذي قطعناه اتهامات وخونناه وبدأنا بإطلاق خناجرنا عليه من كل الاتجاهات. وثبتنا عيوننا امام مشهد واحد: عقار تم تسريبه،وصاحبه المجرم والمستوطن الدخيل.

لا يمكن الدفاع عن صاحب عقار تم تسريب بيته بدء، ولكن الامور لا تبدو بهذه السهولة من التفسير. فتعقيداتها تسهل علينا التمسك بهدف نجعله قربانا لاستيائنا.

المنزل الذي تم اقتحامه في حي الصوانه في القدس، ذكرني بتفاصيله التي طفت الى العموم بتفاصيل تسريب بيت عائلة جودة وشتية في القدس قبل سنة. مسكنا بأصحاب البيوت وتركنا المتهمين الحقيقيين.

تسريب البيوت في القدس لا تكمن معادلته ب: صاحب عقار  + مستوطن -= تسريب. المعادلة اعقد من ذلك بكثير ، فهناك : صاحب عقار (مأزوم يحتاج الى مال ليتخلص من عبء دين او مسؤولية تقصم ظهره يعيش في عقار  قد يفك عنه ازمته اذا ما عرضه للبيع ) + سمسار ( قد يكون قريبا من صاحب العقار يمثل منصبا او مركزا يجعله واسع الاتصالات ويده ممتدة بكل الاتجاهات وله اتصالات مع “جمعيات بالخارج”) + مستوطن ( جمعية استيطان ناشطة في شراء العقارات)= تسريب عقار.

المشكلة اننا نكتفي بظاهر الامر ولا نعبأ للتفاصيل التي صارت جلية.

قبل سنوات ، كان السمسار موجودا على شكل مستثمر عربي مع وكيل فلسطيني موجود في دولة عربية ما او قبرص او اليونان. يختفي تماما من الصورة بعد انهاء عملية البيع ليكتشف صاحب العقار انه وقع في شرك لن يخرج منه.

هنا، ومرة أخرى، لن اقول ان صاحب العقار بريء ، فعندما يقدم له عرضا بالملايين لعقار لا يثمن الا ببضعة مئات من الالاف في اعلى تقدير ، فلا بد من وضوح ان الموضوع ليس بموضوع سليم. يعني ان صاحب العقار يعرف من اللحظة الاولى ان العرض المغري لا يأتي من يد نظيفة. ويمكن القول في محاولة “استبراء” اصحاب العقارات ، ان السماسرة تطوروا في حيلهم وتخفوا في اشكال كثيره على مر السنوات، فالفضيحة الاكبر في سلوان كانت عندما تم الكشف ان السمسار هو احد الوجهاء الملتحين لجمعية اسلامية مرموقة في الداخل الفلسطيني ممولة من الامارات. فاصحاب العقارات غبنوا ببيع “اسلامي” يحارب التسريبات عن طريق تبرعات من اصحاب “الايادي البيضاء الخليجية” ، لنرى كيف تم وضع اليد بعد سنوات قليلة على اعداد كبيره من البيوت التي سربت تباعا عن طريق تلك الجمعية وهؤلاء “الشيوخ”.

هؤلاء لا يزالون شيوخا ووجهاء في مكان ما خارج سلوان. لم يحاسبهم احد ولم تطلهم اي تبعات وطنية في المحاسبة والمساءلة. استمروا من مواقعهم بتقديم “الخير” باسم الدين وتحرير القدس والاقصى بأماكن ولاناس سمعوا وعرفوا وتأكدوا ولكن لا يأبهوا … فمبدأ “طعمي الثم بتستحي العين” هو السائد.

نعاني من ذاكرة جمعية بحجم ذاكرة سمكة ، قد يكون تراكم الامور وتسارعها هو سبب. الانشغال بالامور الخاصة في محاولات عقيمة للبقاء صار هو الحال الغالب على الشعب. صرنا افرادا لا شعبا.

العربدة هي السائدة، وتهديد مباشر على الحياة، اذا ما نطقت بموضوع يمس مصلحة لمسؤول يتفشى غناه وجبروته بالبلد.

نريد حربا وهجوما لاذعا على ضحية نختارها قربانا، لتسكت ما يقض مضاجع ضمائرنا المتسترة على الواقع المعاش.

