مهند إبراهيم أبو لطيفة: حول مبادرة الدكتور صلاح البردويل المصالحة ثم التكامل

 

 مهند إبراهيم أبو لطيفة

بدون مقدمات طويلة وجلد للذات، لا يُمكن للحركة الوطنية الفلسطينية أن تُحقق إنجازات مصيرية وحاسمة نحو تحقيق مطالب شعبها، دون وقفة تاريخية جادة مع النفس وإجراء مراجعة موضوعية تؤسس للمستقبل .

في تاريخ حركات التحرر الوطنية وتاريخ الأمم، تعتبر المخاضات والتناقضات العسيرة، إذا تكللت بإعادة الوحدة الوطنية وتطوير برنامج واضح للعمل والبناء ، من أهم روافع النهضة والتقدم وتحقيق المكاسب الوطنية.تُمثل الإرادة السياسية، عصب الولادات الجديدة ، إذا كان عمودها الفقري الداعم والضامن لها ، هو الشعب ومصالحه الوطنية الُعليا.من يراجع تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، والمراحل المتنوعة التي مرت بها ، يُدرك صعوبة إيجاد حالة حقيقية من التكامل والتوحد ، تُلبي إحتياجات الكفاح الوطني، ولأسباب وعوامل كثيرة، ولكن – ودائما- تبقى الوحدة الوطنية هي مطلب الشعب والخيار الأكثر تعبيرا عن الإصرار على مواجهة التحديات التي تمر بها القضية الوطنية الفلسطينية ، وعلى أرضية القواسم المشتركة.

من أهم الأسس التي يجب أن تقوم عليها أية مبادرة من أجل الوحدة أو المصالحة، هي أن يتم صياغة مشروع وطني واضح ، يُمكن لأغلبية شعبنا الفسطيني أن تلتف حوله وتتبناه وتدعمه، وأن يكون في جوهره مشروعا يؤكد على الصمود والمقاومة ، ضمن التعددية التي تعود عليها مجتمعنا الفلسطيني المعاصر، وأن يكون شعبنا الفلسطيني في كل أماكن تواجده شريكا فاعلا في هذا المشروع.

لن تحقق أية مصالحة فوقية بين مكاتب سياسية أو لجان مركزية أو هيئات قيادية، أية نتائج حقيقية ، إلا إذا كان الشعب ( صاحب الولاية )، هو من يقدم لها الإسناد والدعم ، وإلا ستكون تكرارا لتجارب سابقة- حزبية ، فصائلية ونقابية- ، كانت نتائجها تدميرية على الجسم الفلسطيني المنخرط بفعالية في النضال الوطني، لذلك يجب أن تُراعي مطالبه ومصالحه، وأن لا تكون تكرارا لمسلسل الُجرح النازف من المبادرات الكلامية.

علينا الإعتراف، أن غياب حالة التكامل والمشاركة ، قد سببت لقضيتنا الوطنية الفلسطينية الكثير من التراجع،  ولم يستفد منها سوى من له مصلحة مباشرة في إستمرارها ، لذلك ما زال السؤال مطروحا: إلى أي مدى نستطيع أن نجد حالة فلسطينية متقدمة ومستقلة عن تأثير المحاور في المنطقة ، تقوم على عمل مؤسساتي ، تُمسك بزمام المبادرة، وتقود شعبها موحدا في الداخل والخارج وهي تحمل مشروعه الوطني نحو المستقبل؟.لا تكفي الحالة الوجدانية العاطفية أو التكتيكية، لإنجاز  ظروف موضوعية قوية ، بل يجب تطوير إستراتيجية عمل ، واضحة ومنظمة، تقدم نفسها للشعب وتكون قادرة على تأطيره وجمع شتاته، وتستفيد من قوته الدافعة. فهل بالإمكان أن نشهد مثل هذه الإستراتيجية وقد تحققت، بالرغم من البرامج السياسية المختلفة والتحالفات الإقليمية المتعارضة ، والتناقضات التي تراكمت ؟

