مهند النابلسي : “كيه باكس الأمريكي ويوم مميز الايطالي”: طرافة ذكية وعميقة في فيلم “كيه-باكس”: عدوى الجنون للمخرج “أياين سوفتلي”

مهند النابلسي

يبدع بروت (كيفن سباسي الممثل القدير الذي فقد سمعته الشهيرة كممثل متميز مؤخرا بعد اتهامه بالتحرش الجنسي)، يبدع هنا بدوره كمريض نفسي “هادىء وقوي الشخصية في آن” في أحد مستشفيات الأمراض العقلية،  معتقدا بجدية انه آت من كوكب  بعيد خرافي يدعى “كاي –باكس”، وهو يبذل جهده لاقناعنا بهذه الكذبة الخارقة وخاصة أثناء التهامه لفاكهة الفراولة الطازجة كاملة مع عرقها الأخضر المر بحجة أنه منعش ولذيذ مندهشا من حلاوة فواكه كوكب الأرض الغريبة، كما يبدو متأكدا من صحة ادعائه فيخبر طبيبه والجميع بأن كوكبه يبعد حوالي الف سنة ضوئية عن كوكب الأرض! وهنا يسعى الطبيب النفسي  الماهر المحنك مارك بوويل (جيف بريدجز كعادته في دور استحواذي متقمص)…يسعى بشغف لكي ينقذه من حالته المستعصية الغريبة التي تسمى علميا بالخلل “المتعدد الشخصية” وهو نوع من الانفصام العقلي المستعصي عن الواقع، لكنه يكتشف أن مريضه “الفضائي المخبول” قد تحول الى ما يشبه النبي المرسل في أعين سائر النزلاء المجانين وحتى بعض العاملين، وقد وعد بعضهم باصطحابهم في رحلة العودة لكوكبه الخرافي البعيد بعد حلول الصيف القادم، مما ربطهم به لدرجة العبادة، وجعلهم يتشوقون للقيام بهذه الرحلة معه، ومع طرافة القصة وميلودرامية الأحداث، فالثيمة المتداخلة تحوي بعدا فلسفيا مرعبا يتعلق بمصيرنا كبشر مرتبطين دوما بكوكبنا الأرضي، حيث يجعلنا نتردد في فعل الصواب أحيانا لأنه يشعرنا بانعدام مقومات “الغفران والنعيم” فلا هروب من قدرنا البائس حالما دخلنا متاهة الحياة بلا رجوع!… وحيث يحاول المخرج القدير “أياين سوفتلي” أن يحيرنا كمشاهدين: فهل بطلنا المجنون “الفضائي” قادم بالفعل من كوكب آخر بعيد؟!

يبدع هذا الممثل الفذ (كيفين سباسي) (الذي فقد سمعته للأسف مؤخرا وتم اقصائه للأسف من مهنة التمثيل)، يبدع بطريقة أداء دوره باسلوب مميز واضعا  بصماته الخاصة التي لا يمكن تقليدها، الا ربما باستثناء “بريدجيز” المميز ايضا بطريقة تمثيله وصوته وايمائاته الشخصية (وخاصة في افلام الويسترن)، كما ينجح “سباسي” باستقطاب الأضواء مهمشا جميع الآخرين المشاركين معه بهذا الفيلم الغريب، وينغمس بدور استثنائي غير متوقع طريف وغامض “وكاريزمي”، حيث يمضي مندفعا طالبا من الجميع ان يصدقوه ويطيعوه وينتظروا قدوم الصيف للقيام بالمغامرة الفضائية المجنونة دون ان يقدم اثباتات اخرى دالة مثل شكل ومكان مركبته الفضائية المفترضة ولا عن طبيعة الحياة والكائنات على سطح كوكبه المزعوم، مهمشا بريدجز احيانا، الذي استمات للمحافظة على تألقه، مؤديا بدوره دورا صعبا فريدا، محاولا باصرار ان يحدث التوافق ما بين اصراره على حل مشكلة مريضه الغامض الفريد، وما بين خلافاته مع زوجته وابنه الوحيد، اللذين يتهمانه بتفضيل عمله على حياته الخاصة، كما بدا في آخر الأمر محتارا وعاجزا عن اقناع الجميع بصحة تشخيصه لمريضه الفريد المحير. حاول كيفن سباسي ان يتماثل بذكاء وخصوصية وهدؤ مع طريقة اداء جاك نيكلسون “المأساوية” الشهيرة (التي منحته الاوسكار بفيلم “طار فوق عش الكوكو”)، ولكن للأسف فقد فشل المخرج البارع في تقديم نهاية مدروسة ذات مغزى، فقدم نهاية مرتجلة مسلوقة غير مقنعة ومتسرعة، و”خرب” عملا سينمائيا لافتا يتميز بالذكاء والعمق والتشويق والغرابة. كثيرا ما اعتقد أن مهمة نجاح أي شريط سينمائي تقع لدرجة كبيرة على كل من مشاهد الاستهلال والخاتمة، وقد اثبت لي هذا الفيلم وغيره صحة مقولتي (لاحظوا ذلك في الفيلم الايطالي الرومانسي “يوم مميز” الذي تميز ببداية معبرة وخاتمة بديعة)!

