مهند النابلسي: “أرض محايدة”: الفيلم الفائز باوسكار 2001 لأحسن فيلم أجنبي العدوان الحميمان: اعادة النظر بدور المؤسسة الاممية المشبوه في النزاعات الدولية!

مهند النابلسي

في خضم الحرب التي استعرت بين المسلمين والصرب في جمهورية البوسنة في العام 1993، يجد المقاتلان اللدودان، المسلم سيكي(برانكو دجوريتش) والصربي نينو (رينيه بيتورا جاتش)، يجدان نفسيهما معا وجها لوجه في منطقة عبر خط التماس غير خاضعة لسلطة أي من المعسكرين المتقاتلين…وفيما يحاول الرجلان ايجاد مخرج لهما من هذه المنطقة المعرضة دوما لاطلاق النار من الجانبين، يحاول أحد عناصر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة انقاذهما، مخالفا أوامر قيادته بعدم التدخل…وبعد شيوع الخبر ، يتقاطر الصحفيون من مختلف انحاء العالم لتغطية الحدث الغريب.

ثم تستمر المعارك فجاة وتستعر المواجهات، فيضطر “سيكي ونينو” الى مفاوضة الطرفين ليحافظا على حياتهما، فينسيان عداوتهما السابقة ويتحولان الى اعز صديقين. فيلم “المنطقة العازلة” هو اول فيلم للمخرج البوسني “دانيس تانوفيتش”، وقد حاز على جائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان، ومن مميزات هذا العمل اللافت سرعة الحركة وخفة المشاهد وكشفه الجريء “الغير مسبوق” لدور الهيئة الاممية المشبوه واللئيم وحتى الجبان أثناء النزاعات الدولية ، كما بمنهجية التعاطي الكوميدي مع المآسي، مما يجعله يختلف تماما عن اسلوب المخرج البوسني الأشهر ربما “أمير كوستاريكا”، ويقول المخرج معلقا على سبب ادراج الفيلم في آخر لحظة: “ان الأمر لم يفاجئني، فحين تعيش ما عشته، يصعب على اي شيء ان يفاجئك، لقد كنت في سراييفو في العام 1992 وشاهدت العجائب”!

أما الذي يوتر الوضع بينهما بداية فهو وجود جندي بوسني ثالث جريح ملقى على الأرض، والذي يستيقظ فجأة من فقدانه لوعيه، فيجد نفسه بمحاذاة لغم أرضي جاهزا للتفجير، دفنه البوسنيون في ارض المعركة، حيث أن أي حركة قد يقوم بها قد تكون القاضية!

ثم يتدخل رقيب فرنسي (جورج سياتيدس)، من قوة هيئة الامم للحماية، ساعيا لانقاذ الثلاثة جنود المحاصرين، على الرغم من طلب القيادة بعدم التدخل، والتي ينحصر دورها بحماية القوافل الانسانية فقط، ومحاولة البقاء على قيد الحياة ومراقبة الأحداث عن كثب، ولكن وصول مراسل صحفي بريطاني لموقع الحدث، يزيد من الضغط الاعلامي، مما يدفع القيادة العليا للتحرك بسرعة لانقاذ الجنود الثلاثة المحاصرين.

ويتصاعد الخلاف بين “سيكي ونينو” حتى بعد انقاذهما، حيث يبادر سيكي باطلاق النار على نينو، فيقوم حارس البعثة باصابة سيكي ردا على ذلك، ثم يلاحظ الجميع صعوبة نزع فتيل اللغم الأرضي، فتحاول القيادة الدولية انقاذ ماء وجهها، فتكذب مدعية بأنه تم اخيرا انقاذ الجندي الجريح المحصور “سيرا”، ويغادرون الموقع مع المراسلين والجميع، تاركين الجريح لمحاصر لمصيره مع الجنديين!

