موارد العرب المهدورة.. والأبقار الاوروبية السعيدة

د. ياس خضير البياتي

بدأ أعتذر للعرب من المقارنة بين البشر والبقر ،ولكن ، ما باليد حيلة ،فما تقرأه عن حياة البقر السعيدة في اوربا ، ودلالاها البشري ،وحقوقها ، وتقارنها مع حياة العرب في أوطانهم ،أظن ان الكثير منا  يفضل أن يكون بقرة  اوربية على أن يعيش تعاسة الوطن وفقره وذله ،لأننا نعيش أسوأ زمن للمقارنات والفقر والحروب ،وخبر تقرأه في الصباح الباكر يقول ان البقرة الأوربية تحصل على دعم من الإتحاد الأوربي مقداره 2.5 دولار، وانها تكلف، حسب احدى الدراسات حينما لاتكون حاملاً، 3 يورو في اليوم اي ما يزيد عن اربعة دولارات، كفيل بان يجعل كل عربي يلعن مكان مولده ،وتاريخ ولادته ، لأن هذا يعني بأن أكثر من نصف العرب يعامل بأقل نصف بقرة اوربية ! أما اذا قرأت اخبار حقوق البقر فأنك ستعيش صدمة الحاضروالمستقبل،وتتمنى ان تتمتع ببعض مزايا الكائنات الحيوانية في اوربا، على ان تكون كائنا بشريا في وطن يزخر بالثروات الطبيعية والانهر والبحار ،فقد رفضت السلطات السويسرية طلب (نانسي هولتن)، وهي تعيش في سويسرا منذ 33 سنة، بطلب الحصول على الجنسية السويسرية، لأن جيرانها  تقدموا بشكاوى ضدها بسبب وصفها أصوات أجراس الأبقار بالمزعجة! بل ان السلطات تتعامل مع الأبقار كثروة حيوانية ضخمة تدر دخلا هائلا على البلاد، وهذا دفعهم لعمل (جواز سفر)خاص لكل بقرة، يتم فيه توثيق كل المعلومات عنها، اسمها وتاريخ ميلادها، إضافة إلى سلالتها ،ولها حق دخول الاتحاد الاوربي بدون فيزة !وهي بهذا الامتياز افضل من معظم العرب الذين لايحق لهم دخول هذه الدول ،لأن جوازاتهم ملوثة بأفعال حكوماتهم ،اوبصفات الارهاب الافتراضي !

من يقرأ تاريخ البلدان المتطورة ،والفقيرة بالثروات الطبيعية ، يشعر بالخجل لواقع معظم دولنا التي تغرق بالنفط والغاز والثروات والمياه ،مقابل الفقر والجهل والاضطهاد السياسي والاجتماعي،وامراض االطوائف والقوميات والعشائر. وبعض الناس ممكن ان يروا ان السبب مجرد سوء حظ لعدم امتلاك الدولة للموارد الطبيعية وهذا افتراض خطأ حيث ان سنغافورة تعتبر الثالث علي مستوي العالم و السويد التاسع على مستوى العالم من حيث اجمالي الناتج المحلي للفرد علي الرغم من عدم امتلاكهم لاي من الموارد الطبيعية ،علي العكس العراق الذي عنده وفرة في الموارد الطبيعية من النفط والغاز ،تربة خصبة،معادن نادرة ، لكنه في آخر الدول من حيث اجمالي الناتج المحلي للفرد ،بسبب فساد الحكومة وعدم كفاءتها، لتجعل  منها دولة فقيرة ،لاتتمتع بأدنى مستويات العيش البشري !

لكل اقتصاد عراب، ينقل الاقتصاد من وضع سيء ومتردٍ إلى وضع أفضل ، فعراب النهضة الماليزية هو محمد مهاتير محمد، وفي سنغافورة لي كوان يو، وفي اليابان الإمبراطور موتسوهيتو،أما في الهند فعراب نهضتها ومهندس عملية الإصلاح الاقتصادي فيها هو مانموهان سينغ،وفي كوريا الجنوبية الجنرال بارك تشونغ هي  ،وفي البرازيل لولا داسيلفا. اما عراب الاقتصاد عندنا ،فحدث فلا حرج ،فهم من فصيلة (الحرامية) و(أقتصاد السوق الحرام ) وتجار(المخدرات والموت) ،لذلك تنعم اوطاننا بالظلم والقهر والشقاء والمعاناة ،وموت الآف الدونمات من الاراضي الزراعية ،وانعدام الماء والكهرباء والصحة والتعليم ،بينما تنعم بلدان الابقار والأزهار بدخل كبير يفوق دخل الكثير من بلدان النفط  التي لاتمتلك لحد الآن شارعا محترما ، ومستشفى متطورة ، ومدرسة حديثة ، وبنية تليق بألأوطان.