كما في تسريب حي الصوانة الاخير، هناك رجل تم انتقائه كبش فداء الجريمة ، بينما هناك سمسار اشرف وخطط وساهم وقبض هو المجرم الحقيقي يقف مع الجموع بطقوس الرجم على “البائع صاحب العقار”.

قصة بيت جودة وشتية لا تزال عالقة بالاذهان. سمساران واضحان معرفان لا لبس في جرمهما في تسريب البيوت. الا ان المجتمع اختار كبش فداه من اصحاب العقار المسرب.

تسريب البيوت بالقدس ازمته ليست بصاحب عقار يبيع. ومرة اخرى لا اريد من كلامي ان يفهم بأن صاحب العقار بريء. فالطمع وعدم التحري والاستدلال هو سبب. ولا انكر ان العوز والفقر وسوء الحال والفساد المستشري بالمؤسسات هو سبب كذلك يجعل الانسان البسيط في زاوية خانقة لا يعرف كيف يتصرف والى اين يتجه. وموضوع “حاميها حراميها” هو سبب موجع اخر.

تبقى الشائعات هي السائدة في معظم الحالات، وعندما تظهر الحقيقة عن طريق تسريب يختبيء اصحابها وراءها خوفا على حياتهم. فالموضوع ليس مجرد اتفاقية بيع وشراء قذرة. فمن يستطيع ان يقوم بهذه الاعمال لا اخلاق ولا مبادىء تردعه. وثابت وراء اجهزة سلطوية تحميه.

الم يحن الوقت لنفتش عن السماسرة والذين يقفون وراءهم؟

هؤلاء هم المجرمون الحقيقيون.

هؤلاء هم المستمرون في بيع الوطن عقارات واراضي ومصالح. صاروا اسيادا علينا عن طريق مناصب تحميهم تزيد من نفوذهم واموال معطرة برائحة الدم ومغمسة بخيانات لن يغفرها التاريخ.

كاتبة فلسطينية

http://nadiaharhash.com

Print Friendly, PDF & Email

7 تعليقات

  1. سيدتي الفاضله ناديه حرحش.. تحياتي وتقديري واحترامي لك سيدتي ولشجاعتك التي اصبحت عمله نادره جدا هذه الأيام خوفاً من قطع مخصصات أو طرد من العمل أو مضايقات من السلطه وغيرها من التهديدات التي يواجهها الشرفاء من أبناء شعبنا الفلسطيني
    .. ..مع تحياتي وشكري لك سيدتي الفاضله

  2. عباس و زمرته مسؤلون عن ضياع القدس .. لكم يوم إنشاء الله

  3. العزيزة نادية عصام خرحش المحترمة
    مقالك ممتاز لأن كشف هؤلاء السماسرة واجب وطني
    _يمكنك الرجوع الى قصيدة الشاعر ابراهيم طوقان:
    باعوا البلاد الى أعدائهم طمعا
    بالمال لكنما أوطانهم باعوا
    قد يعذرون لو أن الجوع أرغمهم
    والله ما عطشوا يوما ولا جاعوا –

  4. الكاتبه الكبيره ناديا حرحش
    تحية واحترام
    مقال رائع
    الله يحميك من شر السماسره ومن يقفون وراءهم

  5. الظاهره قديمه جديده وهي تحتاج الى دراسه نفسيه اي شيوخ الدين المتاجرين بالقضايا الوطيه والمتربحين منها احدهم من مدينتي كان يهادي الحاكم الايطالي لمدينتي صنف جيد من التمر ( اعز مايملك ) خرج الطليان جاء الانجليز نفس الشئ من اول يوم طرق باب الحاكم الانجليزي ليهديه التمر جاءت المملكه بايع الملك وزعم للبسطاء انه على علاقه قديمه به انقلب معمر احتضنه وهو يبكي في مشهد مشهور عرض حينها في التلفزيون الليبي قائلا للناس بعدها انه علم القائد القران في بوادي سرت ** بعض ابنائه واحفاده على نفس الخط رجال كل العصور ان صحت تسميتهم رجال
    هناك مثل شغبي عندنا وهو متداول في بلاد الشام ايضا ( بيت الهباش ما يعلاش ) ربنا يستر

