مهند إبراهيم أبو لطيفة: شيخ الصحافة الفلسطينية قبل النكبة…الغائب الحاضر

مهند إبراهيم أبو لطيفة

بالرغم من أن الصحافة في فلسطين ، نشأت في ظل الحُكم العثماني، بدأ من عام 1876، عبر مطبوعات رسمية باللغتين العربية والتركية مثل ” قدس شريف / القدس الشريف ” و ” صحيفة  ” الغزال “،  إلا أن البداية الحقيقية للصحافة الفلسطينية، تعود للعام 1908، حيث صدرت الصُحف والمجلات والجرائد،  التي يمولها أصحابها أو عن طريق الإعلانات وبلغت  في ذلك العام 26 مطبوعة، معظمها في مدينة القدس .

يعود السبب لهذه الإنطلاقة الأولى ، للإصلاحات الدستورية العثمانية ( ثورة تركيا الفتاة )، بعد أن حالت القوانين التي صدرت عام 1857 ، دون ظهور صحافة حرة، بالرغم من وجود المطابع، ومنح التراخيص لعدد من المؤسسات الدينية في ذلك الوقت للطباعة،  ولتنامي الفكر القومي ومطالب الإصلاح والإستقلال،  ووعي النُخبة الفلسطينية للمتغيرات التي تشهدها العلاقات الدولية في تلك المرحلة، وتحسس خطر المشروع الصهيوني على البلاد.

صدرت معظم الصحف في القدس ويافا، وكان العدد مرشحا للزيادة ، لولا إندلاع الحرب العالمية الأولى، ولأن السُلطات العثمانية أوقفت إصدار تراخيص جديدة، وعطلت صدور بعضها، وتعرض عدد من الصحفيين والكتاب للملاحقة والتضييق ، بسبب مواقفهم السياسية.

من أهم الصحف، التي صدرت في ذلك العام (1908) كانت صحيفة “الكرمل”  في حيفا ، لصاحبها نجيب نصار، وصحيفة ” فلسطين ” في يافا (1908).

واكب العمل الصحفي الفلسطيني، منذ البدايات التطورات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية للمجتمع الفلسطيني ، وعندما حلت النكبة عام 1948 ، إستمر العمل الإعلامي في المنافي ، وصقلته الخبرات التي إكتسبها  والتجارب التي خاضها، وخصوصا الإنطلاقة الجديدة  للحركة الوطنية الفلسطينية عام 1965، فأنخرط  مُعظم الصحفيين والأدباء والكتاب في صفوف الثورة.

أسماء كثيرة، تركت بصماتها على العمل الصحفي والصحافة الفلسطينية قبل النكبة، ومن أهمها  شيخ الصحفيين الفلسطينين : اللبناني الأصل ، العربي الفلسطيني، نجيب نصار.

تروي حكاية نجيب نصار، التغريبة الفلسطينية بإختصار، وكيف كان – كما فلسطين- ضحية مجموعة من الظروف الموضوعية والدولية.

في لبنان، في ” الشويفات” كانت البداية للحصول على التحصيل الإبتداءي ، حيث ولد في قرية ” عين عنوب ” قرب الشويفات اللبنانية سنة 1865. أكمل دراسته الثانوية في ” سوق الغرب” ، وإنتسب إلى الجامعة الامريكية في بيروت، معقل التيارات القومية واليسارية الأول،. تخرج من الجامعة وهو يحمل شهادة في الصيدلة.

سافر إلى ” صفد ” الفلسطينية عند أخيه، ليعمل مساعد صيدلي في المستشفى الإسكتلندي في طبريا، لكنه لم يستمر طويلا في العمل هناك ، فترك الصيدلة وإنتقل إلى القدس، حيث عمل مدرسا في عدة مدارس، إلى أن قرر الإشتغال في الزراعة، إشترى عدة أفدنة في طبريا ، وتعرف هناك وعن قرب على خطر الإستيطان، وسياسات سرقة الأرض الفلسطينية بالتدريج، وعبر مختلف الوسائل.

بدأ باكرا ومنذ عام 1905، في حملة توعية لفضح الصهيونية ومطامعها، وبدأ بنشر المقالات في صحيفة ” المقطم” في القاهرة، و ” لسان الحال” في بيروت.

