مهند إبراهيم أبو لطيفة: طبول الحرب في الشرق الأوسط ومصالح الدول

مهند إبراهيم أبو لطيفة

منذ شهر تموز 2018، ووسائل الإعلام تتناقل أخبارا، عن إقتراب قيام الولايات المتحدة الأمريكية، بتوجيه ضربة عسكرية لإيران. وأحيانا تصف هذه الأخبار ” بشبه المؤكدة “. فمثلا بتاريخ 27 تموز 2018، أكد مسؤولون إستراليون، إستعداد الولايات المتحدة لقصف منشآت إيران النووية خلال أيام! . وفي أواخر عام 2018 ، وردت أخبار عن طلب البيت الأبيض، وضع خيارات لشن ضربات عسكرية ضد إيران ، في أعقاب سقوط قذائف الهاون والصواريخ، قرب السفارة الأمريكية في بغداد، في 6 من أيلول 2018.

وبعد إستقالة وزير الدفاع الأمريكي السابق ( جيمس ماتيس) ، نشرت بعض الصحف ، أن الطريق بات ممهدا لإتخاذ قرار أمريكي حاسم من إيران، لا سيما أن الوزير المستقيل، كان لديه تحفظات على حصول نزاع عسكري مباشر مع إيران. وما زال العالم يرقب التطورات، ما بين مرجح لحدوث تصعيد يؤدي لإندلاع حرب في المنطقة، وما بين مشكك برغبة وقدرة الولايات المتحدة على شن حرب ، ستكون شاملة ومُكلفة.

ومع التأكيد على أن جميع الخيارات ما زالت مفتوحة ، ولا يُمكن لأحد أن يتنبأ بشكل حاسم، عن المدى الذي يمكن أن تصل إليه الأمور، إلا أن هناك مؤشرات واضحة، أن الخطة ( في حال حدوث حرب) جاهزة من قبل الطرفين، وأن بنك معلومات كل طرف مُعد مسبقا.

وهناك أنباء تؤكد على أن الطائرات الأمريكية ، أنهت تدريبات إستمرت لشهرين، في قاعدة (Hil Air Force Base) ، في ولاية  يوتا الأمريكية، غرب الولايات المتحدة. على إعتبار أن طبيعة المنطقة، تُحاكي طبيعة إيران الجبلية. وأن أنواعا من الطائرات شاركت في هذه التدريبات، ولكن من المتوقع أن تلعب طائرات (F-35) الدور الرئيسي. بالرغم من نفي وزارة الدفاع الأمريكية لهذه التسريبات، وانها مجرد تدريبات روتينية، لقصف تنظيم الدولة (داعش)!.

بالرغم من  دفع أطراف كثيرة للأزمة ، نحو التصعيد، ومحاولات البعض الآخر ، الضغط على الإدارة الأمريكية للتصرف بقوة مثل:  التحالف الإسرائيلي- السعودي- الإماراتي ، وجون بولتون مستشار الأمن القومي ، ووزير الخارجية مايكل بومبيو ، إلا أن أطرافا أخرى في الإدارة الأمريكية، تتحسب لمخاطر إتخاذ مثل هذه القرارات المتسرعة، ويُمثلها عدد من البيروقراطيين في الإداراة الأمريكية.

ليس إتخاذ قرار بالحرب بمعزل عن لعبة المصالح في المنطقة، ولا يمكن إغفال تفاطعاتها:

الولايات المتحدة الأمريكية: تُعتبر الخليج العربي، منطقة نفوذها التقليدي في الشرق الأوسط، وهي تستفيد من إبتزاز هذه الدول، مع تأكيدها على منحهم مظلة آمان لضمان مصالحهم. وفي نفس الوقت تُريد أن تٌقلم أظافر إيران إلى أقصى حد ممكن، لكي لا “تتمادى” في توسعها على حساب المصالح السياسية والإقتصادية والإستراتيجية في المنطقة. إضافة لإلتزام الإدارة الأمريكية بأمن إسرائيل وتخوفها من البرنامج النووي الإيراني.

إيران: من مصلحة إيران أن لا يكون هناك حرب، لأنها تتقن فن اللعب على الوقت ، وتعلم أن نتائج الحرب ستكون مدمرة بالنسبة لها أيضا. ولكنها  لن تقبل بسهولة، إستمرار حصارها والضغط عليها ، وعزلها، وهي تملك الكثير من أوراق اللعبة التي لم تستخدمها بعد، وتمس حلفاء الولايات المتحدة بالعمق، وبشكل غير تقليدي. وستخرج من الأزمة منتصرة لو تراجعت إحتمالات شن الحرب. ولديها مشروعها السياسي والإقتصادي والعقائدي الأممي، الذي تتمسك به ، ولن تتنازل عنه بسهولة، حتى لو رضيت مؤقتا ببعض الحلول التوفيقية.