  6. السيده ناديه حرحش المحترمه تحيه طيبه وبعد
    أنت تمثلي فئه قليله واعيه ومتيقنه من أبعاد مايحصل في الضفه والقدس إن مايحصل حاليا هو أسوء حقبه يمكن أن نراها حيث الشرفاء إما في القبور أو في السجون أو في المنافي أو متقوقعين على أنفسهم والطغمه الحاكمه في راملله أصبحت عبء على فلسطين وعلى صراعها العادل وأصحبت فقط همها الأوحد المقاصه كامله أو ناقصه وهموم الأخرى أموالهم وسفرياتهم وتوظيف أبنائهم في البعثات الدبلماسيه وإعطائهم الوضع الأجتماعي الخاص والمرافقات وإلخ ومالفت نظري أختي الكريمه أن بعض العباقره من مثقفين سلطة راملله بدأو يروجوا إلى إستنساخ تجربة الهند في النضال السلمي ضد الإحتلال الإنكليزي و تجربة جنوب أفريقيه والنضال ضد نظام الفصل العنصري ونسي أو تناسى مثقفين السلطه أن الهند كانت إحتلال إقتصادي وجنوب أفريقيه العنصريه قائمه بين أطياف المجتمع الواحد وإنهارت فيما بعد لاكن نحن في فلسطين نختلف كليا عن النموذجين السابقين نحن نواجه إحتلال تصفوي إقصائي توسعي عنصري لايريد إلا طرد الشعب من ماتبقى من أراضينا وبالمقابل هم يمنعون المظاهرات الخارج عن نطاقهم فقط المسموح به مظاهرات المبايعه والتفويض حاليا مع الأسف الشديد الضفه والقدس تعاني الكثير فالشريف مكبل والمتخاذل حر طليق ويعطي شهادات الوطنيه يمين ويسار ويقيم المجالس ويقول بالفم الملئان عن بطولاته وكأنه فون جياب الجنرال الفيتنامي الشهير الذي هزم أمريكا وفرنسا أختي الكريمه أنا لاأعلم لاكن يبدوا أن الطغمه الحاكمه لاتقرأ التاريخ ولاتعرف أن لامرحله أبديه تدوم ولاقوه تدوم وأن كل الدكتاتوريات كان مصيرهم قاسي ومحفور في ذاكرة التاريخ لأنهم قمعوا الشعوب وعموقوا الفجوه بينهم وبينه وهناك أمثله عدة نذكر منها الديكتاتور الإيطالي موسوليني والدكتاتور الروماني تشاوتشيسكو أختي الكريمه أن أعلم الوضع في الضفه والقدس لن يبقى هكذا خصوصا بعد عباس ولاكن في ظل تواجد هذه الطغمه خلفه وتسلطها على العباد وتخاذلها فأنا أتوقع أن نزاع داخلي بينهم على السلطه وأتوقع ثوره جماهيريه قادمه لامحاله لأنزالهم عن هذه العروش الوهميه المصطنعه وبسبب أن لايوجد فصيل سياسي بالضفه أو القدس يدير الأمور “فش تأطير سياسي” فالوضع يصبح أخطر لاكن الأمل بالله عزوجل والمثقفين الأحرار أمثالك أختنا الكريمه والجماعه مشغولين في السفر لإنشاء البزنس والتجاره وإفتتاح البعثات الدبلماسيه وأهم شيء أنهم معتقدين بل متأكدين أنهم أفشلوا صفققة القرن لاكن مع بعض الخسارة أن القدس شرف كل فلسطين حر أصبحت عاصمة الإحتلال وأن اللاجئين شطب حقهم في العوده وأن أغوار الشريعه في طريقها إلى الضم لصالح الإحتلال وأبناء الطغمه الحاكمه يسرحون ويمروحن ويشحطون وفي المقابل أجهزة أمن راملله تحذر المواطنين من إستخدام الألعاب الناريه في إحتفالات التوجيهي فعلا شيء في قمة التناقض على العموم لاحال يدوم والله تعالى المستعان وفي الختام الرجاء النشر وشكرا جزيلا

  7. كان بودي ايضا أن تتطرق الكاتبة القديرة إلى تسريبات عقارات باب الخليل مؤخراً.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here