إن شعبنا الفلسطيني، بوعيه الوطني التقليدي ، وحرصه الشديد على مستقبل قضيته، سيكون من الروافع الأساسية لأي حالة توحد أو تكامل أو شراكة فلسطينية- فلسطينية، لأن هذا الشعب يعي تماما أن تناقضه الأساسي هو مع الإحتلال، وعانى طويلا من حالة الإنقسام والتشرذم، ويمكن المراهنة على صدق مشاعره ونُبله ، عندما يقتنع بأن الإرادة السياسية قد توفرت ، وبدأ يتلمس نتائجها على أرض الواقع.

ستشهد القضية الفلسطينية في السنوات القليلة القادمة، ولأسباب عديدة ، تحديات كبيرة جدا، لا يُمكن لأي طرف فلسطيني أن يواجهها منفردا.

وهناك إستحقاقات ستفرض نفسها ، لها علاقة بمستقبل السلطة الوطنية ، ومنظمة التحرير ، والوضع في قطاع غزة، وبدون الإستقواء بالشعب الموحد  ، وتلاحم القوى الوطنية الفلسطينية، سنقف أمام أصعب مراحل كفاحنا الوطني على الإطلاق.علينا دائما أن نتسامى على جراحنا، وأن نسعى للتخفيف أو تحييد خلافاتنا الثانوية، والإرتقاء بمشروعنا الوطني  لتحقيق أمال شعبنا بكل مكوناته وتياراته الأيدولوجية والفكرية والدينية ، لأن مرحلة التحرر الوطني، هي مرحلة لا يُمكن فيها أن يفرض توجه وحيد رؤيته على كامل مكونات شعبه، بل من مصلحته أن تزداد حالة الإلتفاف  والتـاييد الشعبي له، وعلى أساس الإختيار الحر ، وعبر مناخ من التعددية والمشاركة الطوعية الواعية، لا سيما أن شعبنا يرزخ منذ مدة طويلة تحت الإحتلال، وما زال رغم  حريته وشموخه ، أسير الواقع العربي والدولي  المتهالك.لقد راكمت الحركة الوطنية الفلسطينية، عبر سنوات من الكفاح الوطني، تجاربا كثيرا بالإمكان الإستفادة منها، وقدم هذا الشعب شلالا من الدم الغالي، وسنيين من الحرمان والمنافي والأسر، من أجل أن يحقق حُلمه الوطني في الحرية والإستقلال، وهناك أطر ومؤسسات تعمدت بدم الشعب وكفاحه، يجب إما إعادة إحيائها  وتطويرها وإعادة هيكلتها على أسس جديدة ( كمنظمة التحرير الفلسطينية، المجلس الوطني، والإتحادات )، أو إيجاد  إطار تحالفي وطني عريض وجامع وأكثر  قبولا من  قبل مختلف التيارات الوطنية،كذلك حقق شعبنا الفلسطيني، بعض المكاسب السياسية والقانونية، على الصعيد العربي والدولي، يجب أن يتم أخذها بعين الإعتبارات، وأن لا تذهب هذه التراكمات  أدراج الرياح،وبالإمكان أن تشكل الوحدة الوطنية الحقيقية، مصدرا هاما  لترسيخها ، وقوة دعم إضافية لتأكيد هذه الإنجازات وتطويرها مستقبلا.

كلما طال عمر الإنقسام ، إزدادت الهوة والمسافات  وتراكمت الأزمات والتحديات ، وهذه الحالة من أخطر ما يواجه مستقبل القضية الفلسطينية، ووحدة الشعب الفلسطيني، ومصالحه العُليا.دائما وأبدا ، نعم  ونعم ونعم لكل فكرة أو مشروع أو مبادرة ، تخفف من معاناة شعبنا ، وتحقق أي تقدم  في نضاله الوطني ، من لا يراكم التجارب الإيجابية ، يراكم الخسارة.

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here