الخليج العربي: من المتوقع أن تكون الدول الخليجية ( الإمارات ، السعودية ، البحرين) ،من الدول التي ستتكبد خسائر بالغة ، مادية ، وإستراتيجية، في حال قامت الحرب، أو توصلت إيران إلى إتفاقية مع الأمريكان. وستكون فاتورة الحرب باهظة على الميزانية السعودية ، تفوق بأضعاف مضاعفة فوانير حرب أفغانستان ، وحرب الخليج الأولى والثانية. ولا يُمكن تصور أن تتلقى إيران ضربة عسكرية ، دون أن نسمع صداها في الخليج!.

روسيا: عادت روسيا إلى المنطقة منذ سنوات، وإستطاعت تحقيق بعض الإمتيازات الإقتصادية والعسكرية والسياسية، لكنها ما زالت لم تستكمل توسعها في الشرق الأوسط، وتقوم إستراتيجيتها ( رغم تورطها في سوريا) ، على توسيع شبكة مصالحها مع دول المنطقة ، بالرغم من مواقف هذه الدول المتناقضة من الصراع الأمريكي- الإيراني.

تعتبر روسيا ، أن الشرق الأوسط هو حلبة تنافس مع الغرب وأمريكا ومجالا لإقامة ” ثقل معاكس” للنفوذ الغربي ، وتريد تأمين الوصول إلى المياه الدافئة ، إلى البحر الأسود والبحر المتوسط، وإستعادة مركزها ونفوذها ، وحماية مصالح رجال الأعمال الروس ، خصوصا في مجال الطاقة والصناعات الدفاعية، وسوق تصدير السلاح.

 وتقدر روسيا جيدا ، أهمية إستمرار تدفق النفط  بأسعار مناسبة، وأهمية الثروة المادية لبعض دول الخليج من جهة، وأهمية حوض البحر المتوسط ( مخزون الغاز) من جهة أخرى. وليس من مصلحة روسيا أن تخرج فارغة اليدين ، من منطقة تعتبر من الناحية الجيوسياسية ، في غاية الأهمية للأمن القومي الروسي، فمنطقة الشرق الأوسط ، هي المنطقة التي تتركز فيها مصالح الدول الكبرى ، والتي تسعى لإثبات حضورها الإستراتيجي في المستقبل ، وانضمت لها الصين والهند في السنوات الماضية. وبالرغم من ” إنزعاج روسيا ” من التمدد الإيراني ، وتحديدا في سوريا ، إلى أنها تعتبر علاقتها مع إيران جزءا من التوازن الذي تسعى للحفاظ عليه. لا سيما أنها تعلمت من الطوق الذي فُرض عليها ، بعد سقوط الإتحاد السوفييتي وتجربة أوكرانيا.

تركيا: سيكون على تركيا إتخاذ قرار حاسم ، كعضو في حلف الناتو ، في حال طلبت الولايات المتحدة  دعمها. ومع أن العلاقات الأمريكية- التركية ليست في أحسن حال في الوقت الحاضر، إلا أنه من المتوقع أن ترفض تركيا المشاركة بالحرب ، لإعتبارات كثيرة ، من أهما الوضع الإقتصادي ، وعلاقتها مع إيران وروسيا.  ورغبتها أن لا تكون مجرد ” شريك صغير تابع ” للولايات المتحدة الأمريكية.

تعتمد تركيا  على النفط الإيراني بشكل كبير، فنصف إحتياجاتها من النفط تصلها من إيران. وليس لها مصلحة مباشرة في الحرب، لإعتبارات متعلقة أيضا بأمنها القومي على الحدود السورية. بالرغمن من أن تركيا تعي تماما ، أن إيران تنافسها إقليميا ، وأن عليها أن تراعي مواقف بعض الدول في المنطقة. ولكن سياسات بعض الدول العربية في السنوات الأخيرة ، ستدفع بتركيا لرفض أية مشاركة في الحرب. فهي ما نزال تخوض صراعا في شرق المتوسط على الغاز والتنقيب عن النفط  مع مصرواليونان وقبرص وإسرائيل مجتمعين. ولديها طموح أن تكون هي ممر تصدير النفط والغاز لأوروبا. من مصلحة تركيا تحجيم الدور الإيراني ، ولكن هذا سيدفع بإيران لتوثيق علاقتها مع روسيا بشكل أوسع.

