مهند النابلسي: فيلم “فايس” السياسي الساخر (2018): التفاصيل الشيطانية لخفايا شخصية “ديك تشيني” الانتهازية!

 

 

مهند النابلسي

الممثل الظاهرة “كريستيان بايل” يتنفس التحول ويعشق أدواره ويعيشها بشغف نادر، وقد تلاعب بجسمه مرارا من أجل اتقان التقمص ، وهنا بهذه التحفة السياسية المستفزة فلا يوجد استثناء، فقد اكتسب حوالي 20 كغم مع عنق غليظ ليظهر بشكل نائب الرئيس “ديك تشيني”، كما تطلب ذلك ايماءة خاصة خبيثة وحلق شعر الرأس وتبييض الحواجب لتظهر الشخصية الجديدة بلا تزييف.

قدم كمتدرب لأول مرة في البيت الأبيض أثناء عمله في الكونغرس في عهد ادارة نيكسون  اولا، ثم انضم لمكتب دونالد رامسيفيلد ليخلفه في النهاية كرئيس لأركان البيت الأبيض في عهد الرئيس فورد، ثم ترقى ليصبح وزيرا للدفاع خلال رئاسة جورج بوش الأب، ثم فاجأ الجمهور عند اختياره لمنصب نائب الرئيس جورج بوش الابن في انتخابات عام 2000.

وخلال عمله في البيت الأبيض أشرف على عملية “عاصفة الصحراء” الاولى وهي الحرب الأمريكية ضد العراق لاخراجه من الكويت فيما يسمى بحرب الخليج الاولى، ثم انجر بالحرب على الارهاب بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 وقاد حملة هجوم عالمية على أفغانستان اولا ثم انتهت بالحرب على العراق بالعام 2003:

يبدو هذا الفيلم مسليا ويميل للكوميديا الساخرة المبطنة بالرغم من تناوله لموضوع سياسي مصيري وجدلي، وقد قصد المخرج ربما ذلك بالتبسيط وتخفيف الكثافة السينمائية بكيفية توجيه الضؤ للأعماق المظلمة المعقدة/ محاولا اظهار انسانية “تشيني” الداهية بعد انكشاف مثلية ابنته ماري مراعيا البعد الانساني لهذه الحالة الشخصية، ولكنه نجح قبل ذلك بتعزيز البعد الشيطاني لشخصية تشيني الشريرة، الطافحة بالانتهازية والتآمر الخبيث والخالية من الشفقة والتعاطف…يضحكنا هذا الفيلم غصبا عنا في مشاهد متفرقة/ مظهرا التوازن بين الفكاهة والسخرية والحقائق الواقعية الصادمة: انه باختصار فيلم ممتع متكامل يتابع السيرة الذاتية لتشيني بشكل عميق ومتوازن وساخر، يتعمق بالكوميديا السوداء والنكات الخفية، ولا تستطيع هنا أن تكون حياديا لأنك أصبحت تدريجيا جزءا من الأحداث، وهذه بالحق ميزة فريدة بطريقة الاخراج، كما يوجد تنوع وتحول واستطراد وسخرية داكنة مبطنة ومجاز فائق، مع كم من الاصابات والتداعيات والمنعطفات والهدر والعبثية والفشل الذكي المقنع، ولقد أظهر بيل بواطن شخصية تشيني الطموحة بلا حدود…