هكذا فقد ترك “سيرا” بمفرده ملقى في الخندق القاتل كمصيدة، حيث يقدم القائد الاممي معلومات كاذبة مضللة لتنقل القوات البوسنية والصربية، سعيا منه لاقناع الجميع بأن كلا الطرفين يسعيان لاعادة احتلال الخندق، مما يتسبب تلقائيا بوابل من قذائف المدافع على الموقع من قبل الطرفين المتقاتلين، معرضين حياة “سيرا” للخطر، وسعيا خبيثا لطمس الأدلة…

تم اخراج هذا الفيلم “التحفة السينمائية الحربية” بنفس وثائقي/سردي مميز، وهو يكشف عن الدور الخبيث الجبان المتواطىء الذي يمكن أن تلعبه المنظمة الدولية للتهرب من المسؤولية ولو حتى بتأجيج الوضع القتالي بين الأطراف المتنازعة، تهربا من المساءلة…ولنتذكر بحالتنا الراهنة ممارسات مندوبي المنظمة الاممية في كل من سوريا واليمن وحتى ليبيا كمثال حي لكيفية المماطلة والتهرب والتعامل اللاموضوعي المسير “المشبوه” أحيانا مع أزمات هذه البلدان الثلاثة المبلية بحروب أهلية وتآمر دولي وعصابات ارهابية، وكأنهم يسعون أحيانا لاطالة امد النزاعات، وقبض آلاف الدولارات مقابل هذه الخدمات المكوكية المريحة والفاخرة (مقارنة بأوضاع ومآسي هذه الشعوب المسكينة)، وذات الطابع الديبلوماسي “الطويل-النفس” والممارسات البيروقراطية العقيمة حيث لا يوجد “اختراق ابداعي ولا حلول ذكية واقعية مقبولة”، كما تبدو احيانا “لامبالاتهم وهدؤهم البارد المميز اللامفهوم تجاه مآسي الشعوب، وربما يعزى ذلك  للاستفادة من عناد الأطراف المتقاتلة واطالة امد الصراع لجني المكاسب الشخصية والمشبوهة للأطراف الداعمة للخلافات (التي قد تشتريهم بالمال)، مما يستدعي باعتقادي اعادة النظر كليا بمنهجية المنظمات الدولية من كافة الأوجه والمناحي والاجراءآت، والسعي جديا لايجاد طريقة معتمدة لمراقبة المبعوثين الدوليين بحيادية، لكبح جماح تحيزهم وفسادهم واستغلالهم للتناقضات والخلافات (كما تقليل الرواتب والعلاوات والمكافآت المالية الضخمة لهؤلاء المبعوثين المدللين)، وهذه باعتقادي وجهة نظر جديدة صائبة لم تطرح سابقا حسب علمي، واجد المجال والفرصة سانحة لطرحها، فأرجو المحافظة على الملكية الفكرية وعدم سرقتها!

كاتب وباحث وناقد سينمائي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. مقالة نقدية رائعة وفي الصميم وتنتقل من الخصوصية السينمائية للحالة السياسية الراهنة بايقاع رشيق فريد فيما يسمى “الكتابة السينمائية الانطباعية” فالسينما كفن سابع جماهيري عالمي لا يمكن فصلها عن كافة نشاطات الحياة والسياسة والعولمة والأدب وشكرا لموقع رأي اليوم الذي يتيح لنا قراءة مختلف الأراء والمقالات والأفكار بانفتاح نادر ومعرفي وتواصلي توعوي تنويري أصيل…وكمثال لا يفضل كتابة ونشر نقد سينمائي عن فيلم يستهجن الهولوكست ومبالاغاته وأكاذيبه بحجة انه عمل فني او ادبي انساني راقي لأن هذا يشجع توغل واجرام الدولة الصيونية بحق الشعب الفلسطيني البطل المضطهد وهكذا ودمتم سالمين غانمين ومنبرا فريدا للفكر العربي المقاوم….

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here