إسرائيل: نجحت إسرائيل في مراكمة مكتسبات إقتصادية وسياسية في إفريقيا ، ومنذ عام 1956 ، وهي تعمل على نسج علاقات واسعة مع الدول الإفريقية. فهي تقدم للدول الإفريقية : التكنولوجيا العسكرية ، تكنولوجيا جمع المعلومات ودراستها والتحكم بها، وتقدم خبراتها في مجال الشبكات والحرب الإلكترونية ، تقدم السلاح وتقنيات الري والزراعة ، وإستغلال الطاقة الشمسية ، ومعالجة المياه. وتستفيد من تجارة الماس ، وبعض المنتجات الزراعية ( مثل الكاكاو ، الخشب، القطن )  التي تستوردها، وتصدر منتجاتها إلى عدد من الدول الإفرقية ، وتستفيد من الوجود العسكري في البحر الأحمر عبر علاقاتها مع أثيوبيا. ويعمل عدد كبير من الخبراء والشركات  بشكل كبير في إفريقيا. إضافة للعلاقات السياسية والدبلوماسية  الإفريقية التي تعزز موقفها الدولي.

ونفس هذه الإستراتيجية تسعى لتحقيقها في الخليج ، مرة أخرى إيجاد ” مجال حيوي إستراتيجي” . وكما تنافس إيران  إسرائيل نسبيا في إفريقيا، هناك مصلحة لإسرائيل في إضعاف إيران في الخليج. وهي ترى في إيران وحزب الله الخطر الأكبر على أمنها القومي، وتمددها في المطقة العربية ، وعائقا أما تصفية نهائية للقضية الفلسطينية ، وتعقد تحالفا إستراتيجيا مع السعودية والإمارات ، ولا تُمانع من توجيه ” ضربة عنيفة جدا”  لإيران ومنشآتها النووية ، بل وإسقاط النظام الإيراني . ولكنها لن تكون بمنأى عن النتائج الوخيمة المحتملة.

الصين والهند: مع طفرة الإنتاج في المناطق الآسيوية والمحيط الهندي، تحتاج هذه الدول لإستيراد مزيد من الطاقة. 20% من صادرات النفط الإيرانية تتجه للصين ، و 23% إلى الهند ، و 19% إلى دول الإتحاد الأوروبي.

الإتحاد الأوروبي: ستسعى دول الإتحاد  لتجنب الحرب ونتائجها ، ويهمها  أن يستمر تدفق النفط والغاز ، وأن لا تتأثر مصالحها في المنطقة، وهي غير راضية بشكل عام عن كل سياسات الرئيس الأمريكي ترامب . وكثير من الدول الأقل أهمية من ألمانيا وفرنسا ، في دول الإتحاد الأوروبي، ربما ستسير قي الركب الأمريكي، أما بريطانيا ، فهي ستقف – كما تفعل تقليديا- مع الولايات المتحدة الأمريكية. وستكون من المستفيدين من إندلاع أي حرب في المنطقة.

السعودية والإمارات: سمح فشل الدولتين في تطوير حالة عربية متقدمة يمكن أن تشكل حد أدنى من التوازن، إضعافهم لمصر بشكل مقصود  (كدولة) مع الحفاظ على علاقات فوقية مع نظام الحكم، وفشلهم في كل القارة الإفريقية وفي مقدمتها شمال إفريقيا ، وفي إيجاد صيغة للتفاهم مع إيران ، وتورطهم في اليمن ، وتخليهم عن مركزية القضية الفلسطينية ، ودعمهم للإنقلابات والوقوف في وجه المطالب الشعبية العربية، وسياسة التأجيج الطائفي المستمرة، وسياستهم الحاطئة ضد التيارات الإسلامية،سمحت كل هذه السياسات، أن تكون المنطقة مكشوفة تماما أمام تقاطعات المصالح الدولية.

 لقد سلمت هذه الدول مصيرها ، بعد أن ظنت أنها يمكن أن تتصرف كأمبراطوريات، وفقدت مركزها القومي والديني  ، وخسرت علاقاتها مع تركيا وروسيا، وحرقت ما تبقى لديها من سفن، وسيتوجب على الدولتين ، تسديد فاتورة أي حرب يمكن أن تندلع ، مقابل المظلة الأمنية، وفاتورة طويلة الأمد ستدفعها حتى لو لم تندلع الحرب.

كانت سياسة إسرائيل في السابق، كما أعلنها دافيد بن غوريون في الخمسينات، هي تطويق الدول العربية ، بشكل من أشكال التحالفات بين إسرائيل ، وتركيا ، وإثيوبيا. وإلحفاظ على دعم الدول الغربية ، والتوسع في إفريقيا. أما سياسة إسرائيل الإستراتيجية في الوقت الحاضر فهي: أن تقوم بدورها  الوظيفي  أخيرا  بشكل كامل ، بدل أن تكون شرطي المنطقة ، ستكون الحاكم الفعلي لكل المنطقة. ,ان تصبح هي المركز للأضلاع الأربعة من حولها.

 المركز الإمبراطوري الأمريكي الكبير ، يحتاج  لإسرائيل الكبرى في عالمنا العربي.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here