نال الفيلم تقييما وسطا في موقع الطماطم الفاسدة (66%) وان كنت اعتقد انه يستحق أن يتجاوز الثمانين، وهو يوضح باختصار كيفية تحول رجل بيروقراطي متوسط الذكاء وبهدؤ تدريجيا الى أقوى رجل في العالم كنائب متغول “موثوق به” للرئيس جورج دبليو بوش، ساعيا لاعادة تشكيل أمريكا والعالم بالطريقة التي ما زلنا نشعر بها اليوم…وربما يختلف هنا ترامب كليا بطريقة ادارته الهوجاء الفردية والمتقلبة الاحادية المتشنجة والمتضاربة والمتصهينة والمباشرة والتي لا تحترم احدا: وكمثال على تخبطه المربك، فقد أوعز قبل فترة لوكالة الفضاء الناسا لتحث الخطى لرحلة جديدة مأهولة لسطح القمر، ولما اخذت الناسا الموضوع بجدية كعادتها واعلنت موعدا قريبا لمثل هذه الرحلة في العام 2024، فاجأ ترامب الجميع بتصريح “تويتري” غامض مفاده أن القمر يتبع للمريخ وبأنه لا معنى لتكرار تجربة ناجحة اجريت منذ خمسين عاما، وأن الهدف الجلي القادم يكمن بارسال رحلة جديدة مأهولة لكوكب المريخ، واعتقد انه بهذا التصريح الجديد قد اربك وكالة الناسا مرة اخرى وجعلها ربما تحتار بمقصده وبطريقة تنفيذها لهذا الالتزام الباهظ التكلفة والكثير المخاطر!

يدعى تشيني ليصبح نائبا للرئيس بوش الابن خلال انتخابات عام 2000، علما بأن هم بوش كان ينحصر بارضاء والده أكثر من مجرد تركيز السلطة بين يديه، يوافق تشيني  مترددا بشرط حصر مسؤولياته والتركيز على عناصر استراتيجية مثل الطاقة والسياسة الخارجية كنائب رئيس حقيقي (وليس شكلي)، ثم يعمل مع وزير الدفاع رامسفيلد والمستشار القانوني “ديفيد أدينغتون” ورئيس الأركان”سكوت ليبي” كثلاثي بالغ الخبث والباطنية والدهاء، ليتمكن لاحقا من السيطرة الكاملة على قرارات السياسة الخارجية والدفاع في البيت الأبيض.

في البدايات وبعد خروج فورد من منصبه، أصبح تشيني ممثلا سياسيا عن رايومنغ، وبعد القاءه خطاب فاشل حيث يعاني من النوبة القلبية الاولى، تقوم لين بمساعدته وتنجز حملات انتخابية نيابة عنه، مما ساعده على الفوز بمقعد نيابي خلال ادارة ريغان في الثمانينات، ثم يدعم تشيني  مجموعة من السياسات المحافظة بهدف تقليل صناعات الوقود الاحفوري، ويعمل لاحقا كوزير للدفاع خلال عهد جورج بوش الأب خلال حرب الخليج الاولى، فيكتشف بالصدفة موضوع “مثلية” ابنتهما الصغرى”ماري”، وبالرغم من شغفه الكبير بالسياسة الا انه يفضل التقاعد مؤقتا لاعفاء ابنته من الملاحقة القانونية والفضائح، ثم خلال رئاسة بيل كلينتون أصبح تشيني الرئيس التنفيذي لشركة “هاليبيرتون” العملاقة، بينما انغمست زوجته بتأليف الكتب…وتم الادعاء بأن تشيني كان ناجحا وسعيدا وينعم بصحة وسمعة جيدة في القطاع الخاص وهكذا تم تلميعه بقصد لأهداف خفية معروفة…