اليس معيبا ان تكون ايسلندا البلد الصغير ،على سبيل المثال والحصر ، التي هي عبارة عن جزيرة فى المحيط الأطلنطي مساحتها أقل من نصف مساحة بغداد وتعداد السكان 340 ألف نسمة، يعنى أقل من تعداد أي حي عراقي ، يكون ترتيبها 14 فى الدول الأكثر تقدما والمرتبة الرابعة عالميا فى مستوى إنتاجية الفرد، وهذا بسبب جودة التعليم والصحة والعدالة والحرية والاستقرار،كما استطاعت دخول كأس العالم وتنافس فيه بقوة،بينما العراق صاحب الحضارات والمياه والنفط والمعادن والقوة البشرية ،يأتي في آخر سلم الأوطان فسادا وتخلفا وأتعس معيشة!

لاتقل لي بأن تخلف العراق سببه تنوع العقائد والطوائف والأديان،فهذا ضد المنطق والتاريخ ،

غير أن قصة سنغافورة تنسف هذا المبرر، هذه الدولة الجزيرة التي تتكون من مئات الأديان والأعراق واللغات ومساحتها 140 كيلو متر مربع استطاعت أن تحقق في حوالي 40 سنة دولة اقتصاد واستقرار بجدارة، مثلما غرست ثقافة التعايش والتآلف في أنظمتها الاجتماعية والتربوية واعتماد معيار الكفاءة وحده للتفضيل، الأمر الذي خلق مجتمعا منسجما رغم أنه غير متجانس ،وهي الآن في الواقع رابع أهم مركز مالي في العالم، وخامس أغنى دول العالم من حيث احتياطات العملة الصعبة، كما أنها تصنف من الدول الأكثر استقرارا، ما يجعلها مشتلا لرؤوس الأموال والاستثمارات والمراكز التجارية الكبرى في العالم، علاوة على وصول معدل الدخل الفردي للمواطن السنغافوري إلى مستويات قياسية تصل إلى 60 ألف دولار.

أنظروا الى البرازيل بلاد السامبا والجمال والطبيعة، والمرح والكرة، والقهوة والكاكاو، ذات الـ 300 مليون نسمة، هناك تنصهر كل أعراق حضارات العالم، الأوروبية والأسيوية والإفريقية والعربية في بلد واحد، استطاعت خلال عقدين من الزمن فقط، الانتقال من دولة ترزح تحت وطأة التضخُّم والفقر والدين، إلى دولة ذات اقتصاد متطوِّر وصاعد، بحيث أضحت خامس اقتصاد في العالم.اما الهند فهي من أكثر الدول تجسيداً للتعددية بأشكالها المختلفة العرقية واللغوية والدينية والثقافية ،ومع ذلك تعد اليوم ثاني أسرع اقتصاد بعد الصين،  وخامس أكبر اقتصاد في العالم في 2018.

مشكلة العرب أنهم لايريدون قراءة التاريخ والجغرافيا ، لأنهم مشغلون بقراءة التنجيم  والطبخ وغناء المواويل الحزينة ،وانشاء المقابر والمزارات ،وتهديم التعليم بفأس الجهل ، وتعميق ثقافة الفساد والنهب والتزوير ، والتغني بالماضي ،والبكاء على تاريخ القتال والتآمر والغلمان والجواري والثأر ،واعادته لنا من جديد لكي يجعلوا الاموات تحكمنا وتقرر مصيرنا ،فأي زمن يعيش العرب اليوم ؟ بينما دول العالم التي كانت اكثر فقرا في الموارد تبتكر الحياة الجديدة  ،فتدلل ابقارها الدنماركية والسويرية لكي تنعم بأقتصاد مزدهر ،ولكي تكون لها علامة تجارية عالمية (زبدة السعادة الدنماركية ) ،وتبنى مزارع الورود الهولندية لكي تنعم مواطنيها بالعيش الكريم ،وتنشر عطورها لتحصل على براء اختراع في الحياة ،وبلدان تحول دولها كسنغافورة وماليزيا من بلدان مسطحات للبعوض الى دول عصرية تصدر التكنولوجيا والمعرفة ،ومن يقرأ تاريخ كوريا الجنوبية يرى بأنها كانت واحدة من أفقر دول العالم ، وأكثرها دمارا اقتصاديا وفوضى سياسية  من جراء الحروب، حيث لم يتجاوز آنذاك المعدل الفرد السنوي 80 دولارا ،ومع ذلك فأنها اليوم من أكثر الدول نموا اقتصاديا،وهي ضمن 15 الاقتصادات الكبرى في العالم ، كما تعتبر من بين 12دولة في العالم ، لذلك اصبحت جمهورية نهر (هان) قوة أقتصادية عالمية ، ،كما يفوق متوسط الدخل السنوي للفرد 30 الف دولار ،مثلما اصبحت دولة ديمقراطية بأمتياز .اما الصين فلها قصة اخرى ،فقد قهرت هذه الدولة العظيمة التخلف والفقر والامية ونقص التنمية بعقول جبارة ،لتعتبر اليوم عملاقا اقتصاديا وسكانيا وسياسيا وتجاريا ،لتحتل المركز الخامس على مستوى العالم ، حيث تتسم القاعدة الانتاجية بالتنوع الكبير في الصناعة التحويلية والتكنولوجيا ،بل أعطت درسا بليغا للعالم وهوأن عدد السكان ليس عائقا أمام التقدم والنمو وأن الثروة البشرية هى أغلى ما تمتلكه الشعوب .

