مهند عماد عبد الستار: المسؤولية الدولية عن انتهاك حرمة المسجد الأقصى

مهند عماد عبد الستار

قبل أيامٍ عدة، عشية إحدى أيام السابع والعشرون من رمضان وأثناء ممارسة المسلمون لأداء فريضة الصلاة، حدثت مناكفات ومواجهات بين شبان فلسطينيين وجنود إسرائيل المُحتلة، أثر اقتحام هؤلاء الجنود لساحات المسجد الأقصى الذي هو مسرى نبينا محمد “صلَّ الله عليه وسلم”، وإن السبب الرئيس الذي أثار تلك المواجهات هو الشروع بإصدار قرار من قبل المحكمة العليا الإسرائيلية في قضية إخلاء المواطنون الذي يمكثون في منطقة فلسطينية تسمى بمنطقة “حي الشيخ جراح”، وهذا الموضوع لعب دورًا رئيسيًا في تصاعد وتيرة المواجهات التي شاهدناها وسمعناها من خلال المنصات السمعية والمرئية، بالإضافة إلى ما تداولته وسائل التواصل الاجتماعي في حينها.

مما لا شك فيه، بأن للديانة الإسلاميّة أماكن مقدسة لدى المسلمون مثلها مثل الأماكن المقدّسة في الديانات الأخرى، فالمسجد الأقصى هو المكان المُقدّس لدى المسلميين، والكنيسة هي المكان المُقدّس لدى المسيحيين، والمعبد هو المكان المُقدّس لدى اليهود… وهلمّ جرّا، وإن القواعد القانونية الدولية في ظل السياسة الدولية الحديثة قد كفلت الحماية القانونية لأماكن العبادة للديانات السماوية، لا بل قد طالت تلك الحماية الديانات غير السماوية، من منطلق ضرورة حرية اعتناق أي عقيدة دينية لدى البشرية أجمع دون قيد، واتبعتها الدساتير الداخلية لأغلب دول العالم في تقنين تلك الحماية، مما رتّب مسؤولية جنائية ومسؤولية مدنية كأثر قانوني مُستنبط من الحماية الدستورية.

ونحن بصدد القواعد القانونية التي ترمي إلى حماية أماكن ومراكز العبادة في زمن السلم، وأي تعرض لتلك الأماكن من قبل كيان معنوي أو كيان طبيعي سيُّعرضهم للمسؤولية الدولية والتي سنُشير لها فيما يلي:

١/ ميثاق الأمن المتحدة سنة ١٩٤٥

أكدت المادة الثانية من الميثاق على تحقيق التعاون الدولي لترويج وتشجيع إحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعًا دون أي تمييز بسبب العنصر أو اللغة أو الدين.

٢/ وثيقة فيينا الختامية سنة ١٩٨٩

جاءت وثيقة فيينا لتؤكد على الإلتزام باحترام الاختلافات الدينية، وكذلك على ضمان التطبيق الكامل والفعلي لحرية الفكر والضمير والدين والمعتقد، ولا يكون ذلك إلا بحماية الأماكن التي تمارس فيها هذه الحريات ومنها دور العباد.

٣/ قرار اللجنة الدولية لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ ١٢-٤-٢٠٠٥ بشأن مكافحة ازدراء الأديان، والذي يستهجن وبقوة الاعتداء أو الهجوم على مراكز العبادة لجميع الديانات، ويحث الدول والمنظمات غير الحكومية إلى الترويج لثقافة التسامح واحترام حقوق الإنسان واختلاف الديانات.

٤/ اتفاقية جنيف في شأن حماية الأشخاص المدنيين لعام ١٩٤٩ والخاص بالإحتلال الحربي، حيث نصّت المادة ١٦ من البروتوكل الإضافي الثاني لاتفاقية جنيف الرابعة لعام ١٩٤٩ على أن يحظر ارتكاب أي أعمال عدائية موجهة ضد الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية وأماكن العباد التي تُشكل التراث الثقافي والروحي للشعوب.

أما لو انتقلنا إلى القوانين التي تخص سلطة الإحتلال الإسرائيلية بخصوص حماية أماكن ومراكز العبادة، حيث صدر القانون رقم ٥٧٢٧ لسنة ١٩٦٧، فلو تمعنا في المادة الأولى من القانون سالف الذكر والتي نصّت على أن: “الأماكن المُقدسة سوف تكون محمية من أي تدنيس أو أي انتهاك آخر ومن أي شيء من الممكن أن يؤثر على حرية وصول أبناء جميع الأديان إلى أماكنهم المقدسة أو قد يؤثر على مشاعرهم إزاء أماكنهم المقدسة”، ومن القانون نفسه نرَ بمادة أخرى بأن من يخالف المادة الأولى سيرتب مسؤولية جنائية يعاقب بخصوصها بالسجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات ولا تزيد عن سبع سنوات.

وفي كل هذا الخضم من القواعد القانونية التي تهدف إلى حماية أماكن العبادة، رغم ذلك تم انتهاك المسجد الأقصى والتعدي على المصلين أثناء تأدية فريضتهم الدينية وذلك بفتح النار بواسطة الأسلحة الخفيفة والمتوسطة في باحة المسجد الأقصى، ولم نرَ أحدًا يُحرك ساكنًا رغم المخالفة الصاخبة للمواثيق والاتفاقيات الدولية والاعلانات العالمية الخاصة بحقوق الإنسان، فلو افترضنا جدلًا -هذه الفرضية من ناحية قانونية وليس من ناحية دينية- بأن هذا التعدي العدواني على كنيسة أو معبد فهل سنرى هذا السكوت من قبل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي؟ بكل تأكيد لا، لأن نحن في واقع لا يوجد فيه قانون دولي.

نافلة القول إذًا، ففكرة القوانين الدولية والمواثيق الدولية والاعلانات العالمية التي تترنم بها المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، ومنظمات المجتمع المدني، كُلها أكذوبة يضحكون بها على الشعوب لتحقيق غايات ومنافع تهم سياسة ومصالح الدول الكُبرى المهيمنة على العالم، وإن أكذوبة القانون الدولي والمسؤولية الدولية والحماية الدولية يجب أن يحل محلها مصطلح الصراعات الدولية أو السياسة الدولية أو سياسة سيطرة القوي على الضعيف، فلا وجود للقانون الدولي في ظل وجود الصراعات الدولية التي تتحكم بتلك القواعد القانونية وتطبقها متى شاءت وتمتنع عن تطبيقها متى شاءت.

أكاديمي عراقي وباحث دكتوراه في القانون الجنائي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here