ثم يشير الفيلم للعام 1969 عندما يجد تشيني عملا كمتدرب في البيت الأبيض خلال فترة ادارة نيكسون، كما يجد فرصته بالعمل مع الداهية “دونالد رامسفيلد” مستشار نيكسون حينها،  مما يؤهله تدريجيا لأن يصبح سياسيا محنكا مع المحافظة على التزاماته العائلية تجاه زوجته وبناته، ثم في مشهد خطير “صريح” نراه يستمع خلسة لهنري كيسنغر وهو يناقش مع نيكسون امكانية قصف كامبوديا بلا هوادة لتحقيق الانتصار، كاشفا بذلك الوجه الحقيقي للسلطة التنفيذية الجامحة، وحيث يقود الموقف الحاد لرامسفيلد لابعاده عن ادار نيكسون حينها، ثم بعد استقالة نيكسون يرتقي تشيني لمنصب رئيس أركان البيت الأبيض للرئيس الجديد “جيرالد فورد”، ثم ننتقل لما بعد هجمات 11 سبتنبر، حيث يناقش تشيني ورامسفيلد امكانية غزو كل من أفغانستان والعراق، مما أدى كما نعرف لمقتل عشرات الآلاف من المدنيين وعمليات التعذيب الشهيرة كما بسجن “أبو غريب” العراقي، ومحاولات ما يسمى الحرب على الارهاب…ونلاحظ في الأثناء استمرار معاناته من النوبات القلبية المتتالية: ويتحدث الفيلم عن تولي رامسفيلد منصب وزير الدفاع وعن التوتر المستمر بين ابنتي تشيني حول الزواج المثلي، وعن مسؤولية تشيني باشعال الحروب وبزوغ نجم الارهابيين الدوليين وعلى رأسهم “أبو مصعب الزرقاوي” في العراق …الخ.

يقتل الراوي “كورت” في حادث سيارة مريع أثناء ممارسته لرياضة الركض في مارس 2012، حيث يتم زرع قلبه الصحي لتشيني المريض، ويوافق تشيني على قول ابنته المعارضة لزواج المثليين تاركة شقيقتها ماري غاضبة، لكي تفوز بمقعد برلماني شاغر في وايومنغ (الذي هو نفس مقعد والدها الشاغر)، ثم نشاهد تشيني في مقابلة متلفزة شهيرة وهو يصرح علنا بعصبية بأنه لا يشعر ابدا بالندم على قراراته السياسية الحازمة والمتطرفة طوال حياته المهنية الطويلة…

تتم رواية احداث الفيلم بطريقة افتراضية من قبل نفس الشخص “كورت” الذي يتطرق لتفاصيل حربي افغانستان والعراق، وتبدأ المشاهد الاولى لتشيني لنشاهد تفاعلات تشيني وأركان وموظفي البيت الأبيض مع هجمات 11 سبتنبر 2001، ثم يقودنا الفيلم الى مسقط رأسه “وايومنغ في العام 1963، حيث يجد تشيني بصعوبة عملا يدويا كخطاط بعد ان طرد من جامعة بيل لادمانه على الكحول، بعد ان تم ايقافه من قبل شرطي  مرور لأنه كان مخمورا، وحيث يحدث جدل مصيري حاد مع زوجته الشابة المغرمة التي تقنعه بضرورة تنظيف حياته والاستقامة والتخلص من ادمان الكحول لكي تستمر معه!

انطباعات نقدية تحليلية والبعد التوثيقي الحقيقي لقصة حياته:

نلاحظ نمط الاخراج الفوضوي الطموح الحافل بالسخرية السياسية اللاذعة ذات الخصائص المأساوية المتقلبة، ومهارته بتحريك بوش الابن كدمية، متتبعا اصول نشأة داعش وتفاصيل  وتداعيات الحرب على العراق، كما نلاحظ منهجيات الخداع والتضليل، لكن بالحق فقد اختلف هنا ترامب عن معظم الرؤساء السابقين بتركه حصريا لأوراق اللعب الاستراتيجية بين يديه وتهميشه المقصود لمعظم مساعديه واركان ادارته!

في الاجمال فقد شيطن الشريط تشيني تماما، وأبدع “بيل” بتقمص الشخصية وكانا نشاهد شيني على الشاشة، وأرهق المشاهدين بكثرة التفاصيل والتداخل المستمر للأحداث، ونتج عن ذلك فوضى ربما مقصودة وتأرجحت المشاهد هنا وهناك وربما التبس الأمرعلى بعض المشاهدين لذا لجات بتحليلي هذا للكثير من التفاصيل التتابعية لمساق الأحداث مما أرهقني ايضا، كما أنه لا يترك مجالا كبيرا للتأمل واستقلالية التفكير ويتبنى نهجا وثائقيا صارما، وتمت الاشادة (سينمائيا) خصوصا باداء كل من “بايل وآدمز” التي لعبت كزوجته دورا محوريا في مسار الأحداث.