وأثبتت تجارب الدول التى حققت نجاحاً نسبياً فى الحد من الفساد أنه لا يمكن أن تتحقق التنمية بدون مفاهيم الشفافية والمساءلة والحكم الرشيد ومن ثم الديمقراطية،فبدأت هذه الدول فى فى سياسة التحول الديمقراطى والحكم الرشيد تزامنا مع تحقيق معدلات تنموية مرتفعة , وقامت بعدد من الإصلاحات متمثلة فى قوانين محاربة الفساد وقوانين تعديل العملية الانتخابية والتمويل السياسي، كما أن المجتمع المدنى والمشاركة الاجتماعية كان لهما دور مهم فى تفعيل هذه القوانين ومراقبة المؤسسات المدنية.

فهل نحتاج اليوم بعد قراءة تاريخ الشعوب ،من يأتينا ليقول لنا قولا ثوريا ،بأننا أمة واحدة ،رغم أننا من اكثر الايام تفرقا وخضوعا وذلا وخرابا وتخلفا،فقد صنعنا قنابل نووية ،وصواريخ بعيدة المدى لتدمير التعليم ، وتهديم النفوس بالغش والفساد ،وتخريب الدين بالفتاوى والغيبيات ،حتى اصبحت أوطاننا ملوثة بالدم والتهجير والموت ،فلا ابقارنا تنعم بعطاء البشر ، ولا البشر تنعم بحليب البقر العربي ، حتى وصلنا الى مرحلة الأيمان القسري  بأن بعض أوطاننا بحاجة الى بقرة سويسرية تحكمنا وليس الى بقرة بشرية عربية !

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. مقال رائع و اکثر
    تطور الشعوب مرهون بالمنهج الدراسی و فصل دین عن السیاسه
    ا

  2. مقال رائع يجسد حال الأمة تماما نابع من احساس بالألم لما نحن فيه
    الحل يكمن في قيادة واعية, حريصة وشريفة تتطلع للأمام دائما وحازمة تتخلص من اللصوص والمأجورين, وترفع من مستوى الحريصين على وطنهم والمتنورين منهم وتبعد الجهلة والمنتفعين والمتواكلين .

  3. لا يمكن للعرب تحقيق أي تقدم حضاري بسبب كثرة الخونة الذين يعملون باستمرار في التآمر مع الأعداء

  4. عزيزي البروفسور البياتي المحترم
    اذا اردت تحسين وضع الشعوب المنكوبة بالاستعمار والاحتلال مثل بلدنا العراق فعلينا ان نتحد ونحارب الافكار الطائفية والقومية والدينية لكي نكون قوة جبارة قادرة غلى استخدام كل الطرق الضرورية لمحاربة الاستعمار الانغلو امريكي الاطلسي وطرده من بلدنا. ولكي نستعمل كل الطرق الضرورية لاسقاط الحكومة العميلة التي دخلت العراق على الدبابات الامريكية.علينا ان نستفيد من الصراع المسلح الذي استخدمه الشعب السوري الجبار الذي تمكن من الاستفادة من مساندة جيرانه ومساعدات دول البريكس، وعلى رأسها روسيا الاتحادية، من محاربة الاستعمار الامريكي الاطلسي ومرتزقته الذين استفادوا من الاموال السعودية والخليجية واعتمدوا على المساندة الاسرائيلية ثم فشلوا بفضل الصراع الدموي لهذا الشعب الجبار. لقد نجح الشعب السوري بصبره ووحدته وتضحياته في تحرير بلده . انه يفتخر بنضاله وقيادته الحكيمة. نيتطيع نحن العراقيون ان نتعلم من تجربة الشعب السوري الشقيق ونتحد ونناضل ونفوز مثله.

    وشعبنا العراقي يستتطيع التعلم منه وينتصر مثله.
    مع الشكر والتقدير
    كمال

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here