كما ذكرني هذا الفيلم القديم اللافت (مجازا) بقادة الدواعش المتطرفين اللذين يقومون “بغسل ادمغة” اتباعهم لينساقوا وراءهم بعمليات التكفير والقتل والتفجير وكأنهم مخدرين فاقدين لوعيهم ولقدرتهم على التفكير! الغريب هنا التفاوت الكبير المتناقض ما بين تقييم المشاهدين والنقاد الذي تراوح ما بين 75 الى 41% وهذا يدل على أن الفيلم مسلي وترفيهي بالنسبة للحضور، فيما لاحظ النقاد انه ممل وغير منطقي وشائك مع نهاية متسرعة مزعجة وغير معبرة، وتعتبرهذه ايضا نقطة اشكالية مزمنة في “النقد السينمائي” تستعصي احيانا على الفهم، وتشير للتفاوت الكبير في الذائقة السينمائية ما بين الجمهورالعادي والجمهورالنخبوي، ولطريقة معاينة السينما بشكل عام!

مهند النابلسي/كاتب وباحث وناقد سينمائي/

A SPECIAL DAY

  h  ttps://2013.italianfilmfestival.com.au/sites/default/files/styles/homepage_hero/public/xa-special-day.jpg,qitok=o-hyhJAN.pagespeed.ic.v5ZCZmc6wc.webp

من عروض اسبوع السينما الايطالية في عمان الذي عرضته الملكية للأفلام بالتعاون مع السفارة الايطالية في عمان(12/2018):

“يوم مميز” نموذج لدراما كوميدية تجمع ما بين البداية والنهاية المتماسكة المشوقة (عكس الفيلم الأمريكي “آي- باكس”)…

*يتحدث هذا الفيلم الجميل (من اخراج فرانسيسكا كومينسيني) عن شابين (فتاة وشاب) يلتقيان بيوم مميز هو الأول لعمل الشاب كسائق سيارة فارهة لدى ثري ايطالي متنفذ، فيما تقوم جينا (جوليا فالنتيني) الأنيقة الجميلة ذات التسعة عشر ربيعا ومدمنة مشاهدة التلفزيزن، والتي تحلم دوما بأن تصبح ممثلة ذات يوم، والتي تبدو مستعدة لعمل كل شيء لتحقيق حلمها، بما في ذلك تعريض كرامتها للانتهاك (كما ظهر بالمشاهد الأخيرة بعد مقابلتها للسيناتور المتنفذ)، فيما يبدو رفيقها الوسيم الدمث ماركو (فيليبو شيكيانو) مطيعا وصاغرا ولطيفا، محاولا ارضائها، في اليوم الأول لعمله كشوفير ملتزم وأنيق،حيث تنحصر مهمته بتوصيل جينا للقاء مرتب مع السيناتور المشغول المتفذ، والذي تعول عليه كثيرا بالتنسيق مع والدتها لضمان انطلاقتها الجديدة كممثلة.

**ثم يحدث تأخير كبير طارىء في موعد اللقاء، مما يجبر الشابان على قضاء اليوم معا في مدينة روما…حيث تحدث توافقات طريفة ومناوشات خفيفة أثناء تجوالهما “السياحي” في مواقع روما الشهيرة (تضييعا للوقت بانتظار لقاء السيناتور المرتقب)، ويتشاركان بسرد قصصهما واحلامهما ومخاوفهما ثم ينجذبان تلقائيا لبعضهما، فهل ستحصل جينا “المتأنقة” على فرصتها الهامة الذهبية للقاء السيناتور الواصل وتقدم على اجراء تجربة التمثيل المفترضة، أم أن شيء اكثر اهمية سيحدث في هذا اليوم المميز؟!

***قدم هذان الاثنان ببراعة الكثير من التمثيل الجذاب الكاريزمي الطريف والكيمياء التلقائية للشاشة، مما شدنا كمشاهدين لمتابعة مجريات قصة الحب الجديدة هذه، التي تحفل بالتشويق والرومانسية على خلفية الحياة في مدينة روما الآخاذة، فاستمتعنا بالثمانين دقيقة وبمشاهد الاستهلال والنهاية الذكية المعبرة، وتابعنا بشغف قصتهما ابتداء من اللقاء داخل السيارة الجديدة المصقولة مرورا بالمقهى والمطعم، ثم بسرقة الفستان الحريري الباهظ والهروب ركضا والقبض عليهما، وصولا لمشهد تسليم السيارة وثورته الحانقة على مدراءه لأنهم لاموه لتخديشه السيارة من الخلف، ثم مشهد هروبه منطلقا للساحة تحت شرفة منزل حبيبته بدراجة نارية…وتابعنا بفضول نداءه الصارخ العاشق لها، فيما تتجاهله شاعرة بالذنب والرذيلة وانعدام البراءة، التي تمثلت هنا بشخصية الشاب النقية (وبأنها ربما لا تستحقه)…هذا الفيلم يعتبر مع غيره نموذجا للسينما الايطالية التي تحاك بمهنية وشغف وتأمل وتضرب مثالا عالميا لكيفية صناعة السينما بأرقى صورها وأساليبها، والتي يعجز الكثيرون من صناع الأفلام في البلدان “العلمثالثية” عن مضاهاتها ولا يحاولون التعلم منها بل يستمرون بنفس أساليبهم المملة المكررة العنيدة ويحصدون عليها الجوائز أحيانا بلا مبرر، في محاولة عقيمة لتسويق الرداءة وتخريب ذائقة الجمهور التائه!

كاتب وباحث وناقد سينمائي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. روعة فكرة دمج تحليلي الفيلمين معا من منظور البداية والنهاية كما أن طريقة التحليل جاذبة وممتعة…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here