أشار الفيلم لموافقة “تشيني” على اسقاط كافة الطائرات المدنية خلال هجوم 11 سبتمبر وكأنه هو صاحب القرار ويدير حالات الطوارىء، كما بلغت ميزانية الفيلم حوالي الستين مليون دولار، وهو من تاليف واخراج “آدم مكاي”، مع كريستيان بايل بدور نائب الرئيس السابق، وايمي آدامز زوجته، وكا من: سام روكويل ، تايلر بيري، أليسون بيل، ليلي راب، جيمس بليمرنر، وجاستين كيرك في الأدوار الداعمة الرئيسية: يتبع الفيلم باختصار مسار تشيني الحياتي والسياسي في طريقه ليصبح نائب الرئيس الأمريكي الأكبر قوة ونفوذا في التاريخ الأمريكي المعاصر: وقد اطلق الفيلم  في 25 ديسمبر 2018، حيث أشاد النقاد بذكاء الاخراج والسيناريو المتقن الذي يتعرض بالتفصيل للكراهية والانتهازية السياسية، وقد حصل الفيلم على العديد من الجوائز والترشيحات (ومنها الترشيح لأفضل فيلم للاوسكار وافضل فيلم كوميدي)، وفاز الممثل كريستيان بيل بجائزة الجولدن جلوب كأفضل ممثل وهو يستحقها بالتأكيد…

هناك حوار شكسبيري الطابع يدور في غرفة النوم بين ديك وزوجته، ويركز حول الفلسفة الانسانية ومعايير القوة المطلقة، كما يوجد تداخل واضح ما بين الحقائق التاريخية والبعد الفلسفي الساخر لمجرى الأحداث، ويصور الفيلم تشيني بشخصيته الخبيثة الانتهازية الطاغية وكأنه “راسبوتين عصري” يصغر بذكاء “جورج بوش” الابن لتحقيق رغباته واطماعه السياسية، مستغلا تواضع ذكاء هذا الأخير وربما ضعف شخصيته دون أن يشعره بذلك: حيث عمل كنائب لبوش في الفترة ما بين 2001 و 2003، وكما وصف مساعد الأمن القومي “اريك ايدلمان” خلال نفس الفترة: لم ادرك ان “تشيني” تصرف بشكل مستقل فردي وارتجالي، بعيدا عن توجهات بوش، وخاصة في مجالات: الأمر باسقاط الطائرات المدنية خلال أحداث 9/11،  ولا بالسيطرة على البيت الأبيض، ولا بالدفع بحماس باتجاه حرب العراق…واخيرا فهل تحدث الفيلم واقعيا عن دور “ديك تشيني”؟ وهل يستند حقا لرواية وثائقية حقيقية دقيقة، فالشريط يطرح حيثيات ووقائع بيوغرافية عن نائب الرئيس “ديك تشيني” ويحمله بشكل كامل وزر حرب العراق مع كامل الفريق الرئاسي الكاذب والمخادع ومنهم وزير الدفاع في حينه “كولن باول”، ولا ينسى الدور الخبيث لكونداليزا رايس صاحبة فكرة الفوضى الخلاقة  التي عصفت لاحقا بدول الشرق الأوسط فيما يسمى اصطلاحا بثورات الربيع العربي  التي لم تنتهي بعد، وأخيرا فهذا فيلم فريد من صنفه واسلوبه وطريقة تكامله الدرامية السياسية التوثيقية وبعده الساخر، مما يجعل من الصعب تكراره في مقبل الأيام!

كاتب وناقد سينمائي

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. روعة السرد السينمائي المتكامل الذي يتماهى مع حضور الشريط!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here