بعد أن تم الإعلان عن الدستور العثماني عام 1908 ، والسماح بترخيص الصُحف، قام نصار ببيع كل ما يملك، وإشترى مطبعة من بيروت، وأسس في حيفا جريدة ” الكرمل ” التي كانت تصدر مرتين في الأسبوع.

تعرض نجيب نصار لحملة عدائية، شنتها الحركة الصهيونية عليه وعلى ” الكرمل”، تم إتهامه بالسعي  لتعكير السلم الأهلي ، وإثارة الشغب، ووصلت هذه الشكاوى إلى وزارة العدل في إسطنبول، تمت تبرئته من التهم الموجهة إليه ، ولكن السلطات العثمانية عطلت صدور صحيفته في حزيران / يونيو 1909، ولمدة شهرين.

في سلسلة من المقالات التي كتبها ، كان نصار يدعوا للوحدة الوطنية، وتشكيل الجمعيات والمؤسسات للتصدي لخطر الإستيطان وسرقة الأراضي الفلسطينية، ودعا إلى عقد مؤتمر ، تنبثق منه ” جمعية وطنية لاصهيونية “، يكون مركزها مدينة نابلس، للنهوض بأوضاع الوطن الفلسطيني. ومن على صفحات ” الكرمل ” كان يدعو لتأسيس ” جمعية النهضة الإقتصادية العربية “.

جمع نصار مقالاته في تشرين / أكتوبر 1911 ، في كتاب حمل عنوان  : ” الصهيونية ، تاريخها ، أغراضها ، أهميتها “. ويُعتبر من رواد مناهضة الصهيونية في الصحافة العربية في فلسطين.

دعا الشباب الفلسطيني عام 1914، للعمل بمعزل عن الزعامات التقليدية، لإحداث نهضة وطنية وللتصدي لسياسات تسريب الأراضي.

عبر نصار عن مواقفه السياسية بوضوح ، ومنها رفضه لإنضمام تركيا إلى ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، ورفضه القاطع للتفاهم ما بين الزعامات العربية و الحركة الصهيونية ، والتي كان يروج له في ذلك الوقت.

بسبب نشاطه السياسي وكتاباته الجريئة، تعرض نصار للملاحقة من قبل السلطات العسكرية التركية، خلال الحرب العالمية الأولى (1915)، إضطر للإختفاء، فلجأ إلى ” آل الفاهوم” في الناصرة ، ثم  إختفى مدة عند قبيلة ” السردية ” في شرق الأردن، حيث عمل في رعاية الغنم مدة سنتين ونصف تقريبا .

 قرر أخيرا تسليم نفسه، فاقتيد إلى ” سجن  الديوان ” في دمشق، وبعد أن تم العفو عنه قبل إنتهاء الحرب العالمية في سنة 1918 ، عاد إلى  وطنه فلسطين.

تابع نصار كفاحة، في ظل الإحتلال البريطاني، فكان من المشاركين في تأسيس ” الحزب العربي” في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1918. لم يُكتب للحزب الإستمرار، فدعا عام 1920 إلى تأسيس مكاتب دعاية عربية في أوروبا، تفضح أهداف الصهيونية وعنصريتها، وكان دائم الدعوة للوحدة الوطنية والتاكيد عليها.

إشترك نجيب نصار مع عدد من المثقفين والناشرين، في تأسيس جمعيات لمقاومة الصهيونية داخل فلسطين وخارجها. وإنضم إلى الجمعيات الإسلامية- المسيحية ، التي إنتشرت في مدن فلسطين.

حين إنعفد المؤتمر العربي الفلسطيني الثالث في حيفا ، في كانون الأول / ديسمبر 1920 ، كان نصار من المشاركين فيه، مفوضا من الجمعية الإسلامية- المسيحية في طبريا. وكان يُصر على المؤتمرين أن يساهموا في إنشاء هيئات عُمالية وفلاحية لمواجهة النشاط الصهيوني الإستيطاني.

كما شارك نصار في المؤتمر العربي الفلسطيني الرابع، الذي إنعقد في القدس في أيار / مايو- حزيران/ يونيو 1921 ، ممثلا عن الجمعية الإسلامية- المسيحية في حيفا.

كانت المؤتمرات العربية الفلسطينية، تُعتبر هيئة تمثيلية، أو مجلس نيابي أو وطني للشعب الفلسطيني، تدافع عن حقوقه السياسية. عقد المؤتمر سبع دورات في الفترة من 1919- 1928. كان المؤتمر الأول في القدس، الثاني في دمشق، الثالث في حيفا، والرابع في القدس، وإنتخب المؤتمر الثالث ، موسى كاظم الحسيني رئيسا له.

لم يكن نصار وحده، من رفع لواء التصدي للصهيونية، بل شاركته زوجته ” ساذج نصار”، التي عملت معه أيضا في تحرير صحيفة ” الكرمل “. وكزوجها تعرضت ” ساذج ” للإعتقال في بيت لحم  في سنة 1938 لمدة عام كامل ، بتهمة دعم الثوار وإمدادهم  بالسلاح، لتُصبح أول سجينة سياسية فلسطينية، ومن رائدات العمل النسائي الفلسطيني، وأول إمرأة فلسطينية تعمل في تحرير الصُحف، وكان  زوجها نجيب نصار يلاطفها في رسائله وهي في السجن: ” سأصبح مشهورا بسببك”.

كما تجدر الإشارة إلى أن ” نجيب عازوري” له كتاب شهير في عام 1905 ، يتحدث عن نهضة الأمة العربية، تحدث فيه عن الخطر الصهيوني، وكان إلى جانب نصار من الرواد.

تعرضت صحيفة ” الكرمل ” عدة مرات للإغلاق، لإعتبارها منبرا حرا للثورة الفلسطينية ، إلى أن تم إغلاقها نهائيا في سنة 1944، في ظل الأحكام العرفية، خلال الحرب العالمية الثانية.

كانت السياسة الرسمية للإحتلال البريطاني، تُضيق الخناق على الحركة الوطنية والعمل الإعلامي العربي الفلسطيني، وتفسح المجال للمشروع الصهيوني وأدواته بالتمدد والتوسع. ومارست دولة الإحتلال نفس هذه السياسة بعد النكبة.

أمضى نصار ما تبقى من حياته، متنقلا بين بيته في قرية ” بلد الشيخ ” التي تتبع لقضاء حيفا، وبين ” بيسان “، لدى أنسبائه من آل وهبة حيث إمتلك بيارة موز هناك.

كان نصار يُتقن اللغتين الإنجليزية والعبرية، إضافة للعربية، وله عدد من المؤلفات منها:

كتاب ” الصهيونية ” ، رواية ” نجدة العرب” ، رواية ” وفاء العرب “، ” مفلح الغساني” ، الزراعة الجافة “.” شمس العرب ” ،” الرجل، سيرة الملك عبد العزيز آل سعو ” ” القضية الفلسطينية “.

 ودعت الصحافة الفلسطينية، شيخها في الناصرة في 12 آذار/ مارس 1948، التي نُقل إليها بعد أن إشتد المرض عليه، ودفن فيها، قبل أن يشهد إعلان ” دولة الإحتلال ” بشهرين، وكُتب على قبره:

” لذكرى شيخ الصحافة الفلسطينية نجيب نصار “

لم تنتهي حكاية نجيب نصار، ولا حكاية ” الكرمل” بوفاته. من بين حُطام النكبة، خرجت فيما بعد ” مجلة الكرمل”، المجلة الفلسطينية الأدبية، التي أسسها الشاعر محمود درويش في بيروت عام 1981، وعمل رئيسا لتحريرها حتى وفاته (2008).  وكانت المجلة منبرا للإبداع الفكري والأدبي.

ورغم توقفها عن الصدور عام 1982، أعقاب الغزو الإسرائيلي،على لبنان، أستأنفت صدورها عام 1983 من العاصمة القبرصية نيقوسيا حتى عام 1993، واستقر بها المطاف في فلسطين، في رام الله لتواصل صدورها عام  ( 1996) بأسم ” مجلة الكرمل الجديد “.

تكررت تجربة ” الكرمل ” بعد النكبة مع مجلة  ” البيادر السياسي” الأسبوعية  المستقلة ، التي صدرت في القدس في 1 نيسان 1980، وأسسها وبرأس تحريرها ( جاك يوسف خزمو) وساهمت معه الكاتبة ( ندى الحايك)، والتي تعرضت للعديد من الملاحقات والإجراءات العسكرية الإسرائيلية، وصودرت أعدادها، ومنعت من التوزيع ما بين( 1982- 1985)  في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولعبت دورا إعلاميا مهما إبان الإنتفاضة الفلسطينية (1987- 1993) ولكنها ما زالت مستمرة  في أدائها  لدورها الإعلامي.

إنها التغريبة الفلسطينية المستمرة، تتعدد الأسماء، والرواية ما زالت واحدة: شعب  يعيش المنفى في الداخل والخارج ، بلا أرض، بلا حرية،  بلا دولة !

مراجع:

– بيان نويهض الحوت: ” القيادات والمءسسات السياسية في فلسطين (1917- 1948)، بيروت ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، 1981.

– نيقولا زيادة: الأعمال الكاملة : أعلام العرب، بيروت، الأهلية للنشر والتوزيع، 2002.

– الموسوعة الفلسطينية، إصدار هيئة الموسوعة الفلسطينية، ط ، الجزء الرابع، صفحة 457 ،1984م.

– عجاج نويهض: ” رجال من فلسطين ” ، بيروت ، منشورات فلسطين المحتلة، 1981.

– عادل مناع: ” أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني” (1800-1918)، ط2، بيروت، مءسسة الدراسات الفلسطينية، 1995.

– من ذاكرة القدس، نجيب نصار

مُلحق/  أبرز الصحافيين الفلسطينيين في فترة الانتداب:

أ. سافير، إبراهيم الشنطي، إبراهيم النجار، إبراهيم كريم، أحمد خليل العقاد، ادمون روك، أديب خوري، أرنست شنللر، أكرم العلمي، ألفونس يعقوب ألونزو، أيوب مسلم، إبراهيم تلحمي، إسحق الحسيني، إسحق درويش، الأب باسكال كنسل، الأب نوربرت ريشاني، الشيخ عبدالله القلقيلي، الشيخ محمد الصلح، القس إسبر ضومط، القس إلياس مرمورة، القس ب. م. كمبرت، القس جون طنب، القس خليل أسعد غبرائيل، القس و. و. كاتلنج، المطران جاورجيوس حكيم، إميل أبو خليل، إميل غوري، باسيلا الجدع، بندلي حنا الغرابي، بولس سمعاني، بولس شحادة، توفيق حانا، توفيق كنعان، ج. رحال، ج. واتس، جان سويدان، جبرا الأنقر، جبرائيل شكري ديب، جمال الحسيني، جميل شلالي، جميل ضيازادة، حازم نسيبة، حسان أبو ريحاب، حسن الدجاني، حسن المقدادي، حسن مصطفى، حسين حسني، حسين محمود نجم، حمدي الحسيني، حنا الصاع، حنا عطا الله، خالد الدزدار، خضر نصار، خليل أبو العافية، خليل زقوت المجدلي، خليل نصر، خيري حماد، د. عمر خليل، د. محمود طاهر الدجاني، د. حاييم هراري، داوود الكردي، داوود ترزي فشر، رشيد الحاج، رفائيل أبو العافية، زكي زكا، زهدي محمد السقا، سعود جميل، سلمان الفاروقي، سليم الحلو، سليم شحادة، سليم عبدالرحمن الحاج إبراهيم، سليم قبعين، سندر رحماني، سهيل زكا، شكري سرور، شمس الدين الخطيب، شوكت حداد، صالح عبداللطيف الحسيني، طاهر الفتياني، عادل القلقيلي، عادل جبر، عارف العارف، عارف العزوني، عارف النجار، عاطف نورالله، عبدالحميد ياسين، عبدالرحمن بشناق، عبدالغني الخطيب، عبدالغني الكرمي، عبداللطيف الحسيني، عبدالله الريماوي، عبدالله القلقيلي، عبدالله النعواس، عبدالمجيد حنونة، عجاج نويهض، عزت الأعظمي، عزة الجبالي، عزيز شحادة، علي الأسعد، علي حسين الصافي، علي سعيد خلف، علي محيي الدين الحسيني، عيسى البندك، عيسى الخوري بندك، عيسى السفري، عيسى العيسى، عيسى شاكر، عيسى عبود، فؤاد الطباع، فؤاد الطويل، فؤاد صالح سابا، فريد الشنطي، فهمي الحسيني، قسنطدي ثيودوري، قيصر أبيض، كمال أحمد عباس، كنعان أبو خضرا، ليفوي ويتمان، محمد الدجاني، محمد حسن البديري، محمد حسن سويد، محمد حسن علاء الدين، محمد حلمي، محمد